الخارجية تتابع سير عملية تصويت المصريين بالخارج فى الاستفتاء    جامعة الأزهر: لا إجازات أيام الاستفتاء    إقامة تمثال للرئيس السيسى في متحف الشمع بصربيا    المسمارى يكشف أسرار التنظيمات الإرهابية التى يواجها الجيش الوطني الليبي    «بومبيو» يتوعد روسيا ب«إجراءات شديدة»    السودان.. إعفاء وكيل وزارة الإعلام عقب ساعات من تكليفه    إصابة 48 فلسطينيا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي شرق قطاع غزة    الكرملين: رئيس أوكرانيا المقبل يحتاج لبناء الثقة مع روسيا    «الخطيب» يجتمع بالجهاز الفني للأهلي واللاعبين.. السبت    الاتحاد السكندري يتعادل سلبيًا مع المقاصة    تنفيذ أحكام قضائية وفحص مسجلين في حملة أمنية بمطروح    النيابة تباشر التحقيق مع متهمين بحيازة أستروكس بمحيط قسم شرطة السلام    مصر تنافس 5 دول على جائزة البوكر للرواية 2019.. اعرف موعد إعلان الفائز.. صور    أسعار قطع غيار السيارات المستعملة اليوم 19 أبريل    وزير التنمية المحلية يدلي بصوته في مصر الجديدة    المصريون في ألمانيا يدلون بأصواتهم في استفتاء تعديل الدستور من فرانكفورت    تعرف على الروبوت البطل الذي أنقذ كاتدرائية نوتردام من الانهيار    ضبط مخالفات مرورية و39 حالة تأثير المواد المخدرة    فيديو| الداخلية تكثف استعداداتها لتأمين الاستفتاء على التعديلات الدستورية    رئيس المركز العربي للدراسات السياسية: إعادة هيكلة الجامعة العربية أمر حتمي    وزيرة الثقافة ل"بوابة الأهرام": الاحتفال باليوم العالمي للتراث بالأقصر يساهم في تنشيط السياحة    طلاب جامعة الزقازيق يتألقون فى مسابقة "إبداع" ويحصدون 4 مراكز    تعرف على تفاصيل برنامج رامز جلال الجديد .. وحلا شيحة أبرز الضحايا    وزير الأوقاف: حماية الأوطان والمحافظة عليها من عمق الدين    «صناع الخير» تقدم خدمات طبية مجانية ل١٠٠٠ مواطن بالإسماعيلية والأقصر    وزير الزراعة يستعرض جهود مصر في تحسين إنتاجية الرز    محمود عطية: المشاركة الإيجابية في الاستفتاء تعكس صلابة الدولة    النيابة الإدارية: نشكر القوات المسلحة والشرطة لتسهيل مهام القضاء.. فيديو    أقباط مصر يختتمون قداسات صوم ال55 بجمعة ختام الصوم وصلاة القنديل العام    وزير الاتصالات يبحث مع مسؤول هندي تعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني    القوات المسلحة تنظم زيارة لعدد من طلبة الكليات العسكرية والمعهد الفنى لمستشفى 57357    محمد عماد يوضح توقيت اللجوء لشفط دهون الذقن    الأهلي يوقع غرامة على الحارس محمد الشناوي    تكريم خبير التجميل بسام عشوب في مهرجان ايفنتي غداً    سبب اعتداء "أحمد فتحي" على مدير نادي بيراميدز    أسرار جلسة رئيس الزمالك مع «آل الشيخ» في الإمارات    صلاح عبدالله "غريب الأطوار" بشقة فيصل في رمضان    خطيب الحرم المكي يحذر من فعل شائع يخرج كثيرين من الدين    الإفراج عن 404 سجناء بموجب عفو رئاسى    إصابة 37 شخصا إثر انقلاب أتوبيس بطريق الكريمات    الأرصاد: سقوط أمطار على هذه المناطق غدًا    خطيب الجامع الأزهر: تحويل القبلة أفضل تكريم للأمة الإسلامية    توفير 104 سيارات إسعاف في 64 تمركزًا بالقليوبية    "التخطيط" تبحث التعاون مع سيريلانكا في الإصلاح الإداري | صور    سحر نصر: صندوق تحيا مصر حريص على دعم مشروعات الشباب وتشجيع ريادة الأعمال    مفتي الجمهورية يهنئ الرئيس السيسي والشعوب العربية والإسلامية بمناسبة ذكرى "ليلة النصف من شعبان"    مقتل صحفية إثر تبادل لإطلاق النار في لندنديري بأيرلندا الشمالية    الإصابات تضرب صفوف السنغال قبل المشاركة فى أمم أفريقيا    وزير البترول يلتقي نائب رئيس "ميثانكس" العالمية لبحث التعاون المشترك    سفير مصر بموريتانيا: عمليات التصويت على الاستفتاء تجري بشكل منتظم    شعائر صلاة الجمعة من مسجد الحامدية الشاذلية.. فيديو    «التعليم العالي»: اليونسكو تطلق مبادرة «اكتب للسلام»    ضبط 4 آلاف مخالفة مرورية خلال 24 ساعة بالجيزة    دراسة: 42% من مرضى الربو لا يستخدمون جهاز الاستنشاق بشكل صحيح    محافظ القاهرة وقيادات المحافظة يشاركون فى ماراثون المشي    أسرع طريقة لعمل الكوسة بالبشاميل في البيت    ناكر الجميل    فيديو| طارق يحيى: محمد صلاح البديل الأفضل لرونالدو في ريال مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدكتور مصطفى يوسف اللداوي يكتب عن :تطرفُ أستراليا وخيالةُ نيوزلندا عنصريةٌ قديمةٌ وإرهابٌ معاصرٌ
نشر في الزمان المصري يوم 19 - 03 - 2019

جريمة مسجد النور في نيوزلندا ليست جريمةً سهلة ولا بسيطة، ولا يمكن السكوت عليها أو الصمت إزاءها، فهي أم الكبائر وقمة الجرائم، جاهر مرتكبها بفعلته، وفاخر بها وفرح لنتيجتها، واستمع إلى الموسيقى وهو ينفذها، وصورها بنفسه ونشرها على الهواء مباشرةً، فقد لاحق المصلين في محرابهم، وقتلهم في صفوفهم، وأجهز على الجرحى في أماكنهم، وطارد الفارين بأنفسهم، وأطلق النار من جديدٍ على من قتل منهم.
وهي لم تودِ بحياة عشرات المسلمين الآمنين من الرجال والنساء والأطفال وحسب، بل أسست هذه الجريمة لمزيدٍ من أفكار العنف والكراهية، ومفاهيم العنصرية والعدوانية، التي يمارسها اليمينيون المسيحيون المتطرفون ضد المسلمين، أياً كانت هويتهم وجنسيتهم، وسواء كانوا من المهاجرين الجدد أو كانوا من سكان البلاد الأصليين، أو من أبناء الأجيال الثالثة والرابعة وما فوق، فكلهم لدى دعاة التطرف ودهاقنة العنصرية سواء، مسلمون ينبغي طردهم أو قتلهم، ويجب تطهير البلاد منهم وعدم السماح لهم بالبقاء فيها، علماً أن جُلَّ الضحايا فلسطينيون.
هذه الجريمة البشعة تسلط الضوء على أستراليا ونيوزلندا معاً، وكلتاهما مدانة ومتورطة فكراً وسياسة في الماضي والحاضر، حيث أن مرتكب الجريمة أسترالي الجنسية، وهذه الدولة التي يسكنها الكثير من المسلمين ممن يحملون جنسيتها، وترحب ببعض المهاجرين إليها من ضحايا الحروب الأهلية وأحداث العنف في بلادهم، لا تستطيع أن تخفي وجود الكثير من الأحقاد الأسترالية المدفونة، ولا تلغي وجود مفاهيم عنصرية بغيضة ضد العرب والمسلمين، ولا ننس أبداً أن الحكومة الأسترالية حاولت في الفترة القليلة الماضية أن تتبع سياسة الرئيس الأمريكي ترامب، وتعترف بالقدس عاصمةً للكيان الصهيوني، وكانت تنوي نقل سفارة بلادها إلى مدينة القدس أسوةً بالإدارة الأمريكية، لولا الضغوط التي تعرضت لها من عواصم إسلامية آسيوية لثنيها عن قرارها، وإجبارها على التراجع عن تهديداتها.
جريمة المسجدين في نيوزلندا تنعش ذاكرتنا وتستنهض ماضينا، وتبعث الحياة في التاريخ من جديد، وتذكرنا بما كان بالأمس وما وقع فيه من أحداثٍ اضرت بنا وأساءت إلينا، حيث لا ننس أن دينيس مايكل روهان الذي حرق المسجد الأقصى المبارك في 21 أغسطس عام 1969 إنما هو مسيحي أسترالي متطرف، استوطن فلسطين وحمل معه إليها أفكاراً عدوانية ومفاهيم عنصرية، ترجمها فعلاً بحريقٍ ضخمٍ أضرمه في المسجد الأقصى، فحرق المسجد القبلي، وألحق أضراراً جسيمة بمنبر صلاح الدين الأيوبي، وكان عمره يوم أن نفذ جريمته 28 عاماً، وهو نفس عمر مواطنه الأسترالي الذي ارتكب جريمة المسجدين في نيوزلندا، ورغم جريمته النكراء ضد الإسلام والمسلمين فقد أعيد إلى أستراليا ليواصل حياته الطبيعية فيها.
وهي الجريمة التي مهدت بعد ذلك لليهودي الأسترالي هاري غولدمان، الذي أطلق النار على مصلى وقبة الصخرة، في أبريل من العام 1982 فقتل اثنين من المصلين وأصاب ستين آخرين بجراحٍ، وما زالت طلقات بندقيته بادية على قبة الصخرة المشرفة، دليلاً على جريمته، وشاهداً على فعلته.
مجزرة المسجدين التي تمت في نيوزلاندا على يدي الأسترالي برينتون تارانت، تذكرنا بالجريمة النكراء التي ارتكبها الجنود الخيالة الأستراليون والنيزلانديون في أكتوبر عام 1917 في مدينة بئر السبع الفلسطينية ضد قوات الإمبراطورية العثمانية، حيث احتلوا المدينة وضواحيها الصحراوية، فمهدوا الطريق لبريطانيا بعد ذلك لإصدار وعد بلفور لصالح اليهود، وقد ذَكَّرَ المجرم في رسالته بهذه المعركة وغيرها، وما زال العديد من مواطني أستراليا ونيوزلاندا يحرصون على زيارة مدينة بئر السبع في أكتوبر من كل عام، وهم يلبسون أزياء الخيالة، ليحيوا ذكرى انتصار أجدادهم على دولة الإسلام في ذلك الحين، وانتزاع فلسطين منها ومنحها لليهود دولةً ووطناً.
مرتكب جريمة مسجد النور بنيوزلندا ليس شخصاً غراً جاهلاً غير مثقفٍ، بل هو واعٍ ومثقف، يقرأ ويحفظ ويستذكر ويراجع ويربط الأحداث ببعضها، إذ أنه عندما عزم على ارتكاب جريمته جهز رسالةً طويلة، ضمنها اعترافه بعمليته ومسؤوليته عنها، وفيها استرشد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأشاد بسياسته، كما ذكَّرَ بأمجاد أمته الأوروبية وانتصاراتها على تركيا التي كانت هي عاصمة دولة الخلافة الإسلامية، وسجل على البنادق الآلية التي استخدمها، وعلى مخازن الطلقات بعض العبارات التي تدعو للانتقام من المسلمين، على خلفية معارك وانتصاراتٍ أوروبية قديمة على دولة الخلافة العثمانية.
القاتل ليس مريضاً أو مختل العقل، بل أكد بنفسه ونقل عنه معارفه أنه يحمل أفكاراً متطرفة، وأنه يعادي المهاجرين ويكره المسلمين، ويتطلع للانتقام منهم، وقد اختار مسجد النور بقصدٍ وعنايةٍ، إذ رأى أنه مسجدٌ كبير، ويرتاده عددٌ كبير من المسلمين، حيث كان يخطط لقتل أكبر عددٍ منهم، كونهم كما يعتقد غزاة ومحتلين وأعدادهم تزداد بصورةٍ كبيرة وسريعة، وقد وفدوا إلى بلاده لتغيير عادتها ودينها، والتأثير على سكانها واستفزاز أهلها، ولهذا فقد اختار هذا المسجد بالذات لتكون المجزرة أكبر والضحايا أكثر، وصدى العملية أوسع، وآثارها النفسية والمادية أشمل.
إننا في الوقت الذي نستنكر هذه الجريمة النكراء، ونعتبرها جزءً من مسلسل العنف والتطرف الأمريكي والصهيوني، فإننا نطالب المجتمع الدولي أن يكون له منها موقفٌ واضح، يدينها ويستنكرها ويشير بأصابع الاتهام إلى مرتكبيها، فلا يحابيهم ولا يميزهم، ولا يتستر عليهم ولا يقلل من حجم جريمتهم، ولن نقبل من المجتمع الدولي معايير مختلفة ومفاهيم مزدوجة، يدينون بها المسلمين ويتهمون الإسلام في حال كان المجرم مسلماً، بينما يغضون الطرف ويخفضون الصوت إذا كان الفاعل هو أحد مواطنيهم، والمسلمون هم الضحية، والقتلى من المهاجرين القدامى أو من اللاجئين الجدد على السواء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.