هناك صراع بالدقيقة والساعة واليوم بين سقف توقعات الناس وإمكانات الإنجاز لدى الرئيس وحزبه وحكومته. سقف التوقعات عالٍ، وقائمة المطالب تلتف حول الكرة الأرضية من اليمن إلى الصين، والناس الطيبة الصبورة التى تعانى الإهمال والعوز وسوء الخدمات تريد تنفيذ الوعود «الآن الآن وليس غداً» كما تقول أغنية فيروز الشهيرة. الإنجاز إن تم فى أسرع وقت، وفى أحسن حالاته المثالية التى يمكن أن تدرَّس فى الجامعات، لن يكون بذات السرعة التى يتوقعها الناس. الناس تريد وعود الغد أن تكون قد تم تنفيذها بالأمس، وليس وعود الأمس أن يتم تنفيذها غداً. لا أحد سوف ينتظر أحداً حتى يتم الالتزام بالوعد والتنفيذ للعهد. الموظف يريد زيادة الأجور بأثر رجعى، والمدرس لن يذهب إلى المدرسة قبل تعديل كادره، والأطباء سوف يمتنعون عن الذهاب للمستشفيات أو إجراء جراحات حتى إقرار البدلات. يحدث ذلك وسط حالة من «الشك الجماعى» التى تسيطر على عقل الشعب الذى عانى لسنوات طويلة تكرار الكذب والخداع والمماطلة فى تنفيذ الوعود الحكومية. نفد رصيد الوقت ودقت ساعة التنفيذ وانتهى زمن الوعود المؤجلة. هنا يبرز السؤال: ماذا تفعل لو كنت تحكم شعباً لديه كل هذه المطالب وتسيطر عليه كل هذه المخاوف نتيجة كل هذه التراكمات التاريخية؟ إنه سؤال صعب أو بالأصح السؤال الأصعب الذى يتعين على صانع القرار أن يتدبر الإجابة عنه الآن. أهم عنصر فى التعامل مع تلك الحالة المستعصية هو عنصر المصارحة والمكاشفة دون تجميل للموقف ودون مماطلة فى المواعيد. لا بد أن يعرف أهل المريض حقيقة الحالة الصحية لمريضهم والمخاطر التى تعترض حالته. يجب ألا نتعامل مع الشعب بنفس أسلوب بعض الأطباء الذين يقولون لك: «لا يا باشا اطمن، الوالد بخير وزى الفل»، وبعدها بساعات قليلة يصبح الرجل بين يدى الله. يجب أن نخرج للناس ونقول لهم صراحة هذا هو الوضع بكل تحدياته وصعوباته. يجب أن نصارح الناس بما نقدر على فعله وبما لا نقدر. يجب أن نقول للشخص: سوف أزيد راتبك بنسبة «كذا» فقط فى فترة سنة أو 18 شهراً. إذا وعدنا وفينا وإذا حددنا تاريخا التزمنا به، وإذا وقّعنا اتفاقاً حققنا كل حرف فى كل بند من بنوده. أخطر ما يمكن أن يحدث فى الأيام والأسابيع والشهور القليلة المقبلة هو أن «نقول ما لا نستطيع فعله».