جمال البنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الإسلام، وهو يمثل عنصر التكافل الاجتماعي كما تمثل الزكاة التكامل الاقتصادي، وقد قدّمه القرآن الكريم في بعض الحالات على الصلاة والزكاة فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (التوبة:71). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -بهذا الفهم- لا يمثل إشكالية من أي نوع، بل إنه بجانب حفاظه على المجتمع يمثّل الحرية في الفكر والتعبير والمساهمة في عمل المجتمع، ولا ينال من مكانته ولزومه أن البعض أساء استعماله فلجأ إلى رفع قضايا حسبة على الكتّاب والمفكرين، لأن حق التقاضي من حقوق الإنسان وضمانات الحرية، ولأن الأمر سيِبتّ فيه القضاء، فإذا كان له حق فلا ملام عليه، وإن لم يكن له حق فيمكن للذين اتهمتهم أن يعودوا عليه وأن يطالبوه بالتعويض أو الاعتذار. بدأ أول مظاهر الإشكالية مع بروز حديث "من رأى منكم منكرا فليغيّره..."، لأن الحديث نقل القضية من "الأمر" إلى "التغيير"، والتغيير يخرج عن إطار القول ويدخل منطقة العمل التي يجب أن تحاط بضمانات، لأنها يمكن في غيبة هذه الضمانات أن تسيء إلى الغير، وأن تحدث من الشر والأذى أكثر مما أرادت أن تتفاداه. فلا يستقيم أن تعطي شخصا حرية أن يستخدم يده لإصلاح ما رآه منكرا، لأنه هنا يجمع ما بين المدّعي والقاضي، بل والممارس للتنفيذ، ولا يعني هذا إلا الفوضى وشل الضمانات التي وضعها القانون لمن يستخدم يده، بل إن القانون يستبعد التغيير باليد من الأفراد لغلبة احتمال الإساءة في التصرف، مما يوجب حصره في السلطات المعنية التي تمارسه في ضوء الضمانات التي يضعها القانون. إن تفسير حديث "من رأى منكم منكرا..."، لا بد أن يستصحب الآيات العديدة التي حدد الله تعالى بها للرسل طريقة التبليغ، وضرورة الاقتصار عليه، فمن غير المعقول أن يتصور أحد من عامة المسلمين أو خاصتهم أنه أكثر غيرة على الإسلام من الرسول، أو أن عليه أن يفعل أكثر مما وجّه القرآن رسوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ الله يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} (البقرة:272)، {إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} (القصص:56). *********** وصلت الإشكالية إلى قمتها عندما كوّنت السعودية في العقد الثالث من القرن الماضي مجموعة خاصة وصل عددها إلى خمسة آلاف، لمهمة واحدة هي تطبيق "تغيير المنكر". وتحدث عن هذه الهيئة كاتب في مجلة المجلة العدد 1055 في 13 إبريل سنة 2000، فقال: "كان أعضاء الهيئات يمشون في الأسواق فيمنعون الاختلاط والسفور ووقوف الرجال في طريق النساء لغير حاجة، وتطفيف المكاييل والموازين، وظلم الدواب، كما يمنعون الحلاقين من التعرّض للحى زبائنهم بقص أو حلق، ويؤدبونهم على ذلك ويمنعون القزع (هي قصة من قصات الشعر كانت منتشرة في أواخر الستينيات، وطوال فترة السبعينيات)، ويقومون بقص الرأس المقزوع، ويمنعون التدخين ويؤدبون عليه، ويصادرون التبغ من الدكاكين ويحرقونه ويؤدبون بائعيه، ويقيمون الناس إلى الصلاة حين المناداة لها، وإذا عثروا على من ارتكب حدا رفعوا أمره إلى رئاستهم، فيتولى المحققون فيه التثبّت مما فعله المتهم ثم يرفعون نتائج التحقيق إلى الرئيس العام، فيصدر بدوره ما يلزم من جلد أو نفي أو حبس، ويمنعون تصوير ذوات الأرواح ويكسرون صورها، ويمنعون اللهو الحرام ويكسرون ما يجدون من آلاته من دون أي قيد ومهما كان ثمنها، ويمسون من يجدون هذه الأشياء في حوزته بشيء من العقاب الفوري جزاء على حيازته لهذه الممنوعات شرعا، كما أن هناك سجنا خاصا بالهيئات، يودعون فيه من يجدونه من المذنبين، فيقضون فيه ما حكم عليهم من حبس وخلافه" أ.ه. ومنذ أن كتبت هذه الكلمات وقد مضت الهيئة في عملها قدما لا يوقفها أحد (ويقال إن الملك وحده هو الذي يمكن أن يحاسبها) رغم تجاوزاتها، وفي مارس سنة 2002 اشتعلت النيران في إحدى مدارس البنات، فمنع أعضاء الهيئة رجال الإطفاء من الدخول، كما حالوا دون خروج التلميذات غير محجبات، مما أدى إلى احتراق 15 طالبة. وأشارت جريدة البديل في 30/11/2007 إلى حالتين، بمناسبة تبرئة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تهمة قتل مواطن، فقالت: برّأت محكمة سعودية عضوي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية) المتهمين بقتل مواطن سعودي داخل مقر الهيئة في حي العريجاء بالرياض، بحجة عدم كفاية وصحة الأدلة المقدمة من أصحاب الحق الخاص. مع وجود مثل هذه الهيئة تصبح قضية التعامل مع الأمر بالمعروف إشكالية معقدة، ومخالفة صريحة لكل مبادئ العدالة وما انتهى إليه العالم من ضمانات للإجراءات الجنائية، وضمانات للقضاء، فهى تحوز سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية، فتتولى تفسير الإسلام ثم تحكم هي نفسها على المتهم طبقا لهذا التفسير، ثم تطبق العقوبة بنفسها التي أصدرتها، ومثل هذا الجمع بين السلطات الثلاث يجعلها دولة داخل الدولة، دولة كل مهمتها الإرهاب. وكيف إذن يمكن القيام بهذه المهمة المقدّسة التي أكّدها القرآن الكريم؟! نقول إن هذا ممكن: أولا: باستبعاد كل محاولة للتغيير بين الأفراد باليد إلا في حالات تتطلب التدخل الفوري. ثانيا: استبعاد تكوين هيئة مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدد من الأسباب: أنها خروج على النظام القضائي المقرر وتعطي سلطات القضاء دون ضمانات القضاء. لأنه ليس من شأن الدولة القيام عن طريق أجهزتها الرسمية بدور في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأي جهد أو عمل يتم عن طريق الدولة يفقد أصالته ويتعرض لكل سوءات العمل الحكومي، فضلا عن أنه لا يصدر عن إيمان، ولكن عن سلطان، وبالتالي فلا يكون له قيمة. ثالثا: إن الصورة القديمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت تتركز حول تحطيم قناني الخمور وكسر المعازف وآلات الموسيقى وتحطيم التماثيل يجب أن تنتهي، ويجب أن يأخذ الشكل الجديد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شكل جمعيات وهيئات ومنظمات للمجتمع المدني، وأن يضم موضوعها مجالات مثل إشاعة الثقافة والمعرفة والإلمام بالمهارات المطلوبة للمجتمع وتعليم الجاهلين، وقضايا العدالة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي... إلخ. نُشر بالمصري اليوم