الأمن القومي المصري.. الكيان المصري.. المنطقة العربية.. كل ذلك في خطر شديد.. ومن لا يدرك ذلك فإنه مغيب أو نائم في العسل أو لا يضع الأمور في نصابها الصحيح.. ما يحدث داخليا وخارجيا وما حدث في العراق من قبل.. وما يحدث في سوريا والتخطيط للقضاء علي جيشها والأزمات التي تحدث في مصر.. والمؤامرات التي تحاك في انقرة وواشنطن وتل أبيب.. والمظاهرات التي لا تهدأ خاصة كل جمعة.. كل ذلك لم يكن عشوائيا وإنما مخطط ومدبر.. فهؤلاء وغيرهم لا يريدون لمصر ولا للمنطقة العربية أن تقوم لها قائمة. إذا كان الشعب المصري استطاع أن يلقن كل هذه الأطراف درسا قاسيا بخروجه علي قلب رجل واحد لإزاحة نظام الإخوان التخريبي الذي كان يسعي إليه.. محاولا القضاء علي الهوية الوطنية.. وبعد أن نجح الشعب المصري في ذلك وقف بجانب الجيش والشرطة في التصدي لأعداء الوطن المتربصين من خارجه أو أمثال "دود المش" الذين يخرجون من داخله.. وهم خبث مثل خبث المعادن الثمينة نظر عمليات التطهير. وقف المصريون وقفة رجل واحد شعب وجيش وشرطة ضد كل ما يهدد الدولة.. كما أبهروا العالم في ثورة 25 يناير أبهروه اكثر في 30 يونيه وما بعده.. أجهضوا المخططات الخبيثة التي تعيد رسم خريطة المنطقة ومشروع الشرق الأوسط الجديد.. لكن هذا الاجهاض لم يكن نهائيا.. ويحتاج إلي اجتثاث المشروع من جذوره حتي لا تقوم له قائمة فيما بعد.. ولا يعود التفكير فيه مرة أخري.. وذلك ليس بالأمر السهل.. وإنما يحتاج إلي عزيمة ونفس طويل.. لأنه مسألة حياة أو موت.. مسألة وجود من عدمه.. ليس هزلاً ولا دعاية. ربما أن اقتصادنا تأثر بشدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.. وتوقفت المصانع.. وتدهور الإنتاج.. وانخفض النمو.. كان سنين عجافاً إلا علي تجار الأسلحة والمخدرات.. جميع المصريين تأثروا بها بعد ذلك بلا استثناء غنيهم قبل فقيرهم. كل حسب ظروفه.. بجانب افتقاد الأمن وعدم الاستقرار وانتشار البلطجة وقطع الطرق.. والوقفات الفئوية.. واحتلال الشوارع.. كل ذلك ألقي بظلاله علي حياة المصريين.. أصابهم اليأس والقنوط والإحباط.. تلال القمامة تتحول إلي جبال.. سيارات عكس الاتجاه.. الخدمات متردية.. ولم تكن الحكومات وحدها المسئولة عن ذلك.. نصنع ونتسبب في الكثير منه بأيدينا.. فالفوضي والانفلات وأزمات الحدود والشوارع والقمامة.. نحن وراءها ولم تهبط علينا من السماء.. لا يوجد أحد بلا شكوي الآن من أي نوع. هنا يثور في رأسي سؤال هو أقرب إلي "الحلم".. هل يمكن أن يعلن المصريون التحدي بأنفسهم علي أنفسهم؟.. هل يمكن للذين أبهروا العالم مرات عديدة.. أن يتصدوا بأنفسهم أيضاً.. ويقوموا بثورة ضد تصرفاتهم.. هل يمكنهم القضاء علي الظواهر السلبية في الشارع والمجتمع؟ أعتقد أنه هذا ليس مستحيلاً.. ولا صعباً لدرجة كبيرة.. فقط يحتاج إلي موجة ثورية لعلها تكون الثورة الثالثة ضد كل ما فعلناه.. ثورة تصحيح لتصرفاتنا.. وإعادة أخلاقياتنا وعاداتنا وتقاليدنا.. نثور من أجل مستقبل مصر.. ومستقبل أبنائنا.. من أجل البقاء والحفاظ علي الكيانات الاجتماعية.. والكيان الأكبر. لا أريد أن أقول كلاماً إنشائياً بعيداً عن الواقع.. فليس صعباً أن ينسحب الذين احتلوا الشوارع إلي مواقعهم.. وأن يلتزم أصحاب المقاهي والمحلات.. وأن تلقي القمامة في أماكنها المخصصة.. وألا يسير أحد عكس الاتجاه.. أن يقوم الجميع بدورهم في تقويم الأخلاقيات والسلوكيات.. فلو بدأ كل واحد منا بنفسه ما بقيت هناك مشكلة واحدة بلا حل مهما كان حجمها.. إننا بحاجة إلي التفاؤل.. ولا نفقد الأمل. نحن لسنا أقل من الشعوب الأخري.. إذا لم نتعرض لما تعرضت له اليابان وألمانيا في الحربين العالميتين.. لكن بالاصرار الشعبي والاخلاص الوطني.. قام هذان البلدان من تحت الدمار والخراب الكامل وأصبحا قوتين كبيرتين يحسب لهما ألف حساب من جميع النواحي.. أزعم أن المصريين قادرون علي أكثر من ذلك إذا خلصت النوايا.. واتحدت السواعد.. ومواجهة بعض الذين يندسون بيننا يحاولون تثبيط الهمم. أتمني أن أجد من يخرج علينا ليقود ثورة التصحيح والإنتاج والتكاتف عاجلاً اليوم قبل الغد.. مصر تستحق أكثر من ذلك.