العقلية الأمريكية في إدارة صراعاتها وحروبها الخارجية لا تتغير، فكلنا نذكر حين قرر الرئيس الأمريكي السابق سيئ الصيت، جورج بوش الابن أن يقوم باجتياح العراق من أجل القضاء على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي بدأت شوكته في التصلب بعد نهاية حربه مع إيران، مما يعني تفرغه لتصفية حساباته مع دول الخليج حلفاء الولاياتالمتحدة، وما يحمل معه هذا المستجد من تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة، حينئذ، كان لابد للماكينة الإعلامية الأمريكية من أن تقوم بشيطنة صدام حسين، وإظهاره كذئب على وشك أن يبتلع الحملان، وإظهار خطر العراق على جيرانه والمنطقة، هذه الحملة التمهيدية ضد العراق ورئيسه تصاعدت نبرتها إلى أن انشغلت أجهزة المخابرات الأمريكية، وشغلت معها مخابرات العالم للبحث عن أماكن تصنيع وتخزين أسلحة الدمار الشامل التي روجت الإدارة الأمريكية ورئيسها أن العراق ينتجها ويقوم بتخزينها، وأن صدام يريد حرق الإقليم، وأن مخاطر هذه الأسلحة تهدد حلفاء الولاياتالمتحدة، بل تهدد الولاياتالمتحدة نفسها، لذلك عمدت الإدارة الأمريكية إلى ترويج هذه الأكاذيب في وسائل الإعلام، وتضخيم وتهويل قوة صدام والجيش العراقي، حتى تتمكن من حشد أوسع تحالف عسكري دولي ضد العراق، ولكي تبرر بشاعة الحرب التي خاضتها ضد العراق، وتبرر سقوط الآلاف من الضحايا، وتُشرعن لاستخدام قوة عسكرية مفرطة في قدرتها التدميرية القاتلة، لأن العدو هنا المفترض أنه العراق وصدام يمتلك أسلحة تدمير استراتيجية شاملة، ليتضح فيما بعد كما نعلم زيف هذه الادعاءات وكذبها. هذه العقلية تفسر هذا السباق الغربي المحموم خاصة الأمريكي لتضخيم الأخطار المتولدة من وجود تنظيم الدولة، ونحن هنا لا نقلل من حجم هذه المخاطر، لكننا نحاول إلقاء ضوء على خلفية المشهد، فقد أصبح من المؤكد أن التحالف لن يشارك في العمليات العسكرية بقوات برية، على الرغم من إعلان الولاياتالمتحدة عن نيتها إرسال بضع مئات من المستشارين والمحللين العسكريين لتقديم المشورة ومساعدة القوات العراقية إضافة إلى بضع مئات كانت أمريكا أرسلتها سابقاً بتسميات مختلفة. والسيناريو الأقرب للتحقق هو أن هزيمة مقاتلي تنظيم الدولة لن يكون سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً، فسوف يحاول التنظيم استغلال جميع أوراقه بشكل جيد في إدارة معركته ضد قوات الجيش العراقي من جهة، وقوات البشمركة الكردية من جهة أخرى، ومن أهم هذه الأوراق الحاضنة السنية، التي لا يخفى تضامنها مع التنظيم كرد فعل دفاعي على سياسات التهميش الطائفية التي مارسها ضدهم المالكي، وسوف يعتمد بظني على سياسة القبضة المنفرجة، ومعناها أن تتحصن قوات التنظيم في ملاجئ منيعة في فترة استخدام التحالف الدولي لسلاح الطيران في قصف مواقع التنظيم، ومن ثم الخروج الى مواقع أخرى لمنع تقدم القوات العراقية والكردية بعد انتهاء القصف، وهناك احتمال أن يستعمل التنظيم بعض أنواع الأسلحة الثقيلة التي سبق أن حصل عليها من مستودعات الجيش العراقي أثناء نقدمه في العمق العراقي ، ويُعتقد أن من بين هذه الأسلحة صواريخ متوسطة المدى، إضافة إلى تلك الأسلحة التي غنمها التنظيم من مستودعات الجيش السوري، وكذلك الأسلحة التي صادرها من مقاتلي الجيش الحر، لكن الخبراء العسكريين يخشون من وجود أسلحة مضادة للطائرات تحمل على الكتف في حوزة التنظيم، كما سوف يستفيد التنظيم من انتشاره في مساحات واسعة على الأراضي العراقية والسورية، الأمر الذي سوف يوفر له إمكانيات واسعة للمناورة، ويجعله هدفاً صعباً لطائرات التحالف، الأمر الذي يجعل هذه المواجهة معه حرباً مفتوحة قد ينجح في استجرار دول المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة باعتماده أسلوب حرب العصابات، وتحويل العراق إلى مستنقع من الوحل، لكن الإدارة الأمريكية أصرت على أن يتم التوافق العراقي الداخلي بين مختلف القوى السياسية والتكتلات، لتشكيل الحكومة الجديدة قبل بدء أي عمل عسكري، بل قد وجهت رئيس الوزراء المكلف خلفاً للمالكي أن يدلي بتصريحات علنية يطلب فيها من المجتمع الدولي مساعدة العراق لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. من جهة أخرى لا نعلم حقيقة على وجه الدقة ما هي الخطط التي وضعها التنظيم وقيادته العسكرية لمواجهة الحرب ضده، لكن من المؤكد أنه إن لم يخرج من عقلية الاعتماد فقط على مفاعيل الإيمان لدى مقاتليه، واستعدادهم العالي للشهادة في سبيل قناعاتهم، التي يعتبرونها ذوداً عن الإسلام والمسلمين، واستجابة لتعاليم الفقه الشرعي في إقامة دولة الخلافة الإسلامية، إن ظلوا يعتقدون أن هذا سبباً قوياً يكفي لمواجهة دول تمتلك أسلحة متطورة، فإنني أعتقد أننا سنكون أمام مشهد دراماتيكي آخر.