مرة أخرى نسأل السؤال الذى بات مقترنا بكل مهرجان سينمائى يقام فى مصر: لماذا تفشل المهرجانات التى تقيمها أو تدعمها وزارة الثقافة، بينما ينجح مهرجان صغير مثل بانوراما الفيلم الأوروبى الذى تقام دورته السادسة حاليا (من 27 نوفمبر إلى 7 ديسمبر)؟ لو كان الأمر يتعلق بالأفلام، فإن الأفلام التى يأتون بها لمهرجانات القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والأقصر أكثر وأفضل، ولو كان على النجوم وصناع الأفلام فإن المهرجانات المذكورة تأتى بنجوم كبار وبأعداد أكثر من صناع الأفلام، ولو كان على الإمكانيات فإن مهرجانات الدولة، رغم فقرها النسبى، أغنى بكثير ولديها من التسهيلات والرعاية والدعم ما لا يتوفر للبانوراما ولا غيرها من المهرجانات المستقلة مثل بانوراما الفيلم الأوروبى، أو مهرجان سينما المرأة الذى انتهى مؤخرًا.
فى وسط كل الظروف الصعبة التى تمر بها مصر، والتى أصبحت حجة مريحة لتبرير كل فشل، فإن البانوراما نجحت هذا العام أيضًا - حسب مشاهداتى حتى الآن- فى جذب الجمهور وملء القاعات العارضة التى عادة ما تكون خاوية تماما فى مهرجانات وزارة الثقافة إلا من بعض الصحفيين وحاملى الكارنيهات المجانية.
الظروف السيئة التي تمر بها البلاد يستغلها البعض كتبريرات للفشل، يستغلها المستقلون للنجاح. كيف يحدث ذلك؟ سأقول لكم.
وزارة الثقافة، والدولة عموما تتعامل مع الشعب باستعلاء شديد، ودعك من «الكلمتين الحلويين» اللتين يقولهما المسئولون عن هذه الوزارات والمهرجانات. وسواء الموظفون العاملون بالوزارة أو المسئولون عن الجمعيات الأهلية التى تقيم هذه المهرجانات، فإن كل ما يعنيهم هو رضا سيادة الرئيس وسيادة الوزير وسيادة رؤساء الصفحات الفنية الذين يكتبون عن المهرجانات، أما أصحاب الشأن أنفسهم، الجمهور، الشعب الذى تقام من أجله هذه المهرجانات، فهو آخر من يهتم به أحد. ولا أخفيكم سرا حين أقول إن المسئولين عن المهرجانات، من واقع عملى وخبرتى الطويلة معهم، يخشون الجمهور السينمائى الحقيقى فى مصر، لأنه يكشف تواضع مستوى هؤلاء المسئولين ثقافيا وسينمائيا!
يعنى، مثلا، موظف تليفزيونى سابق فاسد، كل خبرته فى الفن تأجير بعض الشباب ليكتبوا له سيناريوهاته وإنتاج بعض المسلسلات، عندما يكون هذا الشخص رئيسا لمهرجان كبير على مدار سنوات طويلة، فماذا تنتظر من هذا المهرجان حتى بعد أن يرحل هذا الشخص؟ لقد غرست نبتة الفشل ونمت وترعرعت وانتهى الأمر.
الشىء نفسه ينطبق على المهرجان الأكبر الذى تحول إلى «العزبة» الخاصة لسكرتيرة سابقة أصبحت مديرة وهى لا تعرف الفرق بين الفيلم السينمائى وفيلم الأشعة الخاص بالمستشفيات! على الناحية الأخرى فإن المستقلين الذين ينظمون هذه المهرجانات الصغيرة، مثل «البانوراما» أو مهرجان أفلام المرأة، يتعاملون معها باعتبارها نافذة أو طاقة استثنائية خارج نطاق الفشل والفساد والقبح السائدة. إنهم يعتبرون أنفسهم فريقا واحدا، أو أصدقاء معا، المنظمون مع الجمهور مع صناع الأفلام.. ليس هناك مسئولون رسميون وجمهور غير محدد الهوية ككتلة خرساء صماء ولا صناع أفلام قادمون من كوكب السينما البعيد.
الفارق الأساسى بين المهرجان الذى تقيمه الدولة، والمهرجان الذى يقيمه المستقلون، هو أن الأول «طبقى» إذا جاز القول، فى حين أن الثانى «اشتراكى» إذا جاز القول.. يعنى كل الناس تشعر بأنها تشارك فى صنعه: الجمهور قبل المنظمين!
ولنتكلم قليلا عن دورة البانوراما الأوروبية هذا العام، والتى تضم عددا كبيرا من الأفلام الجيدة 35 فيلما من 26 دولة، يتم عرضها فى 11 يوما هى مدة البانوراما، وهى أفلام تم اختيارها بعناية، وكلها تستحق المشاهدة، ولكن بما أن ذلك شبه مستحيل، فسوف أرشح لكم بعض الأفلام التى شاهدتها بالفعل ويمكن أن «أضمنها» لكم.
من العالم العربى أرشح لكم الفيلم الفلسطينى الروائى «زرافات» للمخرج رانى مصالحة والفلسطينى الوثائقى «عالم ليس لنا» للمخرج مهدى فليفل، واللبنانى الوثائقى «ليال بلا نوم» للمخرجة إليان الراهب والأمريكى المصرى الوثائقى «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم، وهو فيلم مرشح بقوة للحصول على أوسكار أفضل فيلم وثائقى هذا العام.
وإذا كنت من أصحاب القلوب القوية أرشح لك الفيلم الكازاخستانى «دروس فى التناغم» للمخرج أمير بايجازين، بالرغم من أنه لا يحتوى على مشهد عنف واحد إلا أنه من أفضل الأفلام التى صنعت على الإطلاق عن العنف داخل الإنسان وعلاقته بالأمراض والعقد النفسية.
هناك أيضا فيلم الافتتاح النرويجى «كون- تيكى» الذى يتناول قصة واقعية تاريخية قد تبدو غير شيقة بالمرة، ولكن بمجرد الاندماج داخل الفيلم لن تستطيع أن «تغمض عينيك» - على رأى روتانا- من التشويق!
من مصر أرشح لكم طبعا فيلمى «الخروج للنهار» للمخرجة هالة لطفى و«فيللا69» للمخرجة آيتن أمين، وهما يشكلان معا ميلادا جديدا لسينما مصرية مختلفة.