بعد اعتراف الرئيس الأمريكي أنه لا يملك استراتيجية واضحة للقضاء على تنظيم داعش، خرج علينا مرة أخرى بنبرة حاول من خلالها استعادة ثقة الإدارة والشعب الأمريكي، وأعلن عن استراتيجيته من أربع نقاط: القضاء على التنظيم وتجفيف منابع الإرهاب، وتحسين عمل الاستخبارات وتعزيز الدفاعات، وتقديم الدعم العسكري للجيش العراقي وقوات البشمركة والفصائل المعتدلة في الجيش السوري الحر، وتقديم الإعانات الإغاثية للمهجرين والفارين من الأعمال الإرهابية. فهل حقاً تدرك الإدارة الأمريكية وخصوصاً الرئيس الأمريكي أوباما، إلى أين يمكن أن يؤدي هذا التحالف الدولي، وما الاستراتيجية التي سوف يتبعها، وما الأهداف الآنية التي يجب على التحالف تحقيقها خلال الفترة القريبة المقبلة، وكذلك ما أهداف التحالف الاستراتيجية غير المعلنة، ومن يموّل العمليات العسكرية، والأهم من هذا كله من القوى التي ستواجه مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراقوسوريا على الأرض، وكم سوف تستمر هذه المواجهات، وهل هناك من خشية حقيقية في أن تؤدي هذه المواجهة بين مقاتلي تنظيم الدولة وقوات التحالف إلى تداعيات دراماتيكية في عموم المنطقة لا تبقي ولا تذر، وأن تتحول الحرب ضد تنظيم الدولة إلى نسخة حديثة من حرب داحس والغبراء، ولكن بمدرعات وطائرات وصواريخ بدلاً من السيوف والرماح. فما سبب كل هذه الضجة وكل هذا الوعيد الذي تطلقه دول عظمى تهدد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي مهما بلغ من قوة وبطش، ومهما استولى على أسلحة حديثة، ومهما عُرف عن مقاتليه بأسهم الشديد، إلا أنه في نهاية الأمر لا يتعدى كونه قوة تظل محدودة التأثير أمام قوى دولية وجيوش وتحالف يضم أقوى الجيوش على الصعيد العالمي. كي نفهم أسباب هذا الضجيج، علينا أن ندرك العقلية الأمريكية في إدارة صراعاتها وحروبها الخارجية، فكلنا نذكر حين قرر الرئيس الأمريكي السابق سيئ الصيت، جورج بوش الابن أن يقوم باجتياح العراق من أجل القضاء على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي بدأت شوكته في التصلب بعد نهاية حربه مع إيران، مما يعني تفرغه لتصفية حساباته مع دول الخليج حلفاء الولاياتالمتحدة، وما يحمل معه هذا المستجد من تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة، حينئذ، كان لابد للماكينة الإعلامية الأمريكية من أن تقوم بشيطنة صدام حسين، وإظهاره كذئب على وشك أن يبتلع الحملان، وإظهار خطر العراق على جيرانه والمنطقة، هذه الحملة التمهيدية ضد العراق ورئيسه تصاعدت نبرتها إلى أن انشغلت أجهزة المخابرات الأمريكية، وشغلت معها مخابرات العالم للبحث عن أماكن تصنيع وتخزين أسلحة الدمار الشامل التي روجت الإدارة الأمريكية ورئيسها أن العراق ينتجها ويقوم بتخزينها، وأن صدام يريد حرق الإقليم، وأن مخاطر هذه الأسلحة تهدد حلفاء الولاياتالمتحدة، بل تهدد الولاياتالمتحدة نفسها، لذلك عمدت الإدارة الأمريكية على ترويج هذه الأكاذيب في وسائل الإعلام، وتضخيم وتهويل قوة صدام والجيش العراقي، حتى تتمكن من حشد أوسع تحالف عسكري دولي ضد العراق، ولكي تبرر بشاعة الحرب التي خاضتها ضد العراق، وتبرر سقوط الآلاف من الضحايا، وتُشرعن لاستخدام قوة عسكرية مفرطة في قدرتها التدميرية القاتلة، لأن العدو هنا المفترض أنه العراق وصدام يمتلك أسلحة تدمير استراتيجية شاملة ، ليتضح فيما بعد كما نعلم زيف هذه الادعاءات وكذبها. هذه العقلية تفسر هذا السباق الغربي المحموم خاصة الأمريكي لتضخيم الأخطار المتولدة من وجود تنظيم الدولة، ونحن هنا لا نقلل من حجم هذه المخاطر، لكننا نحاول إلقاء ضوء على خلفية المشهد، فقد أصبح من المؤكد أن التحالف لن يشارك في العمليات العسكرية بقوات برية، على الرغم من إعلان الولاياتالمتحدة عن نيتها إرسال بضع مئات من المستشارين والمحللين العسكريين لتقديم المشورة ومساعدة القوات العراقية إضافة إلى بضع مئات كانت أمريكا أرسلتهم سابقاً بتسميات مختلفة, في وقت لم يترشح شيء من معلومات حول الأدوار المفترضة للقوات العسكرية السعودية والأردنية في المواجهة المحتملة، إذ إننا نرجح مشاركة قوات سعودية أو خليجية في المعارك حتى لو تمت هذه المشاركة تحت علم الجيش العراقي، أما فيما يتعلق بالأردن، الذي يحاول أن ينأى بنفسه ولا يريد أن يحارب نيابة عن الآخرين، فإننا نعتقد أنه سيكتفي في نشر مزيد من القوات بهدف تشديد حدوده مع العراق لمنع تسرب اي مجموعات مقاتلة من قوات تنظيم الدولة بعد اشتداد المواجهة، إذ من المتوقع حينها أن يلجأ التنظيم إلى تكتيكات متعددة لامتصاص الضربات الغربية ضد قواته، ومنها محاولته إجراء انسحابات مؤقتة داخل بعض الأماكن على الحدود العراقية - الأردنية، ونظن أن الأردن سوف يكتفي بالمهمة التي أوكلها له الغرب في استضافة معسكرات تدريبية لقوات من الجيش السوري الحر يجري تدريبها وتأهيلها في هذه الفترة على الأراضي الأردنية استعداداً لمرحلة ما بعد الأسد. لكن دعونا نضع سيناريو أولياً لما سوف يحصل في كلا البلدين سورياوالعراق، لنبدأ أولاً بالمشهد العراقي، فنحن نظن أن هزيمة مقاتلي تنظيم الدولة لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة، فسوف يحاول التنظيم استغلال جميع أوراقه بشكل جيد في إدارة معركته ضد قوات الجيش العراقي من جهة، وقوات البشمركة الكردية من جهة أخرى، ومن أهم هذه الأوراق الحاضنة السنية، التي لا يخفى تضامنها مع التنظيم كرد فعل دفاعي على سياسات التهميش الطائفية التي مارسها ضدهم المالكي، وسوف يعتمد بظني على سياسة القبضة المنفرجة، ومعناها أن تتحصن قوات التنظيم في ملاجئ منيعة في فترة استخدام التحالف الدولي لسلاح الطيران في قصف مواقع التنظيم، ومن ثم الخروج الى مواقع أخرى لمنع تقدم القوات العراقية والكردية بعد انتهاء القصف، وهناك احتمال أن يستعمل التنظيم بعض أنواع الأسلحة الثقيلة التي سبق أن حصل عليها من مستودعات الجيش العراقي أثناء تقدمه في العمق العراقي، ويُعتقد أن من بين هذه الأسلحة صواريخ متوسطة المدى، إضافة إلى تلك الأسلحة التي غنمها التنظيم من مستودعات الجيش السوري، وكذلك الأسلحة التي صادرها من مقاتلي الجيش الحر ،لكن الخبراء العسكريين يخشون من وجود أسلحة مضادة للطائرات تحمل على الكتف في حوزة التنظيم، كما سوف يستفيد التنظيم من انتشاره في مساحات واسعة على الأراضي العراقية والسورية، الأمر الذي سوف يوفر له إمكانيات واسعة للمناورة، ويجعله هدفاً صعباً لطائرات التحالف، الأمر الذي يجعل هذه المواجهة معه حرباً مفتوحة قد ينجح في استجرار دول المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة باعتماده أسلوب حرب العصابات، وتحويل العراق إلى مستنقع من الوحل، لكن الإدارة الأمريكية أصرت على أن يتم التوافق العراقي الداخلي بين مختلف القوى السياسية والتكتلات، لتشكيل الحكومة الجديدة قبل بدء أي عمل عسكري، بل قد وجهت رئيس الوزراء المكلف خلفاً للمالكي أن يدلي بتصريحات علنية يطلب فيها من المجتمع الدولي مساعدة العراق لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. من جهة أخرى لا نعلم حقيقة - على وجه الدقة - الخطط التي وضعها التنظيم وقيادته العسكرية لمواجهة الحرب ضده، لكن من المؤكد أنه إن لم يخرج من عقلية الاعتماد فقط على مفاعيل الإيمان لدى مقاتليه، واستعدادهم العالي للشهادة في سبيل قناعاتهم، التي يعتبرونها ذوداً عن الإسلام والمسلمين، واستجابة لتعاليم الفقه الشرعي في إقامة دولة الخلافة الإسلامية، إن ظلوا يعتقدون أن هذا سبب قوي يكفي لمواجهة دول تمتلك أسلحة متطورة.