يُعد كتاب آنا فرويد «الأنا وميكانزمات الدفاع» (دار مزيج، 2023) توسعة رئيسية لنظرية والدها سيغموند فرويد. يركز الكتاب الذي يقع في 224 صفحة على دور «الأنا» كوسيط نشط بين الغرائز والأنا العليا وكيف يستخدم آليات دفاعية لا واعية لمواجهة القلق الناتج عن الصراعات الداخلية، حيث تُعرف هذه الآليات كموارد غير واعية تساعد الأنا على تقليل التوتر الداخلي وكبح اندفاعات الغرائز للحفاظ على التوازن النفسي. حظي الكتاب بمكانة مركزية في التحليل النفسي، لأنه أول دراسةٍ منظمة لآليات الدفاع من منظور الأنا. أثنى المحللون على وضوحه وبنائه المنهجي، لكن انتقده بعضهم لاعتماده على الملاحظة الإكلينيكية أكثر من التجريب العلمي. يمثل العمل حجر زاوية في التحليل النفسي الإكلينيكي، حيث وضع الأساس لفهم الدفاعات النفسية كجزء من الحياة اليومية، لا كأعراض مَرضية فقط. يُذكر أن آنا فرويد (1895–1982)، ابنة سيغموند فرويد، محللة نفسية بارزة في مجال نفسية الطفل. أسست مدرسة هامبستيد للتحليل النفسي للأطفال في لندن، واعتُبرت من أبرز من طوروا نظرية الأنا وآليات الدفاع بعد والدها. في الكتاب الذي نُشِر لأول مرة عام 1936، وترجمه إلى العربية د.أحمد عزت راجح وراجعه د.محمد القاضي، توضح آنا فرويد أن هذا العمل كان خطوة رائدة لفهم الأنا وآلياتها، وتربطه بتطور التحليل النفسي بعد سيغموند فرويد. في الفصل الأول من الكتاب، تقول آنا إنه «في فترات معينة من تطور التحليل النفسي لم يكن الاهتمام بالدراسة النظرية لأنا الفرد. فقد آل الأمر بالكثير من المحللين النفسيين إلى الاعتقاد بأن القيمة العلمية والعلاجية للمحلل النفسي تقاس بمدى عمق الطبقات النفسية التي يسبر غورها. فمن تحوّل باهتمامه عن الطبقات النفسية العميقة إلى الطبقات السطحية، ومن انتقل من دراسة الهو إلى دراسة الأنا، كان يعرض نفسه لأن يُرمى بتهمة الارتداد عن التحليل النفسي. وكان الرأي السائد أن اسم التحليل النفسي ينبغي أن يوقف على ذلك القسم من الكشوف الجديدة الذي يتصل بالحياة النفسية اللا شعورية، أي على دراسة المحفزات الغريزية المكبوتة والانفعالات والأخيلة. أما المشكلات من قبيل تكثف الطفل أو الراشد مع العالم الخارجي، وأما المفاهيم القيمية مثل مفهوم الصحة والمرض، ومفهوم الفضيلة والرذيلة، فما كان يجوز بحالٍ من الأحوال أن تستأثر باهتمام التحليل النفسي» (ص 11-12). يحمل الجزء الأول من الكتاب عنوان «نظرية آليات الدفاع»، ويضم الفصل الأول بعنوان «الأنا كمقر للملاحظة»، الذي يؤكد أن الأنا هو حقًا المضمار الذي ينبغي أن ينصب عليه اهتمامنا؛ لأنه يؤلف -إذا جاز القول- الوسط الذي من خلاله نحاول أن نكوّن تصورًا عن الهيئتين الأخريين. يُحدد هذا الفصل الأنا كجهاز واعٍ يراقب التفاعلات بين الهو والأنا العليا، وهو المدخل لفهم الدفاعات. أما الفصل الثاني، وعنوانه «تطبيق تقنية التحليل النفسي على دراسة الهيئات النفسية»، فهو يستعرض أدوات التحليل النفسي (التنويم، التداعي الحر، الأحلام، التحويل) ويوضح كيف تساعد في الكشف عن مقاومات الأنا والدفاعات. وتقول آنا فرويد إن دور الأنا بقي مُغْفلًا إغفالًا تامًا في التقنية التنويمية التي كانت تُستخدَم في الطور قبل التحليلي، فقد كان هدف الطبيب أن يتعرّف إلى مضامين اللا شعور وحده، وما كان يرى في الأنا إلا حجر عثرة. وكان من المعروف منذ ذلك الوقت أن التنويم يسمح بإلغاء أنا المريض أو على أية حال بالسيطرة عليه؛ لكن التقنية التي قدَّمَ كتاب «دراسات في الهستيريا» (تأليف سيغموند فرويد مع يوجين بلور عام 1895) وصفًا بها كانت تتضمن تجديدًا، وهو أن الطبيب يستفيد من إقصاء المريض ليتمكن من دراسة لا شعوره -أي ما يُعرَف اليوم بالهو. والهدف المطلوب بلوغه هو كشف هذا اللا شعور (ص 20-21). في الفصل الثالث «الدراسة التحليلية لأساليب الأنا في الدفاع»، تعرض آنا فرويد الدفاعات كعقبات أمام العلاج، مثل المقاومة ضد الغرائز أو العواطف، وكيف تتجلى في الأعراض المرضية. تقول الباحثة إن الإجراءات الدفاعية المتخذة من قبل الأنا ضد بزوغ تمثلات الدافع الغريزي المكبوت، تتلبس بصورة آلية طابع مقاومة فعالة ضد التحليل (ص 43). في الفصل الرابع المعنون «آليات الدفاع»، تعرض آنا فرويد تصنيفًا أوليًا لآليات الدفاع (مثل القمع أو الكبت، والإسقاط، والإلغاء، والتكوين العكسي) مع مقارنات لنتائجها. وتعمل المؤلفة في الفصل الخامس «توجيه السيرورات الدفاعية تبعًا للحصر وللخطر»، على التفرقة بين دفاعات تحركها: قلق الأنا العليا (الشعور بالذنب)، والقلق الموضوعي (الخوف الواقعي عند الأطفال)، والقلق الغريزي (شدة الدوافع الجنسية/العدوانية). وتوضح أن الأخطار الغريزية التي ضدها يسعى الأنا إلى الدفاع عن نفسه واحدة من البواعث التي تظهر دائمًا، لكن البواعث التي تجعل الآن يرى أن مصدر الخطر هو هذه الاندفاعة الغريزية أو تلك، يمكن أن تتباين (ص 73). يحمل الجزء الثاني من الكتاب عنوان «أمثلة على تحاشي الكدر والأخطار الفعلية (المراحل التمهيدية للدفاع». تحت مظلة هذا الجزء نطالع في الفصل السادس «الإنكار بالتوهم» تفاصيل مهمة حول إنكار الحقائق غير المرغوبة عبر الخيال كوسيلة أولية لدى الأطفال. وتقول آنا فرويد إن جميع طرائق الدفاع التي تسنى للتحليل النفسي أن يزيح عنها الستار إلى يومنا هذا لا ترمي إلا إلى هدف واحد يتيم هو مؤازرة الأنا في صراعه ضد الحياة الغريزية. ويكون اللجوء إلى هذه الطرائق الدفاعية بدافع من ثلاثة أنواع رئيسية من المخاوف التي تعتري الأنا: الخوف من الدوافع الغريزية، والخوف الواقعي، وخوف الضمير. قم إن أي صراع بسيط بين حفزات متضادة يكفي لتحريك آلية من آليات الدفاع (ص 91). يتناول الفصل السابع «الإنكار في الأفعال والأقوال»، كيفية تحوُّل الإنكار إلى السلوك (كطفل يرفض الاعتراف بغياب أحد والديه). وترى فرويد أنه على مدى أعوام عدة، يبقى الأنا الطفلي قادرًا، مع احتفاظه بحسٍ سليم بالواقع، على إنكار كل ما لا يقع من نفسه من هذا الوقع موقع الرضا. وهو يستخدم هذه القدرة على نطاقٍ واسع، ولا يحصر هذا الاستخدام ضمن مضمار التمثلات والتخييلات، أي أنه لا يقنع بالتفكير، بل يبادر أيضًا إلى العمل. وتوصلًا إلى تحوير الواقع، لا يتردد في استخدام الموضوعات الخارجية الأكثر تباينًا. وكثيرًا ما تطالعنا ألعاب الأطفال بصفةٍ عامة، وعلى الأخص تلك التي يضطلع فيها الطفل بدورٍ تمثيلي بهذا الإنكار عينه للواقع (ص 109). في الفصل الثامن «انكماش الأنا»، تلفت الباحثة الأنظار إلى وجود توازٍ بين مختلف الأساليب التي يلجأ إليها الأنا ليتحاشى كل ألم، سواء أكان داخلي المصدر أم خارجيًا (ص 122). بشكل عام، يلجأ الأنا إلى تقليص مجالات النشاط النفسي لتجنب مصادر القلق. يحمل الجزء الثالث عنوان «أمثلة على طرازين من الدفاع»، ويضم الفصل التاسع «التماهي مع المتعدي»، الذي يذهب إلى أن الطفل يتبنى صفات المعتدي (كالقوة أو العدوانية) لحماية نفسه من التهديد. وهنا تأتلف آلية التماهي أو الاستدماج مع آلية مهمة أخرى، فالطفل؛ إذ يلعب دور المعتدي أو يستعير مستلحقاته أو يحاكي عدوانه، يتحول من مُهدَّد إلى مُهدِّد. وقد تضمّن كتاب فرويد «ما وراء اللذة»، (صدر عام 1920) وصفًا تفصيليًا لهذا الانتقال من دور سالب إلى دور موجب بغية التوصل إلى السيطرة على خبرات طفلية مستكرهة أو راضة (ص 143-144). في الفصل العاشر «شكل من الغيرية»، ترصد المؤلفة عملية تحويل الدوافع الذاتية إلى خدمة الآخر كآلية دفاعية لتقليل التوتر. نأتي إلى الجزء الرابع، وعنوانه الرئيسي «آليات الدفاع المتعينة بالخوف من قوة الدوافع الغريزية (دراسة لظواهر البلوغ)». يتضمن هذا الجزء الفصل الحادي عشر «الأنا والهو في زمن البلوغ»، الذي يحلل صعوبات المراهقة، حيث تشتد الدوافع الغريزية، وتظهر دفاعات خاصة مثل الزهد، والتحليل الفكري، والحُب والتماهي.