محافظ بني سويف :خطة محكمة بالتنسيق مع الزراعة استعدادا لموسم توريد القمح    رئيس وكالة التنمية الدولية الأمريكية يزور مصر ويجري لقاءات مكثفة ويتفقد مسجد أصلم السلحدار والمعبد اليهودي    سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض طوقا شاملا على قطاع غزة    الأهلي يجري اتصالات مع الكاف لتأجيل مباراة صن داونز 24 ساعة    الأرصاد:الطقس غدا لطيف على معظم الأنحاء..والعظمى بالقاهرة 20    وكيل الأزهر يتفقد اختبارات مسابقة الأزهر العالمية للقرآن الكريم    فحص 3 مليون و45 ألف مواطن في 100مليون صحة بالدقهلية بنسبة 75%    تعرف على أسعار العملات اليوم    رئيس الوزراء يصل المنتدى الإقليمي للابتكار التكنولوجي في السياحة    وزيرا النقل والاستثمار يبحثان تشجيع استثمارات الموانئ والنقل التشاركى    تباين مؤشرات البورصة في بداية التعاملات اليوم ٢٥ مارس    كامل الوزير: نعمل على تطوير منظومة الموانئ.. وجذب المزيد من الاستثمارات | صور    رشا مجدى: ننتظر من مجلس الدولة قرار إعادة المعاشات لأصحابها..فيديو    أكاديمية الشرطة تُعلن عن موعد قبول دفعة جديدة من «الضباط المتخصصين»    عبد القادر: قرار «ترامب» بضم مرتفعات «الجولان» انتهاكًا للشرعية الدولية    رئيسة وزراء نيوزيلندا تشكل لجنة تحقيق ملكية في هجوم كرايستشرش    رئيس مستقبل وطن: مصر أعادت لم شمل الأمة العربية.. والقمة الثلاثية تعزز التكامل والترابط    ماي تضحي برئاسة وزراء بريطانيا مقابل دعم المحافظين لخطة بريكسيت    العاهل الأردني يلغي زيارة إلى رومانيا ردا على موقفها من القدس    تقرير مولر ضربة قوية لخطط الديمقراطيين في أمريكا لمساءلة ترامب    برلمانى : بى بى سى أصبحت لسان الجماعة الإرهابية    مرتضى منصور يعلق على قرار إيقاف برنامج «الزمالك اليوم».. وعقوبات اتحاد الكرة    شوقي غريب يوجه الشكر للمحترفين المصريين    أمير مرتضي : لا نخشي أي فريق    تصفيات يورو2020 ..ألمانيا تكتسح هولندا في الوقت القاتل وبلجيكاتنفردبالصدارة    القوى العاملة: قبول طلبات 47 فرصة عمل بدمياط برواتب تصل إلى 2500 جنيه    عامل يطعن «قهوجى» للخلاف على قيمة المشروبات بالبحيرة    التعليم: وقف سيستم منصة الامتحان للتأكد من عمله دون إنقطاع والعودة خلال ساعة    السيطرة على حريق نشب داخل مزرعة للدواجن في البحيرة    اليوم.. طعن 312 متهما في قضية أحداث مسجد الفتح    مصرع عامل إثر اصطدام أحد القطارات به بكفر الدوار    ضبط 55 متهما لحيازتهم كميات من المواد المخدرة فى الجيزة    قصة الفنانة التي أحرجت محمد صلاح    «أص» يتصدر إيرادات دور السينما الأمريكية    «الٱثار» تشارك في اللجنة المصرية العمانية المشتركة    إيناس عبد الدايم: انضمام 11 صرحا لمنظومة قصور الثقافة في أقل من عام | صور    فابيولا بدوي: الحضارة الفرعونية لها خصوصيتها لدى المواطن الفرنسي..فيديو    أول طلب إحاطة لوزير التعليم عن «النظام التراكمي الجديد»    الأوقاف تنظم ندوة "القرآن علم صناعة الحياة لا الموت"    ختام فعاليات التدريب المصرى البريطانى المشترك «أحمس –1»    قلق من زيادة إقبال الفتيات على جراحات التجميل في بريطانيا    احذر: الفيلر والبوتكس والوشم ينقل فيروس سي..فيديو    نائب يحذر المصريين.. "بلاش تقبلوا طلبات صداقة غريبة على مواقع التواصل"    لاعب برشلونة السابق: أتمنى مشاهدة مباراة قمة ممتعة بين الأهلي والزمالك    أمين الفتوى يوضح حكم قراءة القرآن وهبة ثوابه للميت.. فيديو    اليوم .. مكتبة الإسكندرية تفتتح معرض الكتاب في دورته ال 15    ريهام سعيد: "بقينا خايفين نتكلم"    محمد رشاد الأعلى بحثا في جوجل بعد زواجه من مي حلمي    منتخب الجبل الأسود يستضيف نظيره الإنجليزي في تصفيات يورو 2020    مستشار المفتي: الجن موجود وعدم رؤيته رحمة للبشر.. فيديو    أول رد فعل من نتنياهو على سقوط صاروخ وسط إسرائيل    الأرصاد الجوية تحذر من طقس اليوم وسقوط أمطار على تلك المناطق    فيديو| أديب عن واقعة تحطيم وحدة القسطرة بمعهد القلب: إرهاب المستشفيات يجب أن يتوقف    وزير التعليم يفجر مفاجأة عن أزمة وقوع "السيستم"    اتحاد الكرة تدخل لحل أزمة أسعار الفنادق المستضيفة لفرق منتخبات أمم إفريقيا    جولة الوزير تكشف المستور وتقرير عاجل لتحديد المسئول واستضافة "الفياتا" فى "سكة سفر"    “الإخوان” في ذكرى تأسيسها ال91: صامدون أمام الطغيان والنصر صبر ساعة    الحملات الطبية ومرحلة العلاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





متى تخاف الشعوب من التغيير؟
نشر في الشروق الجديد يوم 12 - 10 - 2018

تشارك ثلاثتنا الحديث. هى روائية كينية تكتب باللغة الإنجليزية وتدرس فنون الكتابة الأدبية فى نيروبى، هو عالم ومعالج نفسى ألمانى يعمل فى جامعة سويسرية ويتخصص فى دراسة تداعيات الصدمات النفسية «التروما».
افتتحت هى الكلام بسؤال عما إذا كان التفاؤل بمستقبل الإنسانية قد صار شططا من خيال إزاء ما يحيط بشعوب كثيرة من قتل وعنف وتطرف وكراهية وفى وجه المصائر القاسية التى يتعرض لها أصحاب الرأى الحر من الصحفية البلغارية المغدورة فيكتوريا مارينوفا إلى الصحفى السعودى المختفى جمال خاشقجى. قالت إنها وإن أدركت كون التقدم العلمى والتكنولوجى يفتح آفاقا جديدة لإخراج بلايين الناس من الفقر ولتحسين الخدمات التعليمية والصحية التى يحصلون عليها ولعلاج الأوبئة المزمنة والأمراض المعقدة ولحماية مجتمعاتنا من أخطار الطبيعة والمناخ المتقلبين، إلا أنها لا تملك تجاهل ما يحيط ببلدان الجنوب فى الشرق الأوسط وإفريقيا من مذابح عرقية وحروب إقليمية وحروب أهلية وعمليات إرهابية وملايين الفارين من جحيم غياب الأمن والفقر والانفجارات العنصرية التى تعمق من عذاباتهم وجراحهم فى المنافى الغربية. ليس بالتقدم العلمى والتكنولوجى فقط تحيا الإنسانية وظواهر الاستبداد والدماء والعنف استوطنت بلدان الجنوب منذ آماد بعيدة ولن ترحل عنها قريبا، هكذا أفاضت فى تفصيل رؤيتها التشاؤمية ثم صمتت مديرة عينيها الواسعتين بيننا.
***
تداخل العالم والمعالج النفسى فى الحديث، فأفصح عن أصوله الألمانية الشرقية ووظفها للتدليل على أن أحوال المجتمعات دائمة التغيير وفرص خروج البلدان التى أنهكها الاستبداد أو تمكن منها العنف من أزماتها أبدا لا تنعدم. ذكرنا أن نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين شهدت من جهة استغلال بلدان أوروبا الشرقية والوسطى فرصا واتتها للخروج من عباءة الهيمنة السوفيتية وإنهاء حكم الأحزاب الشيوعية ونجاحها بالفعل فى فتح أبواب التغيير الديمقراطى واعتماد آليات الاقتصاد الرأسمالى، وتميزت من جهة أخرى بشيوع مناخات تفاؤلية فى عموم أمريكا الشمالية وأوروبا تلت سنوات التشاؤم فى أعقاب الارتفاع المذهل فى أسعار النفط فى السبعينيات والحروب بالوكالة التى خاضتها القوتان العظميان آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى وسباق التسلح المحموم بينهما وكارثة المفاعل النووى الأوكرانى تشيرنوبيل فى 1986 والانتشار السريع لمرض الإيدز الذى لم تتوافر له علاجات ناجعة. قال إن المناخات التفاؤلية تلك استعادت للغربيين الثقة فى مستقبل الإنسانية، وحفزتهم على الزهو بحكوماتهم الديمقراطية واقتصادياتهم الرأسمالية والعمل على نشر مبادئها وممارساتها عالميا وليس فقط فى بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، وشجعتهم على زيادة مساعداتهم التنموية للمجتمعات الفقيرة.
ثم انحسرت جرعة التفاؤل فى حديث الرجل ما أن ولى فكرة شطر الحاضر الذى تبدو به الديمقراطية متراجعة والرأسمالية مأزومة وتتقاذف به العنصرية والأفكار اليمنية المتطرفة بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، فقال إن استمرار مسارات التغيير الإيجابى فى مجتمعات البشر إنما يرتبط (من بين عوامل أخرى) بتعاملها الصريح والنقدى مع ماضيها (عقود ما قبل التغيير) واعترافها بخطاياها ونواقصها. لذا، وفقا للأمثلة التى ساقها، تمكنت جمهورية التشيك من بناء نظام ديمقراطى ورأسمالى متوازن وتجنبت (إلى اليوم) السقوط فى هاوية العنصرية واليمين المتطرف لأن حكوماتها المتعاقبة وجامعاتها ومسارحها ووسائل إعلامها أدارت نقاشا صريحا حول الماضى الشيوعى (19451989) وجرائم حكامه (قمع الانتفاضة الديمقراطية فى 1968) وخطايا الأغلبية (التى صمتت على الاستبداد خوفا من القمع وطمعا فى الفتات الذى يلقيه المستبدون). نجحت جمهورية التشيك بتعاملها مع الماضى الشيوعى كصدمة نفسية جماعية تستدعى المصارحة والنقد الذاتى والمواجهة قبل أن تغلق الملفات، وفشلت بلدان كالمجر ورومانيا وبلغاريا وربما بولندا لأن رغبة الحكومات والنخب فى طى صفحات الماضى وتناسيها أسفرت عن ترك أسباب استبداد ما قبل 1989 كامنة فى الحياة السياسية والاجتماعية وعجزت عن تفكيكها حتى تفجرت مجددا مستبدلة فقط تطرف اليمين الراهن بتطرف اليسار القديم.
***
جاء دورى، وكان بداخلى خليط استياء من اختزال سنوات نهايات الثمانينيات وبداية التسعينيات فى تحولات بلدان أوروبا الشرقية والوسطى وإعجاب بتشبيه الماضى الأليم للمجتمعات بالصدمة النفسية التى دون الاعتراف بها وعلاج تداعياتها قد يستحيل إنقاذ الحاضر وصلاح المستقبل. قلت إن مناخات التفاؤل فى الغرب لم يواكبها مناخات مشابهة خارجه ومسارات التغيير الإيجابى فى أوروبا تناقضت بالكامل مع انفجار الحروب الإقليمية والأهلية فى الشرق الأوسط وإفريقيا، ودللت على كلامى بالحرب العراقية الإيرانية التى فرضت خرائط الدماء والدمار والخراب على البلدين بين 1980 و1988، وبغزو الديكتاتور صدام حسين للكويت فى 1990 وما تلاه من حرب إقليمية لتحرير الكويت وانقلاب الديكتاتور المهزوم على شعبه وارتكابه مجازر كيماوية ضد الأكراد العراقيين فى الشمال والشيعة العراقيين فى الجنوب. أضفت أن الحروب الإقليمية والأهلية فى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لم تقتصر على الشرق الأوسط الذى شهد أيضا القمع الإسرائيلى الدموى والعنيف لانتفاضة الحجارة الأولى للشعب الفلسطينى، بل امتدت إلى بعض البلدان الإفريقية (من الحروب الأهلية فى الجزائر ونيجيريا إلى تداخل الأبعاد الإقليمية والأهلية فى حروب تشاد والكونغو «زائير سابقا» وإثيوبيا) ولم تتورع عن إسقاط بعض الضحايا فى أوروبا المنتشية بالتفاؤل (حروب ما بعد انهيار جمهورية يوغسلافيا السابقة فى البلقان).
ثم أعقبت التعبير عن الاستياء بتوظيف إيجابى لمرادفة العالم والمحلل النفسى للماضى الأليم مع الصدمة النفسية الجماعية والممتدة، مؤكدا على أن أغلبية بلدان الشرق الأوسط التى عانت إن من الحروب الإقليمية والأهلية أو عانت منها ومن الاستبداد ومصائره القاسية لم تتعامل بصراحة ونقد ذاتى مع خطاياها ونواقصها وتمترست تارة خلف خطابات الإنكار وتارة أخرى خلف فنون التناسى والإسقاط من الذاكرة الجمعية بغية الامتناع عن التغيير. وحين واتت بعض البلدان العربية فى 2011 فرصا للخروج من أزمات العنف والاستبداد وبدت حقيقة إمكانات التحول الديمقراطى، كبل الماضى الأليم وغير المعالج النخب والشعوب على حد السواء وأنتج لديها مخاوف وجودية من السقوط فى هاوية الفوضى والانهيار ما لم تتمسك بأهداب الاستبداد الجاثم على المجتمعات وانسحبت من التجارب الديمقراطية التى سرعان ما صورت زورا وبهتانا إما كمؤامرات خارجية تتطلب المواجهة أو أفعال صبيانية تستدعى السحق. تورطت النخب والشعوب فى إعادة إنتاج الاستبداد على الرغم من الفتات الاقتصادى والاجتماعى الذى يقدمه والحروب الإقليمية والأهلية التى يتسبب بها، ونصبت مجددا حكومات سلطوية قديمة جديدة قائمة على أمرها خوفا من التغيير. قلت، وإزاء كل هذا يصعب التفاؤل بالحاضر والمستقبل وتفقد الرونق تلك النظرة الوردية لإنسانية التقدم العلمى والتكنولوجى المتجاوزة للأزمات.
***
اختتمت الروائية الكينية الكلام مثلما افتتحته، فأضافت عمقا تاريخيا لمرادفة الماضى الأليم مع الصدمة النفسية الجماعية مذكرة بكون البلدان الإفريقية لم تتعامل إلى اليوم بصراحة ونقد ذاتى لا مع الوقائع المفزعة للاستعمار الأوروبى فى القرنين التاسع عشر والعشرين ولا مع نتائجه التى دمرت آنذاك مقومات الحياة التقليدية واستغلت ثروات الشعوب الإفريقية وفرضت عليها حداثة مشوهة لم تطلبها. وحين رحل الاستعمار وتحقق التحرر الوطنى، هكذا قالت، مارست النخب والشعوب خليطا من إنكار الماضى وتناسى آلامه بغية النظر إلى الأمام وتعويض ما فات من تقدم وتنمية. غير أنها جهود التنمية والتقدم جاءت فى إطار دول وطنية رسم تكالب المستعمرين حدودها، ووظفت مؤسسات حديثة صنعها الاستعمار ولم تكتسب أبدا شرعية مجتمعية، وعولت على نظم تعليمية تنكرت لتاريخ الشعوب الإفريقية وهوياتها قبل الاستعمار وعتمت على وقائع ونتائج الاستعمار المفزعة. «واليوم تبدو القارة الإفريقية مكانا تعيسا لشعوب تنكرت لتاريخها وشوهت هوياتها وتنكر آلامها وتخترقها المرة تلو الأخرى خرائط الحروب والاستبداد والعنف!»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.