رئيس وقيادات ميناء دمياط يتبرعون ب20% من رواتبهم لصندوق تحيا مصر    «التضامن» تُنقذ «سيدة كرموز وطفليها» (صور)    "أوبك" تؤكد أهمية التعاون الدولي لاستقرار سوق النفط في ظل كورونا    صور.. حملة لإزالة التعديات على 700 متر في القنطرة غرب بالإسماعيلية    محافظ قنا يوقع بروتوكول تعاون مع جامعة جنوب الوادي بشأن القرى الأكثر احتياجًا    وزيرة البيئة تكشف طرق التخلص من مخلفات المناطق المعزولة بسبب كورونا|فيديو    بريطانيا تسجل 900 حالة وفاة جديدة بفيروس كورونا    القناة 12 العبرية: الهند زودت إسرائيل بدواء تجريبي ضد كورونا    الجيش الجزائري يؤكد استعداده لمواجهة أي طارئ في ظل تفشي كورونا    مقاتلات أمريكية تعترض طائرتين روسيتين حربيتين قرب ألاسكا    أحمد فتحي يبقى أم يرحل عن الأهلي؟.. مانويل جوزيه يجيب    لمواجهة كورونا.. الجزيرة يخصص أحد مبانيه للحجر الصحي    «يويفا»: إقامة «اليورو» المقبل بنفس المدن التي كانت ستستضيف البطولة هذا العام    برشلونة يفاوض لاعب داهية    نجم ريال مدريد في حوار خاص ل صدى البلد: محمد صلاح تفوق على ميسي.. والنادي الملكي تأثر برحيل رونالدو.. وهذا هو أصعب لاعب واجهته    نجم باريس سان جيرمان يعرقل عودة رونالدو إلى ريال مدريد    أسطورة مانشستر يونايتد يكشف سر رفضه الانتقال لبرشلونة    ضبط مصنع لإنتاج كمامات طبية غير مطابقة داخل منزل بأسيوط    وزير التعليم: إتاحة مشروعات طلاب الدمج وأولى وثانية "منازل" الاثنين المقبل    «صدمه قطار».. مصرع مواطن عبر مزلقان مُغلق في أسيوط    أحمد السقا في رمضان.. «مقدم برنامج وضيف شرف بمسلسل»    طارق محمد رشدي لمصراوي: "والدي عانى بسبب حرمانه من نجله وعبدالحليم تسبب في بكائه"    في 5 أيام..أغنية "مش قد الهوى" تتخطى ال 2 مليون مشاهدة على "يوتيوب"    الموت يفجع أنغام    فيديو.. حفل محمد ثروت "أون لاين" الأول على "يوتيوب"    محافظ أسيوط يشهد اصطفاف معدات التطهير للمراكز والأحياء    صحة أسوان: عينات أفراد الأمن الخاص بمركز مجدي يعقوب لأمراض القلب سلبية    «التكافل الاجتماعي» بالشرقية تتبرع بجهازي تنفس صناعي ل«صدر الزقازيق»    ضبط كمية من الأدوية المنتهية الصلاحية والمسجلة بوزارة الصحة بالخانكة وشبين القناطر    طلعت مصطفى: إصدار الصكوك لتمويل إنشاء مول السوق المفتوح بمدينتى    خبير عسكري عن الغواصة الجديدة: الأزمات لا تثني الجيش عن رفع جاهزيته    وزير الخارجية ونظيره الكويتى يؤكدان رفضهما التام للحملات المسيئة للعلاقات    الإسلامى للتنمية يقرض تونس 280 مليون دولار لمعالجة أزمة كورونا    «بيت الزكاة» يخصص 200 مليون جنيه للمساهمة في مواجهة «كورونا»    فيديو.. خبير بروسيا: موسكو تطور لقاحات لمواجهة كورونا والإصابات تتزايد    ما مشروعية قراءة "عدية يس" لرد الظلم؟.. تعرف على رد أمين الفتوى    الأزهر: المقررات الدراسية للتعليم قبل الجامعي حتى 15 مارس (صور)    وزير السياحة يلغى ترخيص أحد الفنادق السياحية بالبحر الأحمر لتسريح العاملين    حبس متهم بالتعدي على سيدة وسرقة سيارتها في الرحاب    محافظ أسوان: منع التجمعات فى الأسواق الثابتة وتعقيمها باستمرار    الكنيسة: البابا يترأس صلوات المناسبات الكنسية حتى العيد بدير الأنبا بيشوي    مجلس جامعة المنوفية يتبرع بربع مرتبه لصندوق" تحيا مصر" لمدة ثلاثة أشهر    12 مليون جنيه تفصل الزمالك عن صفقة نجم بيراميدز    إنهاء خدمة مؤذن وإلغاء تصريح خطيب بالمنوفية    ارتفاع وفيات كورونا في مستشفى العزل ببلطيم إلى 3 حالات    توقعات الابراج حظك اليوم برج الميزان الجمعة 10-4-2020    سفارة مصر بالكويت توجه دعوة لمخالفي قوانين الإقامة من أبناء الجالية    غزل المحلة تمنح إجازة استثنائية لأبناء قرية "البنوان" للوقاية من "كورونا ".. صور    السياحة تطلق زياراتها الافتراضية والإرشادية في الثامنة مساء بدءا من اليوم    إصابة 20 عاملا زراعيا في حادث تصادم سيارتين ببني سويف    رئيس خريجي الأزهر بالغربية: ذكرى تحويل القبلة رسالة عالمية للتلاحم الإنساني للخروج من الأزمة الراهنة    فيديو| القوى العاملة: صرف المنحة ل1.5 مليون عامل غير منتظم    هذه العبادة حث عليها النبي قبل دخول شهر رمضان .. علي جمعة يكشف عنها    قرار جديد من الرئيس السيسى    موشن جرافيك| الإفتاء: إطعام المسكين واليتيم والأسير من أسباب دخول الجنة    «لأرصاد» تحدد موعد ارتداء الملابس الصيفية.. فيديو    انتظام الحركة المرورية بالقاهرة والجيزة.. واستمرار التحويلات بالأميرية والدائري    سقوط صواريخ على قاعدة جوية أمريكية في أفغانستان و«داعش» تعلن مسئوليتها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فائزو جائزة العويس يكشفون أسرار الكتابة
نشر في صوت البلد يوم 18 - 12 - 2019

كشفت شهادات الفائزين بجائزة سلطان العويس الثقافية في دورتها السادسة عشرة "2018 2019" حول سيرتهم الإبداعية والثقافية، عن زوايا مهمة في التكوين الثقافي وتأثيراته على تشكل رؤاهم وأفكارهم، وكذا أبرز الأحداث التي ألقت بظلالها على الانتقالات الرئيسية في كتاباتهم، فانطلق الشاعر والناقد د.علي جعفر العلاق من وقائع الطفولة ودور الأم التي احتوته عقب رحيل الأب، وبدايات ولادة الشاعر فيه، ثم ولادة القصيدة والمجموعة الشعرية الأولى، ومعايشته لشعراء جيل الستينيات، ومغادرته العراق للعمل بالامارات.. إلخ، فيما ذهبت الروائية علوية صبح إلى السؤال: لماذا لم أستطع حتى الآن أن أكتب بمعزل عن الحرب اللبنانية التي تركت آثارها على كتابتي؟ لنتعرف على إضاءات مهمة في سيرتها وسيرة رواياتها.
أما الناقد د.محمد لطفي اليوسفي فتدرجت شهادته من الفتنة بالشعراء في المرحلة الإعدادية وحتى دخوله الجامعة مخفورًا بالمبدعين رفاق دربه ودخوله إلى عالم النقد قديمة وحديثة وبدء اشتغاله بالتجديد والمغايرة، وذهب د.حيدر إبراهيم علي إلى الحب والحرية كأعلى قيم في حياته، أما الشيخة مي بنت محمد آل خليفة الفائزة بجائزة سلطان العويس للإنجاز الثقافي والعلمي، فقد حمل بيان مجلس أمناء الجائزة، وكذا مقال عنها الكثير من تفاصيل دورها الثقافي الوطني في البحرين.
وهنا نقتطف من كل شهادة من هذه الشهادات التي حملها الكتاب الذي أصدرته مؤسسة العويس بعنوان "الفائزين بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية" ما يلقي الضوء على جانب من الجوانب الثرية المتنوعة التي تحملها شخصيات الفائزين.
الشيخة مي والاستثمار في الثقافة
الشيخة مي بنت محمد آل خليفة شخصية رائدة في المشهد الثقافي والفني العربي، حيث قادت الجهود الوطنية الرامية إلى تطوير البنية التحتية الثقافية في مملكة البحرين للحفاظ على التراث وتنمية السياحة المستدامة، تشغل حاليًا منصب رئيس هيئة البحرين للثقافة والآثار، وهي تعد الشخصية الأبرز في هذا المجال، إذ ترأست قبل منصبها الحالي حقيبتي وزارة الثقافة والإعلام ثم وزارة الثقافة. وانطلاقًا من كونها مؤسس مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث ورئيس مجلس أمنائه منذ عام 2002 تعمل الشيخة مي دون كلل لتعزيز الثقافة والحفاظ على التراث العمراني البحريني، وأطلقت في سبيل ذلك مبادرة الاستثمار في الثقافة، والتي ساهمت في بناء شراكة غير مسبوقة بين القطاعين العام والخاص من أجل الحفاظ على التراث، وجاء ضمن أبرز ثمارها إنشاء متحف موقع قلعة البحرين وتشييد مسرح البحرين الوطني الذي يعد من أهم عوامل جذب السياحة الثقافية للمملكة. جعلت بناء قدرات الشباب في مجالات التراث والتنمية الثقافية من أولوياتها الرئيسة، حيث أسست في هذا الإطار مبادرة "تاء الشباب"، وهي عبارة عن منتدى شبابي يحتضن المواهب البحرينية الناشئة ويعنى بنشر الحوار الثقافي فيما بينها، ومن بين أهم إنجازاتها العديدة إدراج ثلاثة مواقع تراثية بالمملكة على قائمة التراث الإنساني العالمي لليونسكو، وهي موقع قلعة البحرين، موقع طريق اللؤلؤ، موقع تلال مدافن دلمون، بالإضافة إلى إنشاء المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي، وهو مركز تابع لليونسكو من الفئة الثانية يسهر على التراث الطبيعي والثقافي لكل الدول العربية.
العلاق ورحلته الشعرية
ربما بدت مجموعتي الأولى "لا شيء يحدث .. لا أحد يجيء" 1973، وكأنها محاولة للتعامل بطريقة خاصة، مع اللغة، والصورة، والإيقاع، وكانت مغامرة بالنسبة لشاعر يصدر ديوانه الأول أن يظن، ومنذ البداية، أن باستطاعته أن يربك إيقاع الموج أو يترك بعض الخدوش على هذه الأعمدة الشعرية الثلاثة من أعمدة القصيدة المتعارف عليها، لذلك كانت اللغة شاغلي الأول في تلك المجموعة، حتى أنني كنت أبالغ أحيانًا في العناية بها، وتنقيتها من حسك الطريق وما يتساقط من ثياب المارة، ولأنني شديد النفور من الثرثرة الشعرية والتعبير المطول، حد التخمة، عن معنى ما، كنت أتمادى في العمل أحيانًا على أن يكون النص الذي أكتبه موجزًا وخاليًا إلى أقصى حد ممكن من النتوءات والاستطالات، والباروكات اللغوية الفائضة عن الحاجة، كنت كمن يسعى إلى قصيدة ملمومة، مكتفية بذاتها، تومئ أكثر مما تتحدث، وتحس أكثر مما تفهم، وكان المعنى لا يسلم من الأذى دائما نتيجة هذه النزعة إلى التضييق والإيجاز.
أما ولعي بالصورة، فكاد أن يصل حد الهوس، وحتى هذه اللحظة لا أجد مبتغاي في القصيدة التي تهرول إلى معناها مباشرة، دون جهد يضبب المعنى ويخفف من ملامحه الحادة. كنت أعتقد أن القصيدة لا تدل على نفسها إلا من خلال عناية فنية لا تكتم أنفاس النص، ولا تقوده إلى مصير قري يفرضه الشاعر. وظل هذا النزوع إلى التعبير بالصور يرافقني في معظم كتاباتي الشعرية اللاحقة، مع أنني كنت أسعى إلى جعله أكثر انضباطا قدر ما أستطيع.
ولم يكن ميلي إلى الإيقاع إلا جزءًا من توجه كنت أحاول ترسيخه في ما أكتب من نصوص، كنت أرى أن الإيقاع كان وسيظل، ولكن بدوافع جمالية ودلالية جديدة مكونًا شعريًّا مهما إذا أحسن الشاعر تمثل قيمته والكشف عن إمكانياته ولا أعني بالإيقاع هنا مديات البيت الشعري الموروث الجاهز أو المعد سلفًا فقط، بل ما في اللغة ذاتها من فيض كامن من الليونة والتموج والحوار بين المكونات. كنت أحاول في هذه المجموعة عرقلة بعض الأوزان الشعرية وتهدئة لهاثها المتسارع ولم أكن أبالي أحيانًا حتى بارتكاب بعض الوقفات الوزنية من أجل تحقيق هذا الغرض.
كنت، ومنذ بداياتي الأولى، مأخوذًا بالمجاز، وشديد النفور من التفاصيل. كنت أسعى إلى جملة شعرية لا تتجه إلى معناها في خط مستقيم، وإلى لغة مقتصدة، متخفية وكثيرة المفاجآت، وأحاول أن تكون قصيدتي ليلية إلى أقصى حد: لا مناطق قاحلة، ولا نهار يهتك السر، فالشعر كائن ليلي على الدوام: يوحي بالرهبة الجليلة وينمي الهاجس. إن الكثير من شعرنا هذه الأيام يغرق في باروكات لغوية فائضة عن الحاجة. أو نصوص شفافة، بالمعنى الهجائي الذي يذهب إليه تودوروف، حين تشف القصيدة عن هيكلها العظمي لافتقارها إلى الركيز وكثافة اللغة. ومع ذلك، فإنني لا أرى الجمال في معزل عن كرامة البشر، فللقصيدة كرامة لا تكتمل إلا بكرامة الناس الذين تخاطبهم وتلامس أحلامهم وأوجاعهم، لا بالصراخ والضجيج بل بالجمال والنبل اللذين يواجهان القبح والخراب والكذب.
علوية: عن أي مدينة أحكي؟
أسأل نفسي كثيرًا لماذا لم أستطع حتى الآن أن أكتب بمعزل عن الحرب اللبنانية التي تركت آثارها على كتابتي، رغم أنني أدرك تمامًا استحالة الكتابة بمعزل عن الذاكرة والحياة وتجربة الكاتب الذاتية والمجتمعية، فبعد المجموعة القصصية "نوم الأيام" التي عبرت فيها عن مناخات الحرب وأثرها في الذات وكوابيسها، وجدت نفسي بعد انتهاء الحرب أنساق إلى خارج الذات. تولدت لدي الحاجة إلى خلق عالم أوسع في الكتابة، انسقت خلالها لاستكشاف ذاتي وعالمي والتعبير عن خيبة جيلي في الحرب والحب والأحلام. وكل ذلك استدعاني إلى تقصي عوامل وتقنيات لم أردها جاهزة. وربما الصدمة بمدينة الحرب دفعتني إلى الفهم والاستكشاف. أكثر ما أقلقني قبل أن أبدأ بالكتابة هو السؤال: كيف أكتب عن، أو في أي مدينة لا تشبه المدن التي أنتجت سردًا ومتنًا، وتقنيات هي حصيلة تاريخية لمجتمعاتها وثقافتها؟ عن أي مدينة أحكي، وأنا التي عشت حروبها وتهجيراتها ومصائرها، ووجدت نفي أوائل العشرينيات من عمري في خضم حرب شوارع قذرة تكسر حلمي بمدينة علمانية رسمها لي وعيي الثقافي والإنساني؟ مدينة شهدت انهيار حلمها بالحداثة على مختلف المستويات حتى الثقافي منها، وانهيار حالة مدينية كانت مشعة قبل الحرب. والمدن تشبه ناسها، فذهبت إلى حكايا البطلات والأبطال لأكتشفها. وقادني ما هو ذاتي إلى مجتمعي وتاريخي. والحقيقة أنني وجدت نفسي أيضًا وأنا أروي عن الحرب القذرة ومصائر الأبطال التراجيدية فيها وخيبات النساء في التغيير وأحلام الحرية والحب، أذهب إلى حكايا البنات والأمهات والجدات، في لعبة مرايا بينهن لأستكشف وأعري المجتمع والشخصيات، وأجابه وأسخر وأنا أتوجع مما تكشفه لي الكتابة من عنف متجذر في المجتمع وخاصة ضد النساء. عنف كان أشبه بالصفعات لي. ذلك أنني لم أشعر يومًا أنني أكتب لأني أعرف بل لأستكشف وأفهم.
كتابتي في كل رواياتي تطلبت مني نزع الحجب والأقنعة واختراق المسكوت عنه في الحاضر والماضي وتجسيدها في المتخيل الروائي، كما تطلّب مني الذهاب إلى ما هو حقيقي ومتبئر، بحيث بدا لي ما هو تابو عاديًّا، علمًا بأن الجرأة لم تكن هاجسًا أو هدفًا يحرك العمل بقدر ما كانت حرية الكتابة وفنيتها، وأعتقد أن طريقتي في السرد والإخبار جعلتني أحاكي المشهد في حقيقته وصدقه، بمعزل عن أي رقابة ذاتية أو ردود فعل أو ادعاء جرأة.
اليوسفي والأرض المسحورة
كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفية المسحورة، والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.
ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر، لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت وراقًا كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها، وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها، كان البرد والصقيع والضباب يلف مدينة باجة، كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرًا والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرًا.
تلفت إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقًا ودليلًا غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب، وقعت في دائرة السحر مختارًا فوجدتني مأخوذًا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف، وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية، ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أميركا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو وغيرهم.
ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهم والخيال.
حيدر إبراهيم والحظ
من أصعب الأمور على نفس الإنسان الطبيعي أن يتحدث عن ذاته وتجاربه خشية الوقوع في نرجسية ما. حاولت في إيجاد العبرة ووعي الحياة دون اختلال من خلال سرد التجارب الشخصية أو بعض من السيرة الذاتية، وبعد أكثر من سبعين عامًا يمكنني أن أقول إنني عشت تجربة شخص سعيد ومحظوظ وحقق ما تمناه في هذه الحياة، واستفاد من هذه المنحة والنعمة بطريقة إيجابية ومثمرة: خبرة السعادة سببها حب الناس، وتبادل المحبة مع كل من عرفت، لأن الكراهية والحقد شعور ثقيل على القلب والروح لا أستطيع حمله والتجول في دروب الحياة والزمن، والحب يجعل الحركة في الدنيا أكثر حرية ولطفًا. ومن هنا كانت رؤيتي للكون والطبيعة والإنسان قائمة على مبدأين: الحب والحرية هما أعلى القيم في حياتي، ولا أعرف المساومة والتنازل فيهما، وتوجب عليّ في هذا الموقف أن أكون صادقًا وملتزمًا على الدوام. لكي أكون سعيدًا كان عليّ أن أقارب لدرجة الدمج بين داخلي وخارجي، وأن أردم باستمرار بين الداخل والخارج،وهذا يعني ممارسة ما أقوله وما أفكر فيه، أي أعبر دون مواربة عما أفكر فيه ثم أحول ما أفكر فيه إلى أفعال وحياة يومية. هذا خيار شديد الصعوبة، ولكن هذا مضمون أن الحياة كفاح وكد وأنها تؤخذ غلابًا. حاولت تطبيق وصية: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا". وأصبحت الحياة بالنسبة لي في كثير من الأحيان لحظة حاضرة يجب التمتع بها واستثمارها في كل ما يفيد المرء والناس، لذلك أعجبني القول ورددته كثيرًا " ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها". ومن هنا كان حرصي على الوقت وتنظيمه، وصارت علاقتي قوية بالزمان وضعيفة بالمكان. وهذا سر كوني عشت حياتي متنقلًا مهاجرًا أو منفيًّا، ولا أملك مسكنًا خاصًّا لا في وطني ولا في وطني ولا في البلدان والمدن التي تنقلت فيها.
كشفت شهادات الفائزين بجائزة سلطان العويس الثقافية في دورتها السادسة عشرة "2018 2019" حول سيرتهم الإبداعية والثقافية، عن زوايا مهمة في التكوين الثقافي وتأثيراته على تشكل رؤاهم وأفكارهم، وكذا أبرز الأحداث التي ألقت بظلالها على الانتقالات الرئيسية في كتاباتهم، فانطلق الشاعر والناقد د.علي جعفر العلاق من وقائع الطفولة ودور الأم التي احتوته عقب رحيل الأب، وبدايات ولادة الشاعر فيه، ثم ولادة القصيدة والمجموعة الشعرية الأولى، ومعايشته لشعراء جيل الستينيات، ومغادرته العراق للعمل بالامارات.. إلخ، فيما ذهبت الروائية علوية صبح إلى السؤال: لماذا لم أستطع حتى الآن أن أكتب بمعزل عن الحرب اللبنانية التي تركت آثارها على كتابتي؟ لنتعرف على إضاءات مهمة في سيرتها وسيرة رواياتها.
أما الناقد د.محمد لطفي اليوسفي فتدرجت شهادته من الفتنة بالشعراء في المرحلة الإعدادية وحتى دخوله الجامعة مخفورًا بالمبدعين رفاق دربه ودخوله إلى عالم النقد قديمة وحديثة وبدء اشتغاله بالتجديد والمغايرة، وذهب د.حيدر إبراهيم علي إلى الحب والحرية كأعلى قيم في حياته، أما الشيخة مي بنت محمد آل خليفة الفائزة بجائزة سلطان العويس للإنجاز الثقافي والعلمي، فقد حمل بيان مجلس أمناء الجائزة، وكذا مقال عنها الكثير من تفاصيل دورها الثقافي الوطني في البحرين.
وهنا نقتطف من كل شهادة من هذه الشهادات التي حملها الكتاب الذي أصدرته مؤسسة العويس بعنوان "الفائزين بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية" ما يلقي الضوء على جانب من الجوانب الثرية المتنوعة التي تحملها شخصيات الفائزين.
الشيخة مي والاستثمار في الثقافة
الشيخة مي بنت محمد آل خليفة شخصية رائدة في المشهد الثقافي والفني العربي، حيث قادت الجهود الوطنية الرامية إلى تطوير البنية التحتية الثقافية في مملكة البحرين للحفاظ على التراث وتنمية السياحة المستدامة، تشغل حاليًا منصب رئيس هيئة البحرين للثقافة والآثار، وهي تعد الشخصية الأبرز في هذا المجال، إذ ترأست قبل منصبها الحالي حقيبتي وزارة الثقافة والإعلام ثم وزارة الثقافة. وانطلاقًا من كونها مؤسس مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث ورئيس مجلس أمنائه منذ عام 2002 تعمل الشيخة مي دون كلل لتعزيز الثقافة والحفاظ على التراث العمراني البحريني، وأطلقت في سبيل ذلك مبادرة الاستثمار في الثقافة، والتي ساهمت في بناء شراكة غير مسبوقة بين القطاعين العام والخاص من أجل الحفاظ على التراث، وجاء ضمن أبرز ثمارها إنشاء متحف موقع قلعة البحرين وتشييد مسرح البحرين الوطني الذي يعد من أهم عوامل جذب السياحة الثقافية للمملكة. جعلت بناء قدرات الشباب في مجالات التراث والتنمية الثقافية من أولوياتها الرئيسة، حيث أسست في هذا الإطار مبادرة "تاء الشباب"، وهي عبارة عن منتدى شبابي يحتضن المواهب البحرينية الناشئة ويعنى بنشر الحوار الثقافي فيما بينها، ومن بين أهم إنجازاتها العديدة إدراج ثلاثة مواقع تراثية بالمملكة على قائمة التراث الإنساني العالمي لليونسكو، وهي موقع قلعة البحرين، موقع طريق اللؤلؤ، موقع تلال مدافن دلمون، بالإضافة إلى إنشاء المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي، وهو مركز تابع لليونسكو من الفئة الثانية يسهر على التراث الطبيعي والثقافي لكل الدول العربية.
العلاق ورحلته الشعرية
ربما بدت مجموعتي الأولى "لا شيء يحدث .. لا أحد يجيء" 1973، وكأنها محاولة للتعامل بطريقة خاصة، مع اللغة، والصورة، والإيقاع، وكانت مغامرة بالنسبة لشاعر يصدر ديوانه الأول أن يظن، ومنذ البداية، أن باستطاعته أن يربك إيقاع الموج أو يترك بعض الخدوش على هذه الأعمدة الشعرية الثلاثة من أعمدة القصيدة المتعارف عليها، لذلك كانت اللغة شاغلي الأول في تلك المجموعة، حتى أنني كنت أبالغ أحيانًا في العناية بها، وتنقيتها من حسك الطريق وما يتساقط من ثياب المارة، ولأنني شديد النفور من الثرثرة الشعرية والتعبير المطول، حد التخمة، عن معنى ما، كنت أتمادى في العمل أحيانًا على أن يكون النص الذي أكتبه موجزًا وخاليًا إلى أقصى حد ممكن من النتوءات والاستطالات، والباروكات اللغوية الفائضة عن الحاجة، كنت كمن يسعى إلى قصيدة ملمومة، مكتفية بذاتها، تومئ أكثر مما تتحدث، وتحس أكثر مما تفهم، وكان المعنى لا يسلم من الأذى دائما نتيجة هذه النزعة إلى التضييق والإيجاز.
أما ولعي بالصورة، فكاد أن يصل حد الهوس، وحتى هذه اللحظة لا أجد مبتغاي في القصيدة التي تهرول إلى معناها مباشرة، دون جهد يضبب المعنى ويخفف من ملامحه الحادة. كنت أعتقد أن القصيدة لا تدل على نفسها إلا من خلال عناية فنية لا تكتم أنفاس النص، ولا تقوده إلى مصير قري يفرضه الشاعر. وظل هذا النزوع إلى التعبير بالصور يرافقني في معظم كتاباتي الشعرية اللاحقة، مع أنني كنت أسعى إلى جعله أكثر انضباطا قدر ما أستطيع.
ولم يكن ميلي إلى الإيقاع إلا جزءًا من توجه كنت أحاول ترسيخه في ما أكتب من نصوص، كنت أرى أن الإيقاع كان وسيظل، ولكن بدوافع جمالية ودلالية جديدة مكونًا شعريًّا مهما إذا أحسن الشاعر تمثل قيمته والكشف عن إمكانياته ولا أعني بالإيقاع هنا مديات البيت الشعري الموروث الجاهز أو المعد سلفًا فقط، بل ما في اللغة ذاتها من فيض كامن من الليونة والتموج والحوار بين المكونات. كنت أحاول في هذه المجموعة عرقلة بعض الأوزان الشعرية وتهدئة لهاثها المتسارع ولم أكن أبالي أحيانًا حتى بارتكاب بعض الوقفات الوزنية من أجل تحقيق هذا الغرض.
كنت، ومنذ بداياتي الأولى، مأخوذًا بالمجاز، وشديد النفور من التفاصيل. كنت أسعى إلى جملة شعرية لا تتجه إلى معناها في خط مستقيم، وإلى لغة مقتصدة، متخفية وكثيرة المفاجآت، وأحاول أن تكون قصيدتي ليلية إلى أقصى حد: لا مناطق قاحلة، ولا نهار يهتك السر، فالشعر كائن ليلي على الدوام: يوحي بالرهبة الجليلة وينمي الهاجس. إن الكثير من شعرنا هذه الأيام يغرق في باروكات لغوية فائضة عن الحاجة. أو نصوص شفافة، بالمعنى الهجائي الذي يذهب إليه تودوروف، حين تشف القصيدة عن هيكلها العظمي لافتقارها إلى الركيز وكثافة اللغة. ومع ذلك، فإنني لا أرى الجمال في معزل عن كرامة البشر، فللقصيدة كرامة لا تكتمل إلا بكرامة الناس الذين تخاطبهم وتلامس أحلامهم وأوجاعهم، لا بالصراخ والضجيج بل بالجمال والنبل اللذين يواجهان القبح والخراب والكذب.
علوية: عن أي مدينة أحكي؟
أسأل نفسي كثيرًا لماذا لم أستطع حتى الآن أن أكتب بمعزل عن الحرب اللبنانية التي تركت آثارها على كتابتي، رغم أنني أدرك تمامًا استحالة الكتابة بمعزل عن الذاكرة والحياة وتجربة الكاتب الذاتية والمجتمعية، فبعد المجموعة القصصية "نوم الأيام" التي عبرت فيها عن مناخات الحرب وأثرها في الذات وكوابيسها، وجدت نفسي بعد انتهاء الحرب أنساق إلى خارج الذات. تولدت لدي الحاجة إلى خلق عالم أوسع في الكتابة، انسقت خلالها لاستكشاف ذاتي وعالمي والتعبير عن خيبة جيلي في الحرب والحب والأحلام. وكل ذلك استدعاني إلى تقصي عوامل وتقنيات لم أردها جاهزة. وربما الصدمة بمدينة الحرب دفعتني إلى الفهم والاستكشاف. أكثر ما أقلقني قبل أن أبدأ بالكتابة هو السؤال: كيف أكتب عن، أو في أي مدينة لا تشبه المدن التي أنتجت سردًا ومتنًا، وتقنيات هي حصيلة تاريخية لمجتمعاتها وثقافتها؟ عن أي مدينة أحكي، وأنا التي عشت حروبها وتهجيراتها ومصائرها، ووجدت نفي أوائل العشرينيات من عمري في خضم حرب شوارع قذرة تكسر حلمي بمدينة علمانية رسمها لي وعيي الثقافي والإنساني؟ مدينة شهدت انهيار حلمها بالحداثة على مختلف المستويات حتى الثقافي منها، وانهيار حالة مدينية كانت مشعة قبل الحرب. والمدن تشبه ناسها، فذهبت إلى حكايا البطلات والأبطال لأكتشفها. وقادني ما هو ذاتي إلى مجتمعي وتاريخي. والحقيقة أنني وجدت نفسي أيضًا وأنا أروي عن الحرب القذرة ومصائر الأبطال التراجيدية فيها وخيبات النساء في التغيير وأحلام الحرية والحب، أذهب إلى حكايا البنات والأمهات والجدات، في لعبة مرايا بينهن لأستكشف وأعري المجتمع والشخصيات، وأجابه وأسخر وأنا أتوجع مما تكشفه لي الكتابة من عنف متجذر في المجتمع وخاصة ضد النساء. عنف كان أشبه بالصفعات لي. ذلك أنني لم أشعر يومًا أنني أكتب لأني أعرف بل لأستكشف وأفهم.
كتابتي في كل رواياتي تطلبت مني نزع الحجب والأقنعة واختراق المسكوت عنه في الحاضر والماضي وتجسيدها في المتخيل الروائي، كما تطلّب مني الذهاب إلى ما هو حقيقي ومتبئر، بحيث بدا لي ما هو تابو عاديًّا، علمًا بأن الجرأة لم تكن هاجسًا أو هدفًا يحرك العمل بقدر ما كانت حرية الكتابة وفنيتها، وأعتقد أن طريقتي في السرد والإخبار جعلتني أحاكي المشهد في حقيقته وصدقه، بمعزل عن أي رقابة ذاتية أو ردود فعل أو ادعاء جرأة.
اليوسفي والأرض المسحورة
كنت على يقين أن الشعراء الذين فتنت بهم وأنا في المرحلة الإعدادية لم يرحلوا عن الدنيا بل هم يقيمون في أرض متوارية عن الأنظار: امرؤ القيس وعنترة وقيس المفتون بليلى وعمر بن ربيعة وصويحباته وجميل ووضاح اليمن والمتنبي وغيرهم من الشعراء. احتموا بتلك الأرض المتخفية المسحورة، والطريق إليها لا تدرك إلا بالتوهم والخيال. لم أتمكن من أن أعطي الماضي فرصة كي يمضي؛ أو لم أرغب في ذلك. هذه الأرض المتوارية ستجتذب إليها كل الذين افتتنت بهم من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران والشابي ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وبودلير ورامبو وماياكوفسكي وت. س. إليوت وبابلو نيرودا والأخوين ماتشادو والغجري العظيم فردريكو غارسيا لوركا الذي قاد خطايا إلى كتابة الشعر.
ليال طوال كنت لا يغمض لي جفن فيها وأنا أراود الشعر، لم أكن أملك المال الكافي لشراء دواوين نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم، فكان أن تحولت وراقًا كل يوم، حال انتهاء الدروس، كنت أسير في أزقة أكلت الرطوبة والزمن كلس جدرانها، وأقصد المكتبة العامة لأستعير المجموعات الشعرية وأستنسخها، كان البرد والصقيع والضباب يلف مدينة باجة، كنت على يقين من أنني سأصبح شاعرًا والطريق إلى الشعر كربة ووعرة. لكنني لم أصبح شاعرًا.
تلفت إلى الرواية بعد ذلك وكان نجيب محفوظ طريقًا ودليلًا غير أنني خذلته عندما اكتشفت أن العالم أرحب، وقعت في دائرة السحر مختارًا فوجدتني مأخوذًا بكتابات دستويفسكي وتولستوي وليرمونتوف، وكانت ترجمات سامي الدروبي هي الدليل والطريق المؤدية، ثم تتالت الأسماء والتجارب: هنري باربوس، نيكوس كزانتزاكيس، جون بول سارتر، ألبير كامو، إرنست همنغواي، وليام فوكنر، شتاينباك، هنري ميلر. وكان أن جاءت الفتنة عارمة عاتية مدوخة من أميركا اللاتينية: غارسيا ماركيز، كارلوس فوانتيس، جورج أمادو وغيرهم.
ازداد يقيني أن هؤلاء المبدعين لم يرحلوا عن الدنيا بل عبروا إلى الجهة الأخرى واختاروا الإقامة في تلك الأرض المتوارية التي لا تدرك إلا بالتوهم والخيال.
حيدر إبراهيم والحظ
من أصعب الأمور على نفس الإنسان الطبيعي أن يتحدث عن ذاته وتجاربه خشية الوقوع في نرجسية ما. حاولت في إيجاد العبرة ووعي الحياة دون اختلال من خلال سرد التجارب الشخصية أو بعض من السيرة الذاتية، وبعد أكثر من سبعين عامًا يمكنني أن أقول إنني عشت تجربة شخص سعيد ومحظوظ وحقق ما تمناه في هذه الحياة، واستفاد من هذه المنحة والنعمة بطريقة إيجابية ومثمرة: خبرة السعادة سببها حب الناس، وتبادل المحبة مع كل من عرفت، لأن الكراهية والحقد شعور ثقيل على القلب والروح لا أستطيع حمله والتجول في دروب الحياة والزمن، والحب يجعل الحركة في الدنيا أكثر حرية ولطفًا. ومن هنا كانت رؤيتي للكون والطبيعة والإنسان قائمة على مبدأين: الحب والحرية هما أعلى القيم في حياتي، ولا أعرف المساومة والتنازل فيهما، وتوجب عليّ في هذا الموقف أن أكون صادقًا وملتزمًا على الدوام. لكي أكون سعيدًا كان عليّ أن أقارب لدرجة الدمج بين داخلي وخارجي، وأن أردم باستمرار بين الداخل والخارج،وهذا يعني ممارسة ما أقوله وما أفكر فيه، أي أعبر دون مواربة عما أفكر فيه ثم أحول ما أفكر فيه إلى أفعال وحياة يومية. هذا خيار شديد الصعوبة، ولكن هذا مضمون أن الحياة كفاح وكد وأنها تؤخذ غلابًا. حاولت تطبيق وصية: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا". وأصبحت الحياة بالنسبة لي في كثير من الأحيان لحظة حاضرة يجب التمتع بها واستثمارها في كل ما يفيد المرء والناس، لذلك أعجبني القول ورددته كثيرًا " ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها". ومن هنا كان حرصي على الوقت وتنظيمه، وصارت علاقتي قوية بالزمان وضعيفة بالمكان. وهذا سر كوني عشت حياتي متنقلًا مهاجرًا أو منفيًّا، ولا أملك مسكنًا خاصًّا لا في وطني ولا في وطني ولا في البلدان والمدن التي تنقلت فيها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.