هل رسم الغرب أمام عيني تصورات وهمية، لا تستند إلى رؤية واقعية مستقبلية، بحيث أصبح يعانى اليوم تبعاتها؟ فمنذ نهاية الحرب الباردة عام 1989، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1991، بدا كأن الغرب - أوروبا وأمريكا - قد تيقن من أن النظام العالمي قد صار ميراثاً للغرب وحده. وبناء على هذه الرؤية بدأت تتأسس على أيدي ساسة ومفكرين، تصورات عن بداية عصر، يصنعون هم قواعد عمله. إلى أن توالى ظهور شواهد تدل على تهاوي هذا المنطق، من التفكير والتخطيط، وأن عصراً له سمات مغايرة، يتشكل الآن، وأنه سيكون مثلاً يحتذى لبقية الدول والشعوب، بعد أن كان الغرب هو المثل ومركز الإلهام. هذا الموضوع تعرض له مفكرون كثيرون في الغرب، من بينهم مارك ليونارد مدير المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية، وإيفان كراستيف، رئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، وعضو معهد العلوم الإنسانية في فيينا، في دراسة بعنوان «تفتيت حلم أوروبا في نظام عالمي»، نشر في مطبوعة «سيرفايفل» التي يصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية في لندن. وقالا: إن الغرب سعى لتغيير الحدود بين الدول، وتشجيع التدفق الحر لرأس المال، والسلع، والناس، والأفكار. واعتبر أن الحدود السياسية قد سقطت، وحلت محلها الثمار الاقتصادية. وتصور الدبلوماسيون في بروكسل - مقر الاتحاد الأوربي - أن التداخل بين اقتصادات الدول، والتدخل من جانب دولة في الشؤون الداخلية لغيرها، يعد المصدر الأساسي لأمن دولهم. وبالتالي سوف ينتشر نموذج دولهم تلقائياً، سواء من خلال توسيع حلف الأطلسي، أو تمدد روابط أووربا إلى دول في مجال حركة الاتحاد الأوروبي، أو صعود المؤسسات العالمية التي تروج للنموذج الأوروبي، مثل المحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة التجارة العالمية. لكن حدث ما لم يتوقعه الغرب. فقد كسرت روسيا هذه التوقعات في العام الماضي، عندما ضمت القرم إليها. وظهر بوضوح تصميم روسيا على المحافظة على نفوذ مكانتها التي كانت تتمتع بها في فترة وجود الاتحاد السوفييتي، ما وضع أوروبا في ورطة، شعرت عندها بعدم قدرتها على تحجيم موسكو، ومسيرتها لتغيير الوضع الذي أراد الغرب أن يفرضه عليها. صحيح أن أوروبا والولاياتالمتحدة، لجأت إلى فرض عقوبات على روسيا، رداً على ضمها للقرم، لكن هذه الإجراءات لم تكن لها سوى تأثيرات ضئيلة، ولم تنجح في دفع روسيا للتراجع. وبدا أن الصحوة الروسية المفاجئة، قد أيقظت أوروبا من أحلام، كانت استغرقت فيها، إلى حد أنها أقامت استراتيجيات جديدة على أساسها. وبالرغم مما ظهر من البداية، من أن أزمة أوكرانيا، قربت بين أوروبا والولاياتالمتحدة، إلا أن انقسامات عميقة بينهما بدأت تظهر أثناء محاولة الجانبين التوصل إلى رد متفق عليه تجاه روسيا. وكانت هذه الانقسامات، نتيجة عدم الاتفاق على ضمانات أمريكية لأمن أوروبا. وتأكد ذلك أثناء انعقاد مؤتمر الأمن في ميونيخ عام 2015، عندما شكا مسؤول ألماني كبير، من أن الولاياتالمتحدة، لم يعد يعتمد عليها، وقال نحن لا نعرف إلى أين سيتجه موقف أمريكا من المسألة الروسية. فهي قد تصعد الآن من العقوبات على روسيا، وتسليح أوكرانيا، إلا أنها يمكن خلال سنوات قليلة، أن تسعى نحو استعادة دفء العلاقات والتعاون مع روسيا، خاصة تجاه عدد من المشكلات العالمية، من بينها مثلاً مواجهة الإرهاب وتنظيم «داعش». إلى جانب ذلك، يشعر الأوروبيون بأن أمنهم لم يعد يحتل مكانة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية، بعكس ما كان عليه الحال في سنوات الحرب الباردة. وفي المقابل يوجد شعور مماثل لدى الأمريكيين، وهو ما أظهره استطلاع لمعهد غالوب في عام 2014، وأكد وجود شكوك لدى الولاياتالمتحدة، تجاه السياسات الأوروبية. هذه الشواهد تعكس انقساماً فلسفياً عميقاً، في الغرب بجانبيه الأمريكي والأوروبي، حول النظام الدولي فيما بعد نهاية الحرب الباردة. وأنها لم تصبح نهاية للقوة الروسية كما سبق أن توقعوا في نهاية الثمانينات، بل إن ما يظهر من تعاظم السياسة الروسية الهادفة لبعث صحوة قومية جديدة، يثبت فشل تلك التوقعات القديمة لدى الغرب. نقلا عن صحيفة الخليج