تحدث عن طهارة يدك ووطنيتك ونضالك وإخلاصك وصدقك كما شئت فأنت وحدك من تعلم حقيقة نفسك لكن أرجوك حدِّثنى عن ضميرك وأنت جالس على كرسى المنصب الكبير.. لا أتعجب من صمتك الرهيب لأنك تعلم أن ضميرك وحده هو من سيكشف حقيقتك. دوماً أدعو ربى: إن كان تأنيبى لضميرى مرضاً فأدعوك ربى ألا تشفينى منه.. لذلك أشفق على معدومى الضمير لأنهم محرومون من حلاوة تأنيبه. قد يكون حساب النفس أصعب مواجهة يقوم بها الإنسان مع نفسه، وكثير منا يتهرب منها لأنه على يقين من أنه بلا ضمير. اختلف الكثيرون حول تفسير كلمة ضمير، لكن فى مفهومى أنا الخاص أن الضمير ليس له علاقة بالدين قدر ما له علاقة بطبيعة الإنسان.. الضمير هو أن تحترم نفسك قبل أن تحترم الآخر.. الضمير هو صوت الحق بداخلك الذى يحارب طول الوقت صوت الباطل.. ولكن فى هذه الأيام اختلف الكثيرون فى تفسير كلمة الحق؛ فكل منا يرى نفسه على حق، لكن الحق الذى يجب أن يُتبع هو حق الوطن. حق الوطن مرتبط بالضمير الوطنى، الضمير الوطنى الذى تعلو فيه مصلحة الوطن عن أى مصلحة أخرى! مصلحة الوطن الذى يتحد فيه الجميع من أجله ليس على عليه، الضمير الوطنى الخالى من أى كذب أو نفاق أو إرهاب من أجل رفعة شأن الوطن. لكن كيف لى أن أطمئن على وطنى وأنا أرى نخبته التى تضع معالمه لهم تاريخ بارز فى النفاق والكذب والادعاء وحب الذات أكثر من أى شىء آخر فضلاً عن متاجرتهم بدماء الشهداء من أجل منصب زائل. المنصب زائل، ولعنة دماء الشهداء والوطن باقية.. ولن يربحوا غير لعنة الأحياء والتاريخ وحساب عسير يوم القيامة. كيف أعيش فى وطن آمن وأنا أراه عبارة عن وطن منقسم بين تجار دين وتجار وطنية.. بين من يتهم معارضيه بالكفر والآخر بأنه عميل ومموَّل وفلول ويدعم الإرهاب؟! كيف أعيش فى وطن كنت أظن أن أفضل ما فيه أناس من ذوى الضمير الوطنى، وبمجرد جلوسهم على مقاعد المناصب العليا ظهرت حقيقتهم المريرة بأنهم عبيد سلطة ليس أكثر، ليسوا قدر المسئولية؟! كيف أعيش فى وطن يملك زمام أمره أناس جبناء لا يبادرون ولا يغامرون وأصبحوا كراسى تجلس على كراسى؟! كيف أعيش فى وطن لا يحترم أبناءه، لا يستطيع فيه أنبغ أبنائه ممن يقيمون فى الخارج تقلُّد المناصب القيادية بحجة ازدواج الجنسية وكأن قرار هجرتهم للخارج بمحض إرادتهم وليس بسبب التجاهل وعدم تقدير عقليتهم فى وطنهم، فمنهم من هاجر ومنهم من يجلس فى بيته.. فى حين أن المنتخب الوطنى لكرة القدم يستعين بالأجانب فى تدريبه من أجل يفوز على منتخبات الدول الأخرى. كيف أعيش فى وطن أهل السياسة فيه لا يفقهون شيئاً فى علم السياسة غير أن السياسة هى سياسة «أم الواد مزيكا»، أى سياسة «خده على اد عقله أو اديلو دى يتلهى فيها»؟! كيف أعيش فى وطن لا تُحترم فيه آدمية أبنائه ولا تُحترم فيه عقليتهم؟ وبعد كل ما سردته يتضح لنا أننا لا نعيش فى وطن بل فى غابة، أقصى حرية تمارس فيه هى حرية القتل وسفك الدماء وحمل السلاح. الوطن الذى أعرفه هو الحضن الدافئ الآمن الذى يحتضن أبناءه ويحميهم من أى شر ويتمتعون فيه بخيره وينعمون بالحرية وفقاً لقانون عادل يتساوون فيه. إن الوطن فى أمسّ الحاجة إلى «وطن» يحتويه ويحتضنه ويكون الضمير فيه له الكلمة العليا.. فهل من وطن؟!