لاتزال غطرسة القوة وغرور القطب الواحد هى التى تحكم سياسات الولاياتالمتحدة الخارجية، فبعد أن شاهدنا جرائم الجيش الأمريكى فى سجن أبو غريب بالعراق، رأينا الجنود الأمريكيين وهم يتبولون على جثث الأفغان فى أفغانستان، وكانت مجلة نيشين (Natin) الأمريكية قد نشرت تحقيقًا موسعًا كشفت فيه عن جرائم بشعة ترتكبها القوات الأمريكية فى أفغانستان تشمل عمليات قتل دون تمييز خلال الغارات الليلية التى تشنها على بيوت المدنيين، بالإضافة إلى اعتقالات عشوائية لهم خلال تلك الغارات وتعذيب المعتقلين فى السجون، وأوضح التحقيق أن الجيش الأمريكى يدير 4 معتقلات رسمية معروفة يطلق عليها اسم مواقع اعتقال ميدانية تستخدم كمراكز استجواب أولية قبل أن يتم إرسال المعتقلين إلى سجن «بجرام» الشهير حيث عمليات التعذيب البشعة. وإذا كان الأفغان فى السابق يعانون من إرهاب حركة طالبان، فإن التقارير الواردة الآن من هناك تشير إلى الكثير من عمليات القتل «بطريق الخطأ» والتى ترتكبها القوات الموجودة هناك المعروفة اختصارًا ب ISAF بقيادة حلف شمال الأطلنطى NATO، والتى يقع ضحيتها نساء وأطفال لا يمكن بأى حال وصفهم بالإرهابيين. آخر هذه العمليات كان فى ولاية «كونار» الأفغانية فى السادس من إبريل الماضى، حيث سقط 11 طفلًا وامرأة ضحية لغارة جوية شنها الناتو. وكان الجنرال الأمريكى «جوزيف دانفورد» قد تولى قيادة قوات ال ISAF فى أفغانستان فى العاشر من فبراير الماضى خلفًا للجنرال «جون ألين»، الذى يتولى الآن قيادة قوات الناتو فى أوروبا، وبعد مرور أقل من أسبوع على توليه منصبه، اضطر الجنرال «دانفورد» للوقوف أمام كاميرات التليفزيون وهو يشعر بالخجل الشديد ويعتذر عن قتل عشرة من المدنيين نتيجة لغارة جوية خاطئة، وفى أعقاب هذه الغارة منع الرئيس الأفغانى «حامد كرزاى» القوات الأفغانية من طلب أية مساعدة جوية من الناتو. وبعد أسبوعين من ذلك الحادث، قام الجنود الأستراليون أثناء عملية محاكمة مسلحين شمال غرب ولاية أوروزجان، بإطلاق النار من هليكوبتر وقتل طفلين فى السابعة والثامنة من العمر كانا يجمعان الحطب ويحملانه على الحمير. واضطر الجنرال «دانفورد» للاعتذار مرة أخرى وتقديم التعازى للأسرتين المنكوبتين. وفى 9 مارس وأثناء عملية تبادل لإطلاق النار مع من يسمون بالمعارضة الطالبانية فى شرقى ولاية «نانجارهار» تمت إصابة 3 سيدات وطفلين ورجل واحد، وفى اليوم التالى، وأثناء غارة جوية شنها الناتو، تم قتل الممثل الأفغانى الشهير «نزار هيلمند» الذى كان مسجونًا لدى طالبان. الغريب فى أمر هذه الحرب الضالة، والتى استهدفت فى الأصل اجتثاث الإرهاب متمثلًا فى حركة طالبان، أن يعلن «جوزيف بايدن» نائب الرئيس الأمريكى أن (طالبان ليست عدوًا للولايات المتحدة)! فلماذا إذن كانت الحرب فى أفغانستان؟ هذا السؤال يقلق الأفغان أنفسهم. الأمر الذى دفع «أيمال فايزى» المتحدث باسم الرئيس الأفغانى إلى القول بأن الشعب الأفغانى يطلب من الناتو تحديد مهمة وأهداف ما يسمى بالحرب على الإرهاب، لأن الشعب فى حيرة من أمره: لماذا بعد عشر سنوات من الحرب لم تتحقق الأهداف؟ وفى المقابل، سقط الآلاف من الأبرياء وتم تدمير منازلهم؟ لقد بقيت حركة طالبان كما هى ولم يتم القضاء عليها بعدما كان ذلك هو الضمان الوحيد لاستقرار الحكومة المركزية فى كابول بعد انسحاب القوات الأجنبية، العكس هو الصحيح، فالحركة تستقبل فى صفوفها كل يوم مقاتلين جدد، كما أنها لم تعد ضمن لائحة المنظمات الإرهابية فى الولاياتالمتحدة، والأكثر من ذلك أن الأممالمتحدة رفعت أسماء 14 من الشخصيات القيادية المؤثرة داخل الحركة من لائحة عقوباتها وسمحت لهم بالتحرك بحرية حول العالم. وفى أوائل مارس الماضى، صرح الرئيس الأفغانى نفسه بأن الأمريكان يجرون مفاوضات سرية مع طالبان من وراء ظهر الحكومة الأفغانية، وحسب كلامه فإن سلسلة الهجمات الإرهابية التى حدثت فى اليوم السابق تم ترتيبها لتخدم المصالح الأمريكية، وأن الولاياتالمتحدة وطالبان يعملان معًا لإخافة الشعب الأفغانى. وفى معرض رده على ذلك، اتهم الجنرال دانفورد الرئيس الأفغانى بالتحريض على كراهية القوات الأجنبية العاملة فى أفغانستان، لكن فى 25 مارس وفى أعقاب الزيارة غير المعلنة التى قام بها وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» لأفغانستان، بدَّل كرزاى من موقفه وتحدث عن توافق بين كابول وواشنطن فيما يختص ب «الحوار مع المعارضة المسلحة»!