امرأة فى عقدها الثالث، ترتدى جلبابًا أحمر وطرحة بُنية، العرق يتساقط من جبهتها، وملامحها حزينة يبدو عليها الشقاء، تمسك بيدها مكواة وتقوم بكى الملا بس حتى يتسلمها الزبائن في المواعيد المتفق عليها.. مشهد سوف تراه عند مرورك من أمام محل تنظيف وكى الملابس التى تعمل فيه سعاد عامر. هى سيدة ظروفها المعيشية صعبة،ولكى تستطيع العّيش، قررت اقتحام عالم الرجال والعمل بمهنة مكتوب عليها بالخط العريض «للرجال فقط »، وذلك بعد وفاة زوجها، فقررت العمل «مكوجية »، رغم حصولها على درجة الماجستير فى قسم العلوم السياسية العام قبل الماضى، إلا أنها أصرت على مواصلة العمل فى مهنتها التى أتقنتها وأصبح لها زبائنها الذين يترددون على محلها فى مدينة النوبارية الجديدة جنوب محافظة البحيرة حتى أنهم يلقبونها «بالمكوجية البروفشنال .» قالت سعاد إنها تعمل فى المهنة منذ طفولتها، حيث كانت ترافق والدها إلى محل الغسيل والمكواة الخاص به، والذى كان يعد أكبر محل لهذه المهنة بالمنطقة، لتشاهده وهو يقوم بعمله، حتى طلبت منه فى بعض الأيام تعليمها، ورفض والدها فى بداية الأمر لخطورة العمل وحرصًا منه على صحتها وتكوينها الجسمانى، لكن أمام إصرارها الشديد وافق وقام بتعليمها المهنة حتى أتقنتها. وأوضحت أنه مع مرور الوقت اضطر والدها إلى إغلاق محل الغسيل والمكواة الخاص بهم، نظرًا لتعرضه لأزمة صحية أجبرته للتوقف عن العمل، وبعدها بعدة سنوات تزوجت بالقرب من منزل والدها ولكن بعد إنجاب طفلها الأول تعرض زوجها لحادث سيارة أفقده حياته، فقررت حينها مواصلة دراستها بالماجستير، وإعادة فتح محل والدها لتدبير نفقات المنزل، رغم نظرات البعض لها واستنكارهم لعملها فى تلك المهنة، خاصة أنها داخل مجتمع ريفى إلا أنها واصلت مسيرتها ولم تلتفت لهم. وأكدت سعاد أن أكثر شىء تعانى منه هو مضايقات الشباب العاطل والبلطجية الذين يجلسون على أحد المقاهى المواجه لمحلها والذين يتسببون فى مضايقات الفتيات الذين يترددون على المحل ويلاحقونهم فى «الراحة والجاية » على حد تعبيرها. وعن كثرة ساعات العمل، قالت «سعاد » بنبرة حزينة أنها تعمل أكثر من 15 ساعة متواصلة منذ وصولها للمحل فى تمام الثامنة من صباح كل يوم بحثا منها عن إنجاز عملها وإرضاء زبائنها، لافتة إلى أنها رفضت الزواج بعد وفاة زوجها رغم صغر سنها، من أجل تلبية احتياجات والديها وطفلها الصغير، والتى لا تمتلك غيرهم، وأملآ منها فى استكمال دراستها التى تحلم بها منذ نعومة أظافرها، خاصة بعد تسجيلها لرسالة الدكتوراة منذ عدة أسابيع. وأشارت إلى أنها تأقلمت مع كل المؤثرات الخارجية التى تتلقاها من المجتمع الذى تعيش فيه، كما أنها اعتادت على صوت ماكينة البخار التى ترافق يديها طوال عملها، فضلً عن استخدامها بكل سهولة ويسر رغم أنها أنثى، كما أصبحت على دراية كاملة بكل مكونات آلتها حتى تستطيع إصلاحها إذا لزم الأمر ذلك.