فوضى سياسية وأمنية تطيح بالدولة الليبية، جعلتها فريسة سهلة، سواء لتنظيم داعش، أو الدول الغربية، التي تستغل أي فرصة للتدخل في الصراع وتوجيهه حسب أجندتها السياسية؛ لتحقيق المصالح منه، حيث جاء تعثر المسار السياسي في ليبيا مؤخرًا ليقدمها على طبق من ذهب لتنظيم داعش، الذي استغل الفراغ السياسي والأمني؛ ليتمدد في المناطق المتاخمة للهلال النفطي وسط البلاد؛ لتخرج الإدارة الأمريكية، وتعزف على أوتار مكافحة الإرهاب والتهديد الأمني، الذي يمثله داعش على حدود أوروبا. أمريكا تدق طبول حرب جديدة اجتمع وزراء ومسؤولون من 23 دولة اليوم في العاصمة الإيطالية روما؛ للوقوف على خطط التحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش في العراقوسوريا، وبحث سبل وقف تقدم التنظيم في ليبيا. وقال مسؤولون غربيون إن دول التحالف الذي تقوده واشنطن ستراجع جهودها لاستعادة الأراضي التي استولى عليها التنظيم المتطرف في سورياوالعراق، ومناقشة سبل كبح نفوذ متشددي التنظيم في ليبيا. اللافت في الاجتماع هو تلميح وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بإمكانية توجيه التحالف الدولي ضربة عسكرية ضد تنظيم داعش في ليبيا، حيث قال: في ليبيا نحن على وشك تشكيل حكومة وحدة وطنية. ذلك البلد لديه موارد، وآخر شيء في العالم تريدونه هو خلافة وهمية يمكنها الاستفادة من عائدات نفطية بمليارات الدولارات. وشدد وزير الخارجية الأمريكي على أن العملية ضد تنظيم داعش ستكون طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن "العالم يتوقع منا المحافظة على أمنه وسلامته". وأكد كيري أن "استراتيجيتنا لن تسمح لداعش بإعادة ترتيب أموره". تلويح ينتظر التنفيذ التلويح الأمريكي بالتدخل في ليبيا لم يكن جديدًا على مسامع المتابعين للشأن الليبي، حيث سبقه عدة تقارير وتصريحات أمريكية تمهد للموضوع. فقد ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس خيارات عسكرية لوقف تنظيم داعش وتحقيق إنجازات على الأرض في ليبيا. وقال رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال جوزيف دنفورد، إن هناك مفاوضات مع نظيره الفرنسي للتحضير لعملية عسكرية حاسمة في ليبيا. موضحًا أنه يرغب في شن الحملة ضمن التسوية السياسية التي حُرِمت منها ليبيا منذ سقوط القذافي. وكان البيت الأبيض قد قال مؤخرًا إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أصدر توجيهات لمستشاريه في مجال الأمن القومي، الخميس الماضي؛ للتصدي لمحاولات داعش التوسع في ليبيا ودول أخرى، وأكد استضافة الرئيس الأمريكي نظيره الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، خلال الشهر الحالي؛ لإجراء محادثات من المؤكد أنها ستتضمن احتمالية تدخل عسكري غربي في ليبيا. وأضاف البيت الأبيض أن إيطاليا حليف مهم في حلف شمال الأطلسي، وشريك قريب في نطاق واسع من التحديات العالمية. سبقت موقف البيت الأبيض تصريحات أخرى مماثلة من وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، الذي قال الخميس الماضي، إن داعش يقيم مواقع تدريب في ليبيا، ويستقبل مقاتلين أجانب في أسلوب يماثل ما فعله في العراقوسوريا الأعوام المنصرمة، وتابع: لا نريد أن نكون على طريق يقودنا لوضع مثل سورياوالعراق، وهذا ما يجعلنا نراقب الأمر عن كثب، وهذا ما يجعلنا نطور خيارات لما قد نفعله في المستقبل. فيما أقر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، بيتر كوك، الأربعاء الماضي، بأن الولاياتالمتحدة أرسلت بالفعل عددًا صغيرًا من العسكريين إلى ليبيا؛ في محاولة لإجراء محادثات مع قوات محلية؛ للحصول على صورة أوضح لما يحدث هناك على وجه التحديد. وأوضح كوك أن ما يحدث هو تقييم ميداني واسع، وليس وضع اللمسات الأخيرة على العمليات. في ذات الإطار أكدت تقارير إعلامية وصول قوة جوية بريطانية خاصة إلى ليبيا؛ لوضع حجر الأساس لتدخل القوات الغربية المتحالفة، وستشمل القوة حوالي 1000 جندي من سلاح المشاة البريطاني. كما تشير التقارير إلى أن حجم القوة المشاركة قد يصل إلى 6000 جندي من البحرية الأمريكية وقوات من دول أوروبية تقودها إيطاليا، وبدعم من فرنسا، وربما من إسبانيا أيضًا. ووفقًا للتقارير فإن القوات البريطانية والفرنسية والأمريكية ستنتشر على الأراضي الليبية؛ للتمهيد لعملية عسكرية وُصِفَت بأنها أكبر إنزال حربي منذ الحرب الكورية في عام 1952. ليبيا.. الوجهة الثالثة للدمار الأمريكي تحت ذريعة محاربة الإرهاب، انهار العديد من الدول العربية، واتسعت رقعة الإرهاب فيها، ودُمِّرَت بنيتها الأساسية، وتشرد أبناؤها. وأبرز مثال على ذلك سورياوالعراق، حيث بدأ الدمار بتلويح أمريكي بالتدخل العسكري في هذه الدول بحجج ومبررات واهية، أبرزها مكافحة الإرهاب ومنع تمدده وانتشاره، وفي الخطوة التالية كانت تسعى واشنطن إلى جر العديد من الدول المؤثرة إلى صفها، في محاولة لكسب شرعية وغطاء سياسي لعدوانها، ثم تخرج الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في العدوان للتهويل من الإنجازات التي تم تحقيقها، والتأكيد على أن الأهداف تم تحقيقهابنجاح. وبعد فترة قليلة يتضح للمجتمع الدولي والعالم أجمع أن الخطة الأمريكية لم تسفر عن شيء إلا مزيد من المعاناة والتشريد وتدمير البلد المستهدف؛ لتخرج الدول المشاركة في العدوان بعد ذلك، وتعتذر عما خلفته من دمار للبلد، معلنة أنها لم تكن تملك الاستراتيجية المناسبة والتخطيط المُحكم، لكن الاعتذار دائمًا ما يكون قد فات أوانه، فلا يستطيع أن يصلح شيئًا، ولا يعيد الأمن والاستقرار للبلد المضطرب، ولا يحيي ضحايا الغزو الغاشم، وهو المشهد المنتظر تكراره في ليبيا خلال الفترة القادمة.