«أيا ليت التسعينيات تعود يومًا فأخبرها بما فعلت الألفيناتُ»، هكذا وجدت نفسى أردد وأنا أعود بذاكرتى للوراء.. حيث كنا شبابًا فى عقد التسعينيات ومن قبله الثمانينيات، هذا الجيل الذى وثق سنوات طفولته وصباه وشبابه عمر طاهر فى كتابه «شكلها باظت» فجعل الكثيرين يهتمون بتدوين حكاية آخر جيل كان ما يجمعه أكبر بكثير مما يدفعه للفُرقة. شباب التسعينيات، حيث كان للحب والحلم والطموح والتخطيط للمستقبل طعم مختلف، طعم لا يعنى أنه الأفضل لكن المفضل لمن عاشوه. أبرز ما يميز جيل التسعينيات أنه الذى شهد النقلة من عصر التليفزيون والفيديو كاسيت وصولًا لعصر الإنترنت، ثم عصر السوشيال ميديا، كان جيل الآباء يعتبر ظهور التليفزيون فى المنازل هو الثروة الوحيدة فى حياته، والتعامل مع أكثر من منصة للنظر لما يجرى حوله أمر لم يكن متوفرًا، وحتى عندما توفر مازال أداء هذا الجيل على مواقع التواصل الاجتماعى متأثرًا بعقود الثبات التى مروا بها وبالتعامل مع الصحف الورقية والراديو والتليفزيون باعتبارهم أقصى ما وصلت إليه الحضارة. لهذا تعتبر مهمة سهلة أن تكتشف المرحلة العملية لصاحب البروفايل على الفيس بوك من طبيعة كتاباته واهتماماته والمفردات التى يستخدمها، فجيل مواليد ما بعد 1990 الذى خرج للعالم ليجد الفيس بوك موجودًا فعلًا، لا يعرف أنه قبل الموقع الأزرق الشهير، كان للإنترنت صولات وجولات لجيلنا منذ منتصف التسعينيات، عندما ظهر النت كافيه، وعرفنا يعنى إيه بريد إلكترونى وماسينجر وغيرها، التى كانت بمثابة الاختراع وقتها، كنا نتعامل معها كإضافة بجانب وسائل الإعلام التقليدية، التليفزيون وخلافه، قبل أن تبتلع السوشيال ميديا كل شيء، لكنها لم ولن تهضم جيلنا بسهولة فنحن مواليد السبعينيات الذين عاشوا شقاوة الشباب فى التسعينيات مررنا بكل النوافذ ولم يقتلع طوفان السوشيال ميديا وفاءنا لكل ما عرفناه قبل ظهور الفيس بوك ومن بعده تويتر وإنستجرام. الحب اللى كان الآن يمكن أن تعرف خبر ارتباط فلان بعلانة، من خلال إعلانه ذلك عبر استخدام خاصية الريليشن شيب على فيس بوك، أو مراقبة التواصل بينهما على التايم لاين، لايكات القلوب، الأغنيات المشتركة، وجود كل منهما فى تعليقات منشورات الآخر، لكن الحب فى التسعينيات كان له طعم مختلف، كان يتسم بالوقار الذى يجعل إعلان الخبر يصل أولًا للمقربين فقط، كان الحب يظهر على ملامحنا، فى تصرفاتنا، ولا يلتقط المعلومة إلا الصديق المقرب الذى ينطق الملاحظة فى الوقت المناسب قائلًا «شكلك بتحب» ومع الانفصال «شكلك فركشت» وقد تبدأ قصة حب وتنتهى دون أن يشعر بها أحد سوى قلبى الطرفين، بينما الآن ومن حركة التعليقات والريليشن شيب والمنشن والبلوك يعرف الناس كل شيء . دباديب ..دباديب التعبير عن الحب عند جيل التسعينيات، بالمقارنة بمن سبقونا كانت هناك وسائل أفضل وأسهل، من إرسال الخطابات عبر وسيط، أو الاتصال على الهاتف الأرضى وتشغيل أغنية تتكلم بلسان المحب الولهان، فأصبح هناك الهدايا التى تتكلم باسم صاحبها «الأرنوب والدبدوب» قبل انتشار موضة الفلانتين التى حولت الحب لحدث تجارى، كان للكروت المكتوبة بخط اليد والتى تحمل عبارات عاطفية أبلغ الأثر، بينما الآن عبارات الحب يتم تداولها عبر الواتس آب، لكن يبقى كارت مطبوع بسيط أفضل ألف مرة من محادثة يمكن لأى طرف أن يمحوها عند أول خلاف بضغط زر. ألبومات عمرو دياب ومحمد فؤاد وهانى شاكر ومصطفى قمر وإيهاب توفيق وغيرهم، أفضل مرسال يعبر عن الحب، فارتبط جيلنا بألبومات كاملة لهؤلاء النجوم، نحفظ عدد وأسماء أغنياتها والذكرى التى نتجت عن شرائه، كانت عناوين معظم الأغنيات بمثابة رسائل مسجلة بعلم الوصول، ولكل أغنية توقيت واستخدام مناسب، الآن فى زمن أغانى المهرجانات والإصدارات المنفردة للنجوم، لا أبالغ لو قلت إنها باتت السلاح الأقل استخدامًا بين المحبين. ما قبل المولات سواء كنا نحب أو فاشلين عاطفيًا، كان «للفسح» مكانة خاصة عند جيلنا الذى لم يكن قد سرقته بعد شاشات الموبايل، والجيل الذى خرج للحياة ليجد نفسه يتجول فوق أرضيات المولات الباردة، لن يفهم معنى أن تخطط لرحلة اليوم الواحد قبلها بشهر، أن تذهب للقناطر الخيرية فى العيد عبر المركب الذى يتحرك من أمام ماسبيرو، أن تصبح زيارة حديقة الحيوان حدثًا يستحق التوثيق عبر شريط 36 صورة كنا نكاد نصوم 3 أيام استغفارًا أمام كل صورة تخرج محروقة، ونتباهى بصاحب أقل عدد من الصور المحروقة، هؤلاء الذين يلتقطون صورة سيلفى كل دقيقة، لن يدركوا قيمة أن تأخذ إخوتك أو أصدقاءك لمحل التصوير فقط لالتقاط صورة جماعية تذكارية تعيش فى الذاكرة لعقود طويلة ويصبح للعثور عليها لاحقًا بهجة لن يعرف طعمها من اعتاد حفظ الصور على «هارد ديسك» يعود له بسهولة فى أى وقت. إظهار رقم الطالب للاتصالات فى ذاكرة جيل التسعينيات مكانة خاصة ومميزة، نحن الذين عرفنا «البيجر» قبل أن نعرف الموبايل، نفكر فى «جراب» الموبايل قبل العدة نفسها، كان لتركيب وموقع «جراب» الموبايل فى حزام البنطلون عناية خاصة حتى يعرف القاصى والدانى أن هناك شخصًا يحمل «موبايل» فى هذا المكان، كان لصناعة النغمة مزاج واستعداد خاص، وما يميز كل ما سبق أنه كان يحتاج لمجهود ولعمل جماعى، نقل الخبرات من أهم مزايا هذا الجيل. قبل الموبايل كان لكروت الاتصال من الشارع «شنة ورنة» ومن يركز فى الأفلام الكوميدية التى خرجت فى ذلك الوقت سيلحظ الكثير من الإيفيهات أبرزها أن يظهر البطل «كارت ميناتل» وكأنه أهم من الرقم القومى، الغريب أن هذه الكروت اختفت لكن الهواتف لا تزال موجودة فى الشوارع وكأنها نصب تذكارى يشهد على مرحلة كانت فيها هذه الكروت هى منقذ كل من يريد أن يعاكس أو يشاكس أحدهم ولا يستطيع الاتصال من هاتف منزله تخوفًا من وجود تقنية «إظهار رقم الطالب» التى كانت ثورة فى ذلك الوقت. شريط الكوكتيل، كان بمثابة تطور لاستخدام الألبومات الغنائية فى الحب، فبدلًا من إرسال ألبوم – شريط سابقًا - عمرو دياب للجو – المزة حاليًا- أو شريط محمد فؤاد، كان الحل عند «الكاسيت أبو بابين» نختار الأغنية المستهدفة من كل ألبوم ونصنع ألبوم «هاند ميد» يصل بالرسالة إلى القلب. الكلام عن حب وشقاوة وأحلام جيل التسعينيات لا يتوقف، خصوصًا لمن مثلى يتمسكون بأن تظل ذاكرتهم شاهدة على تلك الأيام، ويشعر بالانتصار عندما يقنع الصغار الذين لا يعرفون إلا أفلام تامر حسنى وموسيقى المهرجانات، بأصوات مطربى جيلى سواء نجوم الرومانسية أو حتى الشعبى . إذا كنت من مواليد ما بعد 1990 قل لنا ما الذى تحسد عليه أبناء جيلى وكنت تتمنى وجوده هذه الأيام وما الذى تتعجب من كونه مقدسًا لدينا وتعتبره لا يستحق، أما لو كنت من أبناء جيلى فما هو الموقف الذى تذكرته وأنت تقرأ ما سبق من سطور؟