لم اكن يوما متخصصا في الدراما أو فاهما لها من زاوية تقنية ولكني اتذوقها وأعشقها كأحد جمهورها منذ وعي عقلي ونضج تفكيري .. وكنت دائما أتساءل: هل تصنع الدراما كفن يعبر عن صانعه وموهبته أم أن لها بعدا اجتماعيا وهدفا مجتمعيا. كنت ومازلت أراها أداة تؤثر في المجتمعات وتوجه الرأي العام وتصنع عقليات المجتمعات، بل وهي قادرة على تغيير توجهات مجتمع ما ونقل عواطفه وتحويل مسارها من جهة إلى أخرى. إن المتتبع لتاريخ الدراما يجد بذور تكوينها وبداياتها الضاربة في القدم قد بدأت على سواحل بحر إيجة في اليونان القديمة .. كانت الدراما في بداياتها عبارة عن طقوس دينية موسمية تقام في أعياد ديونيسوس الإله الأسطوري لدى الإغريق القدامى وكان الشباب يقيمون تمثيلا لألامه ومعاناته. ويسمونها أغنية الماعز "تراغوذي" التراغوذيا" والتي أصبح منها فن المأساة الشهير "التراجيديا" ومن جهة أخرى كانت هناك طقوس دينية وأغاني شعبية مبهجة "كوموذي" والتي ظهر منها فن الملهاة الشهير "الكوميديا".. وبعد مرور السنوات ظهرت بدايات الدراما اليونانية على أيدي عمالقة المسرح القدامى (ايسخولوس ويوريبديس وسوفوكليس)، تحول المسرح إلى المنتدى السياسي الذي يناقش فيه اليونانيون أمور حياتهم وينتقدون فيه حكوماتهم، وكانت المسرحيات تعرض نهارا ويذهب لحضورها كافة أطياف الشعب ومن كافة الطبقات، كانت الطبقة السياسية تعلم جيدا أهمية تأثير الدراما في تفكير الناس وتخشى أقلام الكتاب المسرحيين وتضعهم دائما في حسبانها قبل اتخاذ القرارات. وبدا ذلك جليا حين تناول الكاتب الكوميدي الشهير أريستوفانيس شريحة السوفسطائيين في ملهاته الشهيرة "السحب" والتي كان بطل أحداثها سقراط الفيلسوف الشهير الذي تناوله أريستوفانيس كأحد السوفوسطائيين ؟!. وضع أرسطو المعلم الأول قواعد الدراما في عصر متأخر ونتج عنه ما يعرف اصطلاحا بنظرية التطهير الأرسطي، فأرسطو رأى أن المسرح وظيفته الأولى هي التطهير، عن طريق إثارة المشاعر والمخيلات والخوف والشفقة في نفس المشاهد حتى يتجنب الشر التراجيدي ويلتزم بالخير، وظلت هذه النظرية هي السائدة حتى يومنا ولم يستطع أحد ان يخرج عن قواعد أرسطو، بل إن حتى بريخت في العصر الحديث الذي بدا معاديا للأرسطية اعتبره النقاد في نهاية عمره أرسطيا أكثر من الأرسطيين دون أن يدري .. تطور المسرح وتطورت الدراما عبر العصور وانتقلت من التمثيل المباشر إلى التمثيل المصور المعروض على شاشات السينما واستغلت الأمم الكبيرة الدراما كل الاستغلال للتأثير في الشعوب وتوجهات الشعوب، وتجلى ذلك واضحا في هوليوود، التي حملت على عاتقها تغيير العالم واستغلت قوى الاستعمار والرأسمالية العالمية الدراما واستثمرت فيها الملايين والمليارات من أجل صناعة العقول وتغيير المسارات وغزو أفكار الأمم .. بأساليب قواعدها أرسطية ومبادئها نفعية، تحقق مصالح الرأسمالية والسيطرة والهيمنة على الشعوب المستضعفة.. ومن هذا المنطلق ونحن نعيش مخاضا متعسرا لنهضة حضارية، علينا أن نعلم جيدا أن الدور المحوري الذي نرجوه لبلادنا في العالم وأن الهوية الحضارية التي نتنازع حول قشورها ولم ينفذ أحدنا إلى صلبها وجذورها يحتاجان موقفا حاسما نغير فيه مفاهيمنا عن الفن والسينما والدراما ونعلم أنهم أدوات لتحقيق الاستقلال الوطني ورفع الهوية المستقلة لبلادنا والتأثير في الآخرين من حولنا، وليس الفن هو التسلية والإمتاع كهدف وإنما هو استخدام التسلية والامتاع لتحقيق أهداف أكبر، قد لا يشعر بها المشاهد وإن كانت تترسخ في عقله دون أن يدري ، ماذا يشاهد أبناؤنا وبماذا يعجبون وماذا يحبون وكيف تتأثر عواطفهم بما يشاهدون؟ إن أحدنا لا يأبه أن يشاهد أيا مما يعرض في السينمات أو على شاشات التليفيزون، دون أن يدري ما هو التأثير الخفي لما يشاهده على المدى البعيد .. حتى يتحول مع الوقت لديه كثير من المبادئ الوهمية الخادعة إلى حق ثابت لا يقبل النقاش .. إن الحكومات التي لا ترصد الميزانيات الضخمة والجهود الجبارة لصناعة وعي وتأثير تظل عرضة دائما للاختراق. والحضارات التي لا يكون لديها إمكانيات تأثير على الآخرين وقوة في عرض هويتها والتمسك بها سريعا ما تنهار وربما أمام حضارة أضعف منها في حقيقتها ولكن أقوى في عرض نفسها .. نحن نمتلك من الإمكانيات الثقافية والحضارية عبر آلاف من السنوات ما يجعلنا نستطيع التأثير في كل العالم من حولنا وصبغه بلون مصري، فاليونان في عصر من العصور جعلت العالم "هللينستي" أي متشبه باليوناني .. ونحن أيضا نستطيع عبر ما نمتلكه من تراث حضاري وإنساني يتعطش إليه العالم من حولنا ويفتقده.. Comment *