ارتبطت مصر والولاياتالمتحدة بعلاقات استراتيجية وثيقة استمرت علي مدي العقود الأربعة الماضية أخذت في الاعتبار الدور المؤثر للولايات المتحدة في كافة القضايا العالمية والإقليمية وكذلك الدور المحوري لمصر في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم الإسلامي.. وتمتد جذور العلاقات المصرية الأمريكية لتاريخ ممتد وطويل يرجع إلي الوقت الذي حصلت فيه الولاياتالمتحدةالأمريكية علي استقلالها في عام 1776 وكانت مصر حينذاك ولاية عثمانية ولم يكن من الممكن إقامة علاقات مباشرة بينها وبين دول العالم ولكن الولاياتالمتحدةالأمريكية كانت ترغب في الارتباط مع مصر بعلاقات مباشرة وعندما تعذر ذلك تم إيجاد نوع من العلاقات من خلال قنصل أمريكي يرعي مصالحها وهو في القسطنطينية. في عام 1832 عندما كان محمد علي واليا علي مصر قامت أمريكا بتعيين وكيل تجاري لها في مصر حيث كان لمصر نشاط تجاري كبير جعل الولاياتالمتحدة تحرص علي إقامة مثل هذه العلاقات التجارية معها. ووفقا لتقرير أصدرته هيئة الاستعلامات فإن الكونجرس الأمريكي صادق علي اتفاقيات لتشجيع التبادل التجاري وتنشيط العلاقات بصفة عامة مع مصر.. وفي إطار تنمية العلاقات التجارية بين البلدين شاركت مصر في الكثير من المعارض الزراعية والصناعية بالولاياتالمتحدة مما أدي إلي زيادة التبادل التجاري بين الدولتين وتبع ذلك نمو آخر فقامت الولاياتالمتحدة بإنشاء المدارس والمستشفيات في مصر.. وفي فترة حكم الخديو إسماعيل تم تدعيم العلاقات مع أمريكا حيث أوفدت الأخيرة مجموعة من الضباط الأمريكيين لتدريب الجيش المصري.. كما وافقت الحكومة الأمريكية في عام 1870 علي بيع أسلحة للجيش المصري وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولي تم افتتاح خط ملاحي بين مصر والولاياتالمتحدة. ومنذ افتتاح القنصلية الأمريكية في عام 1849 وحتي عام 1922 حافظت الولاياتالمتحدة علي وجود قنصلي وشبه دبلوماسي بالقاهرة من خلال »وكيل وقنصل عام» وبعد تصريح فبراير 1922 والذي حصلت مصر بموجبه علي استقلالها اعترفت أمريكا باستقلال مصر في 26 أبريل 1922 حيث أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين وفي عام 1946 تم تعيين محمود باشا حسن أول سفير لمصر في واشنطن وفي 6 يونيو 1967 قطعت الجمهورية العربية المتحدة العلاقات مع أمريكا في أعقاب حرب يونيو 1967 وفي 28 من فبراير 1974 اتفقت حكومتا مصر والولاياتالمتحدة علي استئناف العلاقات الدبلوماسية من جديد. مراحل متعددة مسيرة العلاقات المصرية الأمريكية شهدت مراحل متعددة وشهدت العديد من حالات المد والجزر بين الحين والآخر ففي عهد الرئيس جمال عبدالناصر وعلي الرغم من التوتر الذي شاب هذه العلاقات في بعض الفترات والذي وصل إلي ذروته مع حرب عام 1967 وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلا أن العلاقات لم تخلُ من أشكال التعاون والتقاء الأهداف أحيانا كما بدا في الدور الذي لعبته الولاياتالمتحدة في مفاوضات الجلاء المصرية البريطانية والتي أدارها مجلس قيادة ثورة يوليو وفي الموقف الأمريكي من العدوان الثلاثي عام 1956 وفي عام 1959 عقدت الولاياتالمتحدة مع مصر اتفاقا تحصل بمقتضاه علي القمح الأمريكي بالجنيه المصري وكانت مدة الاتفاق ثلاث سنوات كما قدمت واشنطن 300 منحة دراسية للطلاب المصريين لتلقي العلم في الولاياتالمتحدة.. إلا أن العلاقات المصرية الأمريكية في صيغتها الدبلوماسية عادت من جديد في مارس 1974 بعد حرب أكتوبر 1973 وهي تلك العلاقات التي تدعمت وتوثقت علي يد الرئيس محمد أنور السادات الذي كان يعتقد بأن 99٪ من أوراق القضية الفلسطينية والتسوية السلمية لمشكلة الشرق الأوسط في يد الولاياتالمتحدة ووصل التعاون بين البلدين إلي درجة كبيرة من التوافق بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وقد شهدت فترة الرئيس السادات الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأشهر هنري كيسنجر للقاهرة وزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للقاهرة في يونيو 1974 وهي أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس أمريكي لمصر بعد ثورة يوليو 1952 لبحث الموقف في الشرق الأوسط والعلاقات الثنائية بين البلدين. وقد تعرضت العلاقات للتوتر بين الولاياتالمتحدة والعالم الإسلامي في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ولكن بعد 8 سنوات من هذا التوتر زار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مصر وألقي خطابه إلي العالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة في يونيو 2009.. وبالرغم من إعلان البيت الأبيض تأييده لثورة 25 يناير 2011 إلا أن الارتباك ساد الموقف الأمريكي عقب ثورة 30 من يونيو 2013 إلا أن موقف الإدارة الأمريكية أخذ في التغيير تدريجيا بعد تفهمها للوضع الجديد في مصر.. ومع تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي مسئولية الحكم في مصر بدأت الأمور تعود إلي مسارها الطبيعي وتوافق ذلك مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة بالبيت الأبيض وتعدد اللقاءات بينهما حتي وصلت إلي 6 لقاءات مما أدي إلي تقارب الرؤي وانطلاق مرحلة جديدة من العلاقات الاستراتيجية عملت علي الارتقاء بالتعاون الثنائي إلي آفاق أرحب. علاقات اقتصادية تعتبر الولاياتالمتحدة أكبر شريك اقتصادي لمصر منذ أواخر حقبة السبعينيات من القرن المنصرم حيث تحتل مصر المرتبة ال 52 من قائمة أهم شركاء الولاياتالمتحدة التجاريين وبالرغم من صعوبة بعض فترات العلاقات بين القاهرةوواشنطن إلا أنه في النهاية كانت المصلحة المشتركة للدولتين تتفوق علي تلك الخلافات .. فلا تزال الولاياتالمتحدة أكبر شريك تجاري لمصر فقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2017 نحو 5.6 مليار دولار ليحتل المرتبة السادسة علي مستوي الشرق الأوسط والأولي في قارة إفريقيا وبزيادة 13٪ عن عام 2016. وتشكل الاستثمارات المباشرة لأمريكا جانبا هاما في هذه العلاقة حيث تعد مصر أكبر مستقبل للاستثمارات الأمريكية المباشرة في إفريقيا بنسبة 38٪ من الاستثمارات الأمريكية المباشرة في القارة عام 2016.. وتعتبر مصر رابع أكبر دولة في المنطقة بالنسبة للصادرات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وتتضمن أهم بنود الواردات المصرية من الولاياتالمتحدة في الطائرات المدنية وأجزائها والفحم الحجري والبيوتان وأهم الصادرات المصرية لأمريكا هي الملابس الجاهزة والمنسوجات والأسمدة والحديد والصلب والخضر والفاكهة واللدائن. ويمثل قطاع السياحة أهمية كبيرة لمصر وكان عام 2010 أفضل السنوات التي تدفق فيها السائحون الأمريكيون لمصر حيث تجاوز عددهم نصف مليون سائح وتعمل الدولتان علي تعزيز تدفق السائحين إلي مصر بعد استقرار الأوضاع الأمنية في السنوات الحالية.. تعاون عسكري تعود العلاقات العسكرية بين مصر والولاياتالمتحدة إلي عام 1976 والتي تطورت بصفة سريعة وبالتواكب مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل حيث أصبحت مصر تحتل المركز الثاني في قائمة الدول التي تتلقي معونات عسكرية أمريكية بعد التوصل إلي اتفاق بين البلدين يتم بمقتضاه تنفيذ خطة لتطوير القوات المسلحة المصرية ويأخذ التعاون العسكري بين مصر والولاياتالمتحدة عدة صور تتمثل في مبيعات السلاح ونقل التكنولوجيا العسكرية والمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة. وتأتي معظم مبيعات السلاح من خلال برنامج المساعدات العسكرية السنوية التي تبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار ويشمل التعاون العسكري أيضا تصنيع وتجميع بعض الأسلحة الأمريكية في مصر.. وفي إطار التعاون العسكري بدأت منذ عام 1994 المناورات العسكرية المشتركة المعروفة باسم »النجم الساطع» وقد تمت آخر هذه المناورات بقاعدة محمد نجيب العسكرية في الفترة من 8 إلي 20 من سبتمبر 2018 بمشاركة قوات من مصر وأمريكا والأردن والإمارات والسعودية وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا و16 دولة أخري بصفة مراقب.. كما انطلق في 25 يوليو 2018 التدريب البحري المشترك الذي تجريه وحدات من القوات الخاصة البحرية لكل من مصر وأمريكا والسعودية والإمارات.. تعاون علمي وثقافي وقد شهدت العلاقات الثقافية بين البلدين تطورا ملحوظا منذ توقيع أول اتفاقية ثقافية بين البلدين عام 1962 وتم افتتاح المركز الثقافي الأمريكي في الإسكندرية عام 1970 ومركز للبحوث الأمريكيةبالقاهرة عام 1974 وتزامن مع ذلك توالي إقامة معارض للآثار المصرية الفرعونية في المدن الأمريكية الكبري مثل معرض توت عنخ آمون ومعرض رمسيس الثاني حيث حظيت هذه المعارض بإقبال كبير من الشعب الأمريكي. وفي يوليو 1980بدأ برنامج »منح السلام» بين مصر والولاياتالمتحدة في شكل تعاقد بين وزارة التعليم المصرية والهيئة الأمريكية للتنمية الدولية وفي عام 2002 تم توقيع العديد من اتفاقيات التعاون العلمي والثقافي بين الجامعات المصرية ونظيراتها في الولاياتالمتحدة.. وفي نوفمبر 2016 وبعد مفاوضات استمرت قرابة خمس سنوات وقع البلدان علي مذكرة تفاهم في مجال حماية الآثار من التهريب وتعد أول اتفاقية توقع عليها الولاياتالمتحدة مع دولة شرق أوسطية والتي تضع قواعد وقيودا لمنع الاتجار غير الشرعي في الآثار ومواجهة ظاهرة تهريب الآثار المصرية داخل الولاياتالمتحدة.. وفي 26 مارس 2018 تم افتتاح معرض كنوز الملك توت عنخ آمون والذي استضافته مدينة لوس أنجلوس للمرة الرابعة ليوجه رسالة سلام من الشعب المصري للشعب الأمريكي. وعلي كافة الأحوال فإن مسيرة العلاقات المتميزة والوثيقة علي مدار ال 4 عقود الأخيرة بين مصر والولاياتالمتحدة هي مسيرة تحرص القيادة السياسية المصرية علي دعمها في إطار من الاحترام المتبادل والتعاون المثمر لتحقيق المصالح المشتركة للشعبين المصري والأمريكي.