مشهد ضبابي مؤلم.. أطفال صغار يساقون إلى السجون بتهم سرقة الطعام لتدفئة أجسامهم العارية في شوارع المدن الأمريكية، فقد كانت عربات الخضار الموضوعة أمام متاجر البقالة بمثابة دعوة لهم لتحسين الوضع في المنزل، أطفال تزيد أعدادهم في السجون مع تزايد المهاجرين ومعهم آمال لحياة أفضل، المشهد الذي آلم "جين آدمز"، التي عملت ضد غياب الحماية القانونية لهم في ظل الاستغلال الكبير من أصحاب المصانع، فأسست مؤسسة "هال هاوس" في أحد أحياء شيكاغو الفقيرة مع صديقتها "ألين جيتس" عام 1889م. "جين آدمز" فيلسوفة وعالمة نفس أمريكية، ولدت في 6 سبتمبر 1860 بمدينة سيدارفيل في ولاية إلينوي الأمريكية، من عائلة أنجلوأمريكية ترجع إلى الاستعمار نيو إنجلاند، كان والدها سياسيًا بارزًا، توفيت والدتها وهي في الثانية من عمرها، قضت طفولتها منطلقة تجري وتلهو مع أصدقائها، وتحضر مدرسة الأحد وتقرأ الكتب، وفي الرابعة من عمرها، أُصيبت جين بالسل في العمود الفقري الذي تسبب في انحناء في الظهر ومشكلات صحية مدى الحياة، لكن أصبح الأمر معقدًا عندما منعت من اللعب مع الأطفال لأصاباتها بالعرج، وهو ما جعلها تظن أنها قبيحة، فكانت ترتدي أفضل ما عندها أثناء خروجها إلى المدرسة مع والدها، فكانت تشعر أنها مصدر إحراج لوالدها. وتعتبر جين من أوائل الرواد الذين قادوا مسيرة العمل الاجتماعي في الولاياتالمتحدةالأمريكية، فكانت تؤمن بضرورة البحث عن أسباب الفقر والجريمة، وأهمية العمل الاجتماعي للضغط من أجل تحقيق الإصلاحات، وكونت مجموعات مدنية للضغط على الهيئات التشريعية، وكبار المسؤولين، ومن ضمن الإصلاحات التي قامت بها هي القانون الأول الذي حدد ثماني ساعات عمل في اليوم للنساء العاملات، كذلك أول قانون تصدره الدولة ويختص بتشغيل الأطفال، بالإضافة إلى الإصلاح السكني، وأول محكمة للأحداث. بعد جولتها في أوروبا من عام 1883 وحتى 1888، أعجبها قاعة "توينبي" التي تمثل مركزًا للعمل الاجتماعي في لندن، لتعود للولايات المتحدة فأسست مركزًا اجتماعيًا من نوع أكثر ديمقراطية، يسميه أحيانًا المهاجرون في شيكاغو "مركز الجوار"، وضمنت فيه تشكيلة من المشروعات ابتداءً من دور الحضانة النهارية للأطفال إلى الدورات الجامعية مفتوحة لكل جنس وعنصر من الناس. كتبت "آدمز" وألقت كثيرًا من المحاضرات عن المشاكل الاجتماعية، اشتملت على تشغيل الأطفال والصحة العامة والبطالة والضمان الاجتماعي، وفي عام 1909 أصبحت أول امرأة، تترأس "المؤتمر الوطني للأعمال الخيرية"، والذي أصبح في الوقت الحالي "المؤتمر الوطني للرعاية الاجتماعية"، كما أنها قادت المعركة التي تطالب بحق النساء في التصويت، وعُيِّنت رئيسة لرابطة النساء العالمية للسلام والحرية. كان والدها يشجِّعها للوصول إلى أعلى درجات التعليم المتاحة لها، على ألا يؤثر ذلك على أنوثتها وعلى مشاعر الأمومة داخلها، وواصلت تعليمها بين أمريكا وأوروبا، وتخرَّجت في كلية روكفلر للفتيات بولاية ألينوي ثم درست الطب لبعض الوقت في ولاية فيلادلفيا ولكن حالتها الصحية المتدهورة اضطرتها إلى ترك دراسة الطب. وانخرطت "جين" في العمل بحزب المرأة والسلام، وانتخبت لرئاسة الرابطة الدولية للمرأة من أجل السلام والحرية في عام 1915، وأثناء الحرب العالمية الأولى حضرت أيضًا مؤتمر المرأة العالمي في لاهاي، واختيرت لترأس لجنة لإيجاد نهاية للحرب، وتضمَّن هذا الاجتماع عشرة زعماء في البلدان المحايدة لمناقشة الوساطة، كان هذا أول جهد دولي كبير ضد الحرب. وفي عام 1931 أصبحت أول امرأة أمريكية تحصل على جائزة نوبل للسلام باعتبارها مؤسسة مهنة الخدمة الاجتماعية في الولاياتالمتحدة، ومن أهم ما كتبت: الديمقراطية والأخلاق الاجتماعية 1902، روح الشباب وشوارع المدينة 1909، عشرون سنة في دار هَلْ 1910، النساء في لاهاي 1915، أحدث مفاهيم السلام 1915، السَّلم والخير وقت الحرب 1922.