قرار مهم من التربية والتعليم للمعلمين الجدد    تسجيلات نادرة لمبارك عن استرداد طابا    ننشر «أسعار الدواجن» بالأسواق الثلاثاء 19 مارس    نيكى يغلق منخفضا مع تراجع شركات التصدير    المحققون فى سقوط الطائرة الإثيوبية يعودون من باريس    المرور يفتح طريقى إسكندرية الصحراوى والعلمين بعد زوال الشبورة    "العمدة" يعتمد حركة تنقلات عدد من الضباط    رأيت خالي يقترح عليّ أحد أقاربنا للزواج    وزيرة الصحة تطلق المرحلة الثانية من التجريع صد الديدان المعوية.. وتؤكد أمانها    لاسارتي يطلب استعادة 2 من لاعبي الأهلي المعارين .. من هما؟    الأشعة تحدد مصير عامر عامر بمعسكر منتخب مصر    سعر الدولار مقابل الجنيه المصري    اليوم.. وزير القوى العاملة يسلم 299 عقد عمل لذوي الاحتياجات الخاصة    الأرصاد تحذر السائقين من القيادة في الصباح الباكر ..فيديو    السيطرة على حريق داخل شقة سكنية فى كرداسة دون إصابات    "أمير البهجة" بنادي سينما الثلاثاء.. مساء اليوم    بومبيو: سأظل في منصبي الوزاري حتى يغرد ترامب بتنحيتي    رابع استقالة بصفوف الحكومة الكندية على خلفية فضيحة «أس إن سي - لافالان»    كندا تمدد مهام عسكرييها فى العراق وأوكرانيا    قطع المياه عن مناطق بمدينة المحلة الكبرى اليوم لمدة 12 ساعة    "اتصالات النواب": مصر بها 10 ملايين حساب مستعار على مواقع التواصل الاجتماعي    حازم إمام عن قميص المنتخب الجديد: "معرفش ليه بنجيب في نفسنا إجوان"    عمرو أديب يوجه نصيحة لعمرو دياب ودينا الشربيني: "هتتبهدلوا حسد" |فيديو    أزمات "ميدو" على "تويتر" أولها "شيشة" وآخرها "هاكر"    رئيسة وزراء نيوزيلاندا تتعهد بمحاكمة مرتكب مذبحة الساجدين    جامعة طنطا: تشغيل وحدة جراحات تشوهات وأمراض كسور عظام الأطفال المجانية    فحص مليون و436 ألف مواطن بمبادرة "100 مليون صحة" في الغربية | صور    دراسة: الأسبرين لم يعد موصى به للأزمة القلبية والوقاية من السكتة الدماغية    أجندة الثلاثاء: وزيرة الهجرة تزور مصابي مذبحة المسجدين في نيوزيلندا    «ماركا»: لاعب واحد يمكنه منافسة ميسي على «الحذاء الذهبي»    أجندة إخبارية ليوم الثلاثاء الموافق 19 مارس 2019    الوليد بن طلال: الملك سلمان وولي العهد في قلبي وعيوني    سيد درويش: صوت ثورة 1919 الذي أشعل حماس الجماهير في مصر    وزيرة الهجرة: 14 مليون مصري في الخارج    موجز التوك شو.. متابعة حادث نيوزيلندا.. واحتفاء بملتقى الشباب العربي الإفريقي    صور| أكثر من 1000 قتيل بسبب إعصار إيداى بزيمبابوى    استخدام الطاقة الشمسية للزراعة بولايتين في السودان    وزيرة الهجرة تسافر إلى نيوزيلندا لدعم ذوي ضحايا الحادث    تعرف على موعد عودة جثامين ضحايا مذبحة الساجدين فى نيوزيلندا    بالفيديو.. حسين الجسمي يطرح أغنية "من يقدر عليك"    كارثة بشرية بسبب حادث بطريق "بلبيس- العاشر"    الإنتاج الحربي يكشف حقيقة إصابة عامر عامر بالرباط الصليبي مع المنتخب    اختتام منافسات بطولة دوري مراكز الشباب في الإسكندرية    مجاهد: القمة بين الزمالك والأهلي قد يتم نقلها من برج العرب    وفاة 5 وإصابة 8 في حادثين مروريين على طريق العلاقي بأسوان    جمارك مطار الأقصر تحبط تهريب هواتف محمولة    مساعد «اتحاد الشباب السوداني» يستعرض ركائز تأمين منطقة الساحل في أفريقيا    تواصل قدماء المصريين وأخبار الكورسات والرفق بالحيوان ب"مجلة علاء الدين الإذاعية"    الكلية الفنية العسكرية تنظم المسابقة الأولى للهياكل المصنعة من المواد المركبة المتقدمة    «نادية».. كافحت 19 عاما بعد وفاة زوجها لتربية أولادها    حكايات النساء.. تاريخ غير تقليدى للأمومة والعقم    أسماء المكرمات من الأمهات المثاليات    تصنيع الخلايا الشمسية من المعادن الأرضية    فيديو.. رمضان عبد المعز: من ماتت دون زواج فهي شهيدة    المستشار عادل زكى أندراوس عضو مجلس القضاء الأعلى الأسبق ل«روزاليوسف»: مقترح إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية «إجراء إدارى» لا يمس استقلال القضاء بأى صفة    علي جمعة: ليس في الشرع ما يمنع من تخصيص يوم للتعبيرعن البر بالأم    رئيس مجلس الوزراء ينيب وزير الأوقاف في افتتاح المسابقة العالمية للقرآن الكريم    لتحافظ على صلاتها ومكياجها..الإفتاء توضح كيفية وضوء العروسة يوم زفافها..فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تفتيت أوروبا
نشر في الشروق الجديد يوم 07 - 12 - 2018

فى بداية الألفية الجديدة ووفقا للعديد من استطلاعات الرأى آنذاك، كانت شعوب الاتحاد الأوروبى ترى فى اندماجها الاقتصادى والمالى والاجتماعى والسياسى الوسيلة الفضلى للحفاظ على الأمن والرخاء فى القارة العجوز. مزايا العملة الموحدة، دور البنك الأوروبى الموحد، تحديات التوسع المطرد فى عضوية الاتحاد، النقاشات حول الدستور الأوروبى وتطوير الفعل السياسى والعسكرى للاتحاد وصعوده المرتقب بوصفه قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ كانت تلك هى القضايا المطروحة على الأوروبيين فى السنوات الممتدة بين 2000 و2008 وبشأنها تمايزت مواقف الحكومات بين تأييد تسريع الاندماج القارى على جميع المستويات وبين المطالبة بمواصلة الاندماج الاقتصادى والمالى وتأجيل تطلعات الحكومة الأوروبية الموحدة والجيش الأوروبى المشترك. بالقطع، حضرت أقليات شككت فى الاتحاد الأوروبى وتواجدت أحزاب وحركات سياسية قومية ورفض مقترح الدستور الأوروبى فى استفتاءات شعبية. إلا أن أغلبيات مستقرة بين شعوب القارة وأحزاب يمين ويسار الوسط التى تناوبت على الحكم فى بلدانها بدت متمسكة بالاتحاد وغير مستعدة للتراجع عن وعدى الأمن والرخاء اللذين ضمنهما منذ خمسينيات القرن العشرين (كسوق مشتركة ثم كاتحاد).
أما اليوم، وفى خواتيم العقد الثانى من الألفية الجديدة، فيبدو أمر الأوروبيين وكأن أحوالهم انقلبت رأسا على عقب. صارت الأغلبيات تتململ من تواصل الاندماج القارى، وصوت الناخبون البريطانيون لصالح التخارج من الاتحاد (بالكاد وبعد تزييف ممنهج لوعى الناخبين نعم، ولكن الأغلبية أيدت مغادرة الاتحاد الأوروبى)، ويستمر فى عموم أوروبا صعود أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية التى ترى فى الاتحاد ومسئوليه وبيروقراطيته الجالسة فى بروكسل (العاصمة البلجيكية) قوى معادية تفرض عليهم اختيارات اقتصادية ومالية واجتماعية غير مقبولة، ولم تعد حرية حركة المواطنين وإسقاط الحدود الفاصلة بين بلدان الاتحاد وحرية تنقل العمالة بين اليونان وبريطانيا مسلمات لا تمسها الحكومات الأوروبية. فما الذى حدث؟
***
بين 2008 و2018، تعاقبت على الأوروبيين صنوف من الأزمات أسفرت عن انهيار ثقة الأغلبيات فى وعدى الاتحاد الأساسيين، الأمن والرخاء. وتواكبت الأزمات هذه، وأتناولها فى الفقرات التالية، مع اكتفاء أحزاب يمين ويسار الوسط الحاكمة بمجرد التشديد على غياب البدائل للاندماج القارى وعجزها عن تطوير خطاباتها الانتخابية وسياساتها العامة بشأن أوروبا على نحو يجدد الثقة الشعبية فى مزايا الاندماج. فى المقابل، استطاعت أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية أن تتغلغل فى الفراغ الناشئ بين انهيار ثقة الأغلبيات وتجاهل الحكومات لكى تصنع من التشكيك فى الاتحاد الأوروبى واقعا سياسيا ضاغطا لم يتوقعه أحد. لم ينتظر أكثر الأوروبيين تشاؤما خروج بريطانيا من الاتحاد مثلما لم يتحسبوا لا لشيوع العداء الشعبى لقرارات بيروقراطية بروكسل الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية ولا لبلوغ اليمين المتطرف والقوميين لمقاعد الحكم فى روما ووارسو وبودابست وبراغ.
مثلت تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008 الاختبار الأول الذى فشل الاتحاد الأوروبى فى التعامل معه، فقد انهارت الأسواق العقارية والبنكية فى العديد من البلدان ودخلت اقتصاديات اليونان وأيرلندا وإسبانيا وإيطاليا فى دائرة خطيرة من انكماش الناتج القومى وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وعجز الموازنات العامة. وعلى الرغم من التدخل السريع للبنك الأوروبى لمساعدة الاقتصاديات المأزومة (أيضا لضمان استقرار العملة الموحدة) ومن تفعيل آليات التضامن داخل الاتحاد على النحو الذى وفر مساعدات مالية كبيرة للحكومات اليونانية والأيرلندية والإسبانية والإيطالية، إلا أن تداعيات أزمة 2008 استمرت لسنوات عديدة وبلغت فى 2010 منعطفا جديدا بخطر إفلاس اليونان وما تلاه من انقسام داخل القارة بين شمال مستقر اقتصاديا وجنوب يعانى، وبين شعوب فى الشمال ترى أنها تنفق من مواردها وعوائد عملها هى على شعوب مسرفة وكسولة وشعوب فى الجنوب تعتقد أن اقتصادياتها صارت مجرد أسواق لبيع وشراء منتجات الشمال، وبين حكومات فى الشمال تعلن شكليا التزامها بآليات التضامن الأوروبى وتهدد الجنوب بعقوبات اقتصادية ومالية حال عدم الالتزام بشروط الحد من الديون الحكومية وحكومات فى الجنوب تخدع شعوبها بشأن شروط أغنياء الشمال وآثارها المحتملة.
والمحصلة كانت ومازالت فقدان ثقة شعوب الشمال والجنوب فى قدرة الاتحاد الأوروبى على التعامل المتوازن والفعال مع الأزمات الاقتصادية والمالية والإبقاء على وعد الرخاء والتضامن القارى قائما دون إذلال للجنوب أو تمرد مخادع على الشمال.
***
ثم جاء صعود أحزاب اليمين المتطرف والحركات القومية، بل والمجموعات العنصرية فى العديد من بلدان الاتحاد الأوروبى ليشكل أزمة سياسية واجتماعية حادة. من جهة أولى، لم تنكر تلك القوى الصاعدة عداءها للتوجهات الليبرالية للاتحاد فيما خص إلغاء الحدود الفاصلة بين بلدانه وسياسات الهجرة واللجوء ولم تتردد حين بلغت مقاعد الحكم فى الانقلاب عليها. فى المجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وإيطاليا حكومات بعضها يغلق الحدود وبعضها يرفض استقبال المهاجرين واللاجئين وبعضها الثالث يريد توزيع القادمين الجدد من المهاجرين واللاجئين على بلدان أوروبية أخرى. وتتواكب مثل هذه التوجهات غير الليبرالية مع انتشار خطابات الكراهية وارتفاع صوت المجموعات العنصرية المعادية لوجود الأجانب فى عموم أوروبا وتواتر الجرائم العنصرية، وكذلك مع زيادة غير مسبوقة فى أعداد المهاجرين واللاجئين الذين يطرقون أبواب القارة. من جهة ثانية، تبدو الأغلبيات الأوروبية قلقة من مستقبل اندماج المواطنين ذوى الأصول الأجنبية والمقيمين الأجانب (خاصة أصحاب الأصول العربية والإسلامية) فى مجتمعاتها، وتتشكك فى أن حكوماتها أو البيروقراطية الأوروبية فى بروكسل تستطيع السيطرة على ظواهر سلبية كالتطرف الدينى ورفض بعض ذوى الأصول الأجنبية لقيم التسامح والمساواة بين النساء والرجال وحقوق الإنسان دون تمييز وتورط نفر أصغر منهم فى جرائم إرهابية.
***
هنا أيضا، ولأن الاتحاد الأوروبى أضحى ينقسم بين بلدان تتمسك حكوماتها بالتوجهات الليبرالية فى قضايا الحدود والهجرة واللجوء وبلدان أخرى تدير شئونها حكومات انتخبت ديمقراطيا لتغلق الحدود وترفض قدوم المهاجرين واللاجئين، تفقد شعوب القارة ثقتها فى الاتحاد وتستسلم تدريجيا لعجزه عن صياغة سياسات جديدة تضمن الحد الأدنى من الحدود المفتوحة وتحمى أوروبا من التداعيات الخطيرة لموجات الهجرة واللجوء الضخمة والتى كانت موجة 2015 موجتها الأخيرة.
بريطانيا تتخارج، الحكومة الإيطالية الجديدة (حكومة اليمين الشعبوى والمتطرف) تصارع بيروقراطية بروكسل بشأن الدين الحكومى وتتهم حكومات بلدان الشمال الغنية (خاصة ألمانيا) بالتدخل غير المقبول فى شئونها، حكومة فيكتور أوربان فى المجر تتمسك بإغلاق حدودها وتهدد بإعادة ما فعلته فى 2015 حين ألقت بالمهاجرين واللاجئين على حدود النمسا، الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون يغرق فى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بينما ينتج خطابا سياسيا غير واضح المعالم حول تسريع وتائر الاندماج الأوروبى، حكومة أنجيلا ميركل فى برلين تواصل التمسك بشروط الدعم الاقتصادى والمالى داخل الاتحاد وأهمها خفض مستويات الدين الحكومى وترفض الانفتاح على اقتراحات الإيطاليين وجنوبيين آخرين بينما تقبل تدريجيا التوجهات غير الليبرالية بشأن الهجرة واللجوء، أحزاب يمينية متطرفة وحركات قومية ومجموعات عنصرية تتسع مساحات فعلها بانتظام وتصير مقبولة مجتمعيا على الرغم من خطابات الكراهية التى تنشرها والعنف الذى تتورط به، أغلبيات حائرة تعانى أزمات اقتصادية واجتماعية متصاعدة (الأحداث الفرنسية الأخيرة) ولا تعرف إن كان الاندماج القارى مازال فى 2018 السبيل الوحيد للأمن والرخاء.
هذا هو المشهد الأوروبى اليوم، وما أبعده عن آمال الولايات المتحدة الأوروبية التى هيمنت على العقد الأول من الألفية الجديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.