نشأتُ وسط أسرة ريفية يحكمها قانون «العيب»، حُرمت من الالتحاق بالمدارس خوفاً من كلام الناس، وبسبب «العيب» ليس لدىّ ذكريات مع الشارع وأطفال الجيران.. وألعاب الطفولة البريئة، فلم أحتفظ فى ذاكرتى بالكثير عن طفولتى.. ما تبقى من هذه المرحلة مجرد صور باهتة وحكايات قاسية، أتذكر لعبة مطاردة أشعة الشمس التى كانت تتسرب إلى منزلنا من الثقوب العالية فى الحوائط، أتذكر الثقب الكبير الذى حوله والدى إلى شباك.. وكان بالنسبة لى شاشة تليفزيون أتعرف من خلالها على ما يدور خارج المنزل. كانت حياتى ملتصقة بالدكة الخشبية المكومة أسفل الشباك، أراقب حركة من يعبرون الشارع، كل المشاهد كانت مملة ومكررة، الرجال ملامحهم واحدة، والنساء أيضاً، لكن مشهداً واحداً فتح شهيتى على الحياة خارج المنزل، مجموعة فتيات يتحركن وكأنهن سرب حمام، يتمتعن بثقة يفتقدها الكبار، ملامحهن ضاحكة وقاماتهن مرفوعة، كنت أتفحص خصلات شعرهن المجدولة بقطع القماش الحمراء، وحقائبهن القماشية المعلقة حول رقابهن.. يخرجن منها أحياناً كتباً مرسوماً عليها صور ملونة، يا الله.. كم تمنيت أن أقفز إلى الشارع وأنضم لهذه المغامرة. كان نهارى معلقاً بضلفتى الشباك، بينما ساعات الليل أقضيها مغمضة العينين.. أصنع تفاصيل حلمى فى دخول المدرسة، وأمضيت أياماً وشهوراً على هذه الحال، وكلما تحدثت مع والدتى فى هذا الأمر كنت أسمع سيلاً من عبارات التهديد والوعيد كفيلة بتفجير حلمى.. وربما حياتى، لكننى لم أستسلم، بل تسربت فى هدوء للشارع، وتمكنت من مصادقة بعض فتيات المدارس، وأصبح لدىّ الكثير من الحكايات.. عن القراءة وأنشطة التدبير المنزلى، وحصص الألعاب، وأصبح لدىّ قناعة بأننى خلقت لأعيش فى هذا العالم. كانت السنوات تمضى، وتمسكى بالحلم يكبر، وأمام إلحاحى الذى لم ينقطع.. استسلمت الأسرة لرغبتى فى الالتحاق بفصول محو الأمية، وقتها شعرت أننى أمتلك الدنيا وما فيها، وبدأت أنسج أحلامى البسيطة، وأستعيد إيمانى بقدرتى على تحقيقها، وكنت أسابق الزمن لأعوض ما فاتنى، لذا تمكنت سريعاً من الحصول على شهادة الابتدائية، ومن بعدها الإعدادية، لكن فرحتى لم تكتمل لأن أسرتى رفضت أن أستكمل دراستى فى المرحلة الثانوية، «أنت كبرتى.. وعيب تفضلى داخلة خارجة كل يوم.. إحنا مش بتوع مدارس»، وبما أن المشكلة بالنسبة لهم فى الدخول والخروج.. اقترحت استكمال دراستى دون الذهاب للمدرسة، وحصلت على شهادة الثانوية منازل. «بنات الجامعة بيتأخروا فى الجواز».. كانت هذه الكلمات كافية لحسم معركة التحاقى بالجامعة، وكنت مدركة أن الأمر لن يمر هذه المرة، لذا التحقت بمعهد فنى تجارى، ولم أدخله سوى وقت إنهاء إجراءات الالتحاق، وخلال امتحانات السنة الأولى، وقبل أن يبدأ عامى الدراسى فى الفرقة الثانية.. بدأت الأسرة تتحدث عن تأخر زواجى، وهو مؤشر يجعل من استمرارى فى التعليم مهدداً. كان القدر رحيماً بى حين منحنى فى الوقت المناسب زوجاً متفهماً لحلمى، ووافق على أن أستكمل دراستى، وابتسمت لى الدنيا، وأصبحت أعيش فى منزل حوائطه دافئة، وشبابيك مفتوحة على الدنيا، وزوج يمنحنى فرصة أن أحلم ولا يمانع رغبتى فى تحقيق حلمى، لكن هذه الأجواء لم تستمر طويلاً، بسبب ضائقة مالية أصبح من الصعب معها أن أستكمل دراستى، وتركت المعهد قبل نهاية عامى الثانى.. ضغطاً للنفقات، وقررت البحث عن فرصة عمل بشهادة الثانوية العامة، فالتحقت بعدة مهن، واستقر بى الحال فى مجال التدريس بإحدى المدارس الخاصة. مرة أخرى يبتسم لى القدر، وتستعيد حياتى الجديدة استقرارها، ويوافق زوجى على التحاقى بالجامعة بجانب عملى، وأكثر الأيام المحفورة فى ذاكرتى.. هو يوم دخولى الجامعة، كانت بواباتها شاهقة كما حلمت بها، وأسوارها تحجب نعيم العلم عمن هم خارجها، لقد حلمت بهذا العالم لسنوات، والآن من حقى أن أشعر بنشوة الانتصار.. ومتعة تحقيق ما أردت. مرت السنوات.. وتعاقبت هدايا القدر، حصلت على شهادة بكالوريوس التجارة، وشهادة أمومة لثلاثة أطفال، وشهادة دعم من زوج رائع، ووظيفة تمنحنى القدرة على غرس أبجديات الحلم فى نفوس الأجيال الجديدة، كنت أنفخ فى أرواحهم البريئة ليؤمنوا بأنفسهم.. وقدرتهم على تحقيق أحلامهم، لكن القدر الذى منحنى كل هذه التفاصيل المبهجة، وضعنى فى مواجهة جائحة عالمية، فيروس كورونا فعل بى ما عجز عنه قانون العيب، دفع المدرسة للاستغناء عن بعض موظفيها.. فعدت مرة أخرى حبيسة المنزل، وامتدت الضغوط فأصابت رزق زوجى، ولم يعد دخله يحتمل أن نحافظ على حق أبنائنا فى التعليم. أشعر الآن أننى ما زلت أجلس على الكنبة القديمة المكومة أسفل الثقب الذى تحول إلى شباك، أتابع من يعبرون الشارع، لكننى لم أعد أملك جرأة الحلم أو شجاعة مواجهة الواقع، هذه المرة أجلس فى انتظار مشهد يعيد البهجة التى تسربت من منزلى الجديد، ويمنحنى القدرة هذه المرة على مواجهة قانون الخوف من المستقبل. وردة كامل يا سيدتى.. نحن من نحتاج إليك، فمثلك خير من يؤتمن على عقول أبنائنا، وأتمنى أن تتدخل وزارة التربية والتعليم لتعيد إلى مدارسنا مقاتلة تملك ما يعزز جبهتنا التعليمية فى إدارة معركة الوعى. يا سيدتى.. قليلون من يملكون القدرة على الحلم.. وشجاعة تحقيقه، وأنت واحدة من هؤلاء، من حقك أن تفخرى بما حققته، لقد تمكنت من كسر قيود لم تكن سهلة، وحاربت وأنت طفلة، وانتصرت.. ليس لنفسك فقط، بل لكل الباحثات عن حرية الحلم وجرأة تحقيقه. يا سيدتى.. أمثالك أقوى من أن تسيرهن الأقدار، لأنك تملكين القدرة على تغيير دفة الحياة، بالأمس دافعت عن حلمك.. فجاءت النتيجة كما تشتهين، والآن عليك أن تدافعى عن 3 أحلام خرجت من رحمك إلى رحم الحياة. يا سيدتى.. اعتبرت أن القدر كان كريماً فى عطائه لك، وهذا حقيقى، لكن القدر لا يكافئ المتخاذلات فى الدفاع عن أحلامهن، القدر هو إله عادل.. يمنح ويمنع لحكمة ندركها فى الوقت المناسب، القدر منحك تجربة صنعت منك مقاتلة ذكية، لا تعرف الاستسلام. سيد المليجى بالتأكيد يصلنا صوتك حني تتكلم أو تشكو أو تعترض.. ربما تحتاج أن تأخذ القرار.. أن تتكلم بالفعل.. تبوح وتفضفض، وتفتح قلبك لتزيح عنه ما يجثم عليه فيتعبك، ويحرمك من االستمتاع باللحظات الحلوة.. ضع حملك الذى أنقض ظهرك.. ً فى الفضاء الواسع.. دورنا هو أن نأخذ بيدك لتتجاوز املطبات، وتعبر بر األمان، واترك لروحك العنان حتى تحلق خفيفةً أن ّر دائماوحتى لو تعثرت وسقطت، فواجبنا أن نساعدك على النهوض نافضني عن ثوبك كل ما علق به من األتربة.. وتذكالعمر قصير، والسنوات كالثيران الهائجة.. تنطلق بال توقف، فعشها كما ينبغى، وكما تريد أنت، ال كما يريد لك اآلخرون.أرسلوا إلينا بآرائكم ومشاكلكم على البريد الإلكترونى: [email protected] أو على عنوان جريدة »الوطن«: 16 ش مصدق - الدقى