التعليم توقف «سيستم» الامتحان الإلكتروني لإصلاحه    ختام فعاليات التدريب المصرى البريطانى المشترك "أحمس –1"    رئيس أكاديمية الشرطة يُعلن موعد تقديم أوراق دفعة جديدة من «الضباط المتخصصين»    «القوى العاملة»: قبول طلبات 47 فرصة عمل بدمياط (الشروط والراتب)    بالصور .. الإمام الأكبر يحتفي بزيارة رئيس وزراء العراق للأزهر    وزير الزراعة ومحافظ بني سويف يتفقدان تجميعة إرشادية لمحصول القمح بإهناسيا    التخطيط: معدل النمو في مصر فاق مثله في الأسواق الناشئة والدول النامية    أسعار العملات اليوم الإثنين 25-3-2019    بدء المنتدى الإقليمي للابتكار التكنولوجي في السياحة بحضور رئيس الوزراء    سلطات الاحتلال الإسرائيلى تفرض طوقا شاملا على قطاع غزة    ملك الأردن يلغي زيارته إلى رومانيا بسبب نقل سفارتها للقدس    نواب يطالبون ماي بتحديد موعد لاستقالتها مقابل دعم اتفاق الخروج    الأهلي اليوم : الحاوي وأكرامي علي أبواب العودة لصفوف الأهلي    تعرف على موعد مباراة منتخب البرتغال وصربيا والقنوات الناقلة    الأهلي يسعى لحصد لقب سيدات إفريقيا للطائرة أمام قرطاج    الأرصاد توجه نصائح خاصة المواطنين بسبب طقس الربيع    إحباط ترويج 5 كيلو حشيش وإستروكس بالقاهرة    التحقيق في واقعة انتحار «ربة منزل» ببولاق الدكرور    مصرع عامل صدمه قطار في البحيرة    تعرف على التيسيرات المقدمة للالتحاق بقسم الضباط المتخصصين    اليوم.. الحكم على 120 متهمًا فى الذكرى الثالثة للثورة    الآثار تشارك باجتماعات اللجنة المصرية العمانية لوضع آليات التعاون المشترك    فيديو| فابيولا: الحضارة الفرعونية لها خصوصيتها والاهتمام لدى المواطن الفرنسي    وزير الآثار: الوكالة الأمريكية للتنمية شريك فى حماية الإرث الحضارى لمصر    وكيل الأزهر يتفقد اختبارات مسابقة الأزهر العالمية للقرآن الكريم    فحص ٢مليون و٩٧٠ألف مواطن في حملة ١٠٠مليون صحة بالشرقية    فيديو| مكافحة العدوى تحذر: عمليات «الفيلر والبوتكس» تنقل «فيروس سي»    تباين مؤشرات البورصة في بداية التعاملات اليوم ٢٥ مارس    عبد القادر: قرار «ترامب» بضم مرتفعات «الجولان» انتهاكًا للشرعية الدولية    رئيسة وزراء نيوزيلندا تشكل لجنة تحقيق ملكية في هجوم كرايستشرش    رئيس مستقبل وطن: مصر أعادت لم شمل الأمة العربية.. والقمة الثلاثية تعزز التكامل والترابط    تقرير مولر ضربة قوية لخطط الديمقراطيين في أمريكا لمساءلة ترامب    كامل الوزير: نعمل على تطوير منظومة الموانئ.. وجذب المزيد من الاستثمارات | صور    التعليم: وقف سيستم منصة الامتحان للتأكد من عمله دون إنقطاع والعودة خلال ساعة    اليوم.. طعن 312 متهما في قضية أحداث مسجد الفتح    برلمانى : بى بى سى أصبحت لسان الجماعة الإرهابية    وزيرا النقل والاستثمار يبحثان تشجيع استثمارات الموانئ والنقل التشاركى    شوقي غريب يوجه الشكر للمحترفين المصريين    قصة الفنانة التي أحرجت محمد صلاح    «أص» يتصدر إيرادات دور السينما الأمريكية    إيناس عبد الدايم: انضمام 11 صرحا لمنظومة قصور الثقافة في أقل من عام | صور    أمير مرتضي : لا نخشي أي فريق    الأوقاف تنظم ندوة "القرآن علم صناعة الحياة لا الموت"    قلق في الأهلي.. أيمن أشرف مهدد بالغياب عن القمة    تصفيات يورو2020 ..ألمانيا تكتسح هولندا في الوقت القاتل وبلجيكاتنفردبالصدارة    قلق من زيادة إقبال الفتيات على جراحات التجميل في بريطانيا    لاعب برشلونة السابق: أتمنى مشاهدة مباراة قمة ممتعة بين الأهلي والزمالك    أمين الفتوى يوضح حكم قراءة القرآن وهبة ثوابه للميت.. فيديو    اليوم .. مكتبة الإسكندرية تفتتح معرض الكتاب في دورته ال 15    محمد رشاد الأعلى بحثا في جوجل بعد زواجه من مي حلمي    أسعار الدولار اليوم الإثنين 25-3-2019 في البنوك الحكومية والخاصة    مستشار المفتي: الجن موجود وعدم رؤيته رحمة للبشر.. فيديو    أول رد فعل من نتنياهو على سقوط صاروخ وسط إسرائيل    فيديو| أديب عن واقعة تحطيم وحدة القسطرة بمعهد القلب: إرهاب المستشفيات يجب أن يتوقف    وزير التعليم يفجر مفاجأة عن أزمة وقوع "السيستم"    جولة الوزير تكشف المستور وتقرير عاجل لتحديد المسئول واستضافة "الفياتا" فى "سكة سفر"    “الإخوان” في ذكرى تأسيسها ال91: صامدون أمام الطغيان والنصر صبر ساعة    الحملات الطبية ومرحلة العلاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مهمة الديمقراطيين المقدسة
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 01 - 2019

تحل الذكرى الثامنة لثورة يناير 2011، وما زالت دوائر الحكم تردد مقولة عدم جاهزية مصر للديمقراطية وتدبج الحجج الزائفة لتمرير غياب الحرية عن الفضاء العام. يقولون، على سبيل المثال، أن بناء الديمقراطية يستلزم تحقق مجموعة من الشروط المجتمعية والسياسية المسبقة أهمها سيادة القانون واستقرار مؤسسات الدولة الوطنية وحياديتها التى بدونها تتحول آليات وظواهر كالانتخابات الدورية وتداول السلطة والتعددية الحزبية وتنوع كيانات المجتمع المدنى إلى واجهات خالية من المضمون. يكررون أن بناء الديمقراطية يستلزم توفر درجة متقدمة من النمو الاقتصادى وتحقق تماسك الطبقة الوسطى، ويدفعون أن نظم الحكم غير الديمقراطية أقدر من غيرها على ضمان النمو الاقتصادى السريع وتطوير المرافق الرئيسية كالتعليم والصحة والخدمات المدنية التى تحتاجها الطبقة الوسطى للازدهار. يفعلون ذلك متناسين أن التحديات العديدة التى تواجه سيادة القانون فى مصر وتردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وهشاشة الطبقة الوسطى هى نتائج مباشرة لحكم الفرد وإخفاقاته المتراكمة.
لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين غير حكم الفرد وأعيد دوما التأسيس له وتثبيت دعائمه فى أعقاب حدوث هبات وانتفاضات شعبية وكذلك كانت الحال بعد ثورة يناير 2011. لم تعرف مصر غير تحالف النخب الاقتصادية والمالية والفكرية والإعلامية مع الحاكم الفرد الذى صارت تعتمد على رضائه لحماية عوائدها وقبلت التبرير المستمر لسياساته وقراراته بغض النظر عن مضامينها وتداعياتها وتناقضاتها. لم تعرف مصر سوى التعامل التأجيلى مع بناء الديمقراطية وإنهاء القمع والعقاب والتنكيل وإقرار حقوق الإنسان والحريات، تارة بأن يفرض الحاكم الفرد على مواطنيه المقايضة السلطوية الزائفة «الخبز والأمن نظير الحرية» وتارة ثانية بالترويج لمقولات عدم جاهزية البلاد للديمقراطية وتارة ثالثة بمقولات التخويف «إما أنا أو الفوضى»! لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين إلا اقتناع الحاكم الفرد بقدرته على «الإنجاز» دون مؤسسات منتخبة، والنتيجة هى طغيان ظواهر سلبية كثيرة مثل سطوة الفردية على أداء مؤسسات وأجهزة الدولة والمحدودية البالغة لأدوات الرقابة عليها وضعف مساءلة ومحاسبة شاغلى المنصب العام. لم تعرف مصر غير سعى حكم الفرد وأهل ثقته والنخب المتحالفة معه إلى تهجير المواطنين من الفضاء العام واستدعائهم فقط لتأييد الحاكم ومساندة سياساته وقراراته، وها هى جموع المواطنين التى انتفضت مطالبة بالحرية فى يناير 2011 تبتعد مجددا إما عن اقتناع بكون حكم الفرد هو السبيل الوحيدة لضمان الخبز والأمن أو عازفة فى إحباط مما آلت إليه الأمور أو خائفة من ظلام القمع والعقاب والتنكيل.
***
لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين غير طغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة كمعولين رئيسيين يستخدمهما حكم الفرد للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع وإخضاع المواطن، ورتب ذلك التوسع المطرد فى العصف بسيادة القانون وفى توظيف الأدوات القمعية وفى تشويه الوعى الجمعى. يورط طغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة الحكم فى رفض التداول الحر للحقائق والمعلومات لكيلا يمتلك الناس من المعرفة ما قد يساعدهم على مقاومة تشويه الوعى، ويورطان المؤسسات والأجهزة النافذة فى تصوير المعارضين السلميين زيفا كأعداء ومتآمرين وفى إلصاق اتهامات متنوعة بهم من نشر الفوضى إلى ضرب الاستقرار مثلما يورطانها فى تعقب منظمات المجتمع المدنى المستقلة التى تدافع عن الحقوق والحريات وفى تعريضها لحصار التشويه والإلغاء. لم تعرف مصر غير التوظيف الممنهج لطغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة لاصطناع المواطن الخائف المبتعد عن الشأن العام والممتنع عن طلب المعلومة والمتنازل عن حقه المشروع فى مراقبة ومساءلة ومحاسبة شاغلى المنصب العام. يصطنع حكم الفرد ذلك المواطن الخائف ويجبره بالأدوات القمعية على تجاهل المظالم والانتهاكات ويثنيه عن التطلع إلى الحرية ويسوغ له قبول المقايضة السلطوية الأمن والخبر نظير الحق والحرية.
***
فى الذكرى الثامنة لثورة يناير، لم تتغير حقائق الحكم فى بلادنا وما زلنا نراوح فى ذات خانات حكم الفرد وطغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة. لم تتغير حقائق الحكم، ولن تتغير ما لم يتغير المطالبون بتغييرها. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات فى مصر أن تدرك أن انهيار الأوضاع الأمنية وتردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصراعات العبثية بين القوى السياسية فى أعقاب يناير 2011 رتبت مجتمعة فقدان ثقة قطاعات شعبية واسعة فى التحول الديمقراطى وزينت لها النظر إلى حكم الفرد كملاذ وحيد لإنقاذ البلاد من عدم الاستقرار. بين 2011 و2013، ارتكبت القوى السياسية، إسلاموية وعلمانية، خطايا كبرى وتلاعبت بآمال المصريات والمصريين فى الإدارة الناجحة للتحول الديمقراطى وفى الربط بين صون الحقوق والحريات وبين تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمستويات المعيشية. بين 2013 و2018، ترك الناس للمقايضة السلطوية «الخبز والأمن نظير الحق والحرية» ولم يكن فى استطاعتهم مقاومة غوايتها ولا مقاومة المخاوف الحقيقية من أن يؤدى عدم الاستقرار إلى أن تلحق ببر مصر المصائر الإقليمية البائسة التى تهدم بها معاول الإرهاب والحروب الأهلية والعنف كيان الدول الوطنية وتفرض على مواطنيها الموت والدمار والنزوح واللجوء كحقائق وحيدة لوجودهم. ترك الناس لغواية المقايضة السلطوية، وراوحت مواقف أغلبيتهم بين القبول والعزوف والابتعاد خوفا من القمع والتعقب والمعارضة فى لحظات ومساحات محدودة. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن فشل التحول الديمقراطى بعد يناير 2011 كان من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لإخفاقات القوى السياسية التى تصدرت الواجهة وعجزت بسبب صراعاتها العبثية عن الحفاظ على ثقة الناس ودفعت قطاعات واسعة منهم إلى طلب حكم الفرد كملاذ إنقاذى أخير. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن الفشل فى مواجهة المقايضة السلطوية بين 2013 و 2018 كان من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لاستعلاء القوى المعارضة لحكم الفرد على الطلب الشعبى على الخبز والأمن وتجاهلها لضرورة تقديم بدائل واقعية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة وحتمية عدم الاقتصار لا على الانتقاد المشروع للقوانين المقيدة للحريات والممارسات القمعية ولا على الدعوة المهمة لصون مواد الدستور الضامنة للتداول السلمى للسلطة.
فى يناير 2019، يظل النقد الذاتى هو مهمة الديمقراطيين المقدسة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.