عزائنا العميق للأمة الفرنسية فى مصابها الجلل بتلك الانفجاريات الشرسة فى قلب باريس وعزائنا موصولا أيضا الى كل الغرب الذى يبدو انه سيعانى طويلا من مثل ما حدث..ويا للمفارقة ما كاد سور برلين يسقط فى 9/11/1989 حتى انطلق المنطلقون فى عالم الإعلام والفكرومراكز الدراسات السياسية يحذرون من العدو القادم وهم يشيرون بلهفه لهوفه إلى الإسلام والعالم الاسلامى .. لم تكن الحالة على ما هى عليه الأن ولم يكن الغرب ولا أمريكا عانت شيئا مما تدعو الى الحذر منه ..وسواء كان المثل الشعبى عن العفريت الذى يخرج لمن يخاف منه ..أو أن العفريت تمت صناعته اوتمت ملاقاته فى منتصف الطريق لأسباب تتحدث عنها كتب التاريخ أو كتب المؤامرات ..على أية حال .. فالتراث الثقافى الغربى يعتز كثيرا بالعفريت الذى يتم تصنيعه (فرانكشتين) مثلا التى كتبتها مارى شيلى فى 1816م و( فاوست) الذى كتبه كبير الشعراء الالمان جوته فى 1822 م..الا اننا بالفعل متألمين مما حدث ومن الصورة العامة التى تسير بها الأمور ..سواء عندنا فى الشرق أو عندهم فى الغرب ..
وللمفارقة أيضا سيلفت انتباهنا أن الثقافة والتاريخ الفرنسى غارقين فى الدماء المذهبية لدرجة أن المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل صاحب الإصدار الشهير(تاريخ وقواعد الحضارات) كان يخشى في نهاية حياته أن تعود الحرب المذهبية إلى فرنسا( الصراع الكاثوليكي – البروتستانتي) حيث كان الكاثوليكي يذبح البروتستانتي على الهوية أو العكس .. أنهكت فرنسا على مدار قرنين على الأقل. وقد ترسخت تلك الذكرى المرعبة إلى درجة أنه عندما يختلف الساسة الفرنسيون الحاليون فيما بينهم ويحتدم النقاش ويسخن فإنهم يقولون لبعضهم لا نريد أن نجعل من هذه القصة حربا مذهبية..فرنسا الاستعمارية كانت تختلف كثيرا عن بريطانيا الاستعمارية .. وتاريخ فرنسا فى الجزائر مشين للبشرية كلها وللقيم و المبادىء الفرنسية التى تتردد فى الخطاب السياسى والثقافى عندهم .. احد المحاربين القدماء الفرنسيين واسمه (هنري بويو )نشر على مدوّنته رسالةالى الرئيس الفرنسى الحالى هولاند قال فيها( ستتشرف فرنسا لو بادرت إعلان السلطات إلى ما ينتظره الجزائريون طويلاً وهو الاعتراف بجرائم الاستعمار وإدانة مسؤولية بشأن السياسه الاستعمارية).وحث بويو الذي كان شاهداً على عمليات تعذيب بشعة رئيس جمهوريته على(التحلي بالشجاعة) من أجل الاعتراف بجرائم فرنسا. وذكر بويو أن فرنسا انتهجت (قمعاً مركزاً ضد أية محاولة للثورة ونهبت ثروات الجزائريين وقال إن من ضحايا الجرائم المرتكبة أهالىٍ قتلوا خنقاً بدخان النيران بعد أن جُمعوا في مغارات سُدت عليهم حتى لا يخرج أحد منها حياً وإبادة قرى بقنابل النابالم الحارقة ناهيك عن الاغتصاب والتعذيب). الجيش الفرنسي وقتها اعتمد إستراتيجية الحرب الشاملة و الإبادة و الدمار في تعامله مع الشعب الجزائري لتمكين قادته العسكريين و البرجوازيين الفرنسيين من الاستيطان و السيطرة. و انتهج كل أنواع القهر والإبعاد و التهجير و السجن و التعذيب و التقتيل والنهب و هدم المؤسسات التعليمية و الاقتصادية والاعتقادات والمنشآت والآثار الدينية.
ومعروف ان فرنسا ترفض الى الآن تقديم اى اعتذار عن ما فعلته من مخازى مروعة طوال 137 عاما احتلال للجزائر..وسائرالمغرب العربى ورغم ان انجلترا مثلا قتلت عشرة ألاف سودانى خلال خمس ساعات فى معركة ام درمان الشهيرة 1898م ..ألا ان ما فعلته فرنسا فى الجزائر تحديدا لا يمكن أن ينساه بنى الإنسان فى كل العصور ..وللأسف لازالت أياديها العابثة تذهب يمينا ويسارا... والعشرية السوداء التى قتل فيها ما يزيد عن 250 الف جزائرى كانت تحت المظلة الفرنسية تماما ..وانقلاب الجيش عام 1991 على نتيجة الانتخابات البرلمانية كانت ترتيباته تجرى فى الاليزيه .
ولأنى ممن يرون أن الأدب هو وقع الوجدان على الوجود_وليس أصفى من الوجدان فى المعرفة كما يقول أهل الطريق _فوطنت نفسى على ان تكون زاوية الأدب حاضرة دائما ضمن زوايا النظر فى الرؤية ..وكنت لتوى قد انتهيت من قراءة مسرحية (موت دانتون) التى كتبها عالم التشريح الكاتب والسياسى الالمانى (جورج بوخنر)عام 1836 وهى عبارة عن مقاطع وفقرات تبدو في شكل مدونات تاريخية تصف وتحكى .
سنرى فى المسرحية الروح الفرنسية فى مقاربات الأمور(الشراسة والحدة والتعالى) على أدق التوصيفات وأوضحها من خلال تغطية لفترة من أهم فترات الثورة الفرنسية..
( جورج دانتون) المحامي والمناضل والقائد الثوري البارز والخطيب المفوه المحرض وداعية تصفية الملكية وإقامة الجمهورية الأولى في أغسطس 1792..ينشأ بينه وبين صديقه ورفيق نضاله السابق في(نادي اليعاقبة) التيار المتطرف في الثورة الفرنسية والذين كان اسمهم يثير الهلع في قصور ممالك أوروبا الرجعية - ورئيس الهيئة القيادية الثورية صاحبة السلطة والنفوذ الكبير (لجنة السلامة العامة)ماكسيمليان روبسبير_ نشأ بينهما نزاعا حادا لا يلبث أن ينفجر و يحدث الافتراق بينهما .. سيلى ذلك موتا مأساويا لدانتون.
وقف جورج دانتون بعد انتصار الثورة ضد استمرار العنف. وكان يرى أن العنف قد يكون ضرورة لا مفر منها من أجل كسر شوكة الأعداء وانتزاع السلطة من النظام القديم لكنه لم ير أي داع لاستمرار هذا العنف بعد انتصار الثورة. واعتبر دانتون استمرار العنف بعد انتصار الثورة نوعاً من (القتل). وبذلك يكون دانتون قد وضع نفسه في تعارض تام مع روبسبير و أعضاء لجنة (الصالح العام).. الغريب فى الاحداث ان دانتون كان عارفا من البداية ان روبسبير يسعى لحصاد رأسه لكنه لم يفكر أبداً في الهرب كان دانتون شخصية واقعية نامية منطلقة متدفقة متفاعلة نابضة بالحياة مفعمة بالحب والعواطف على العكس من روبسبيير الذى كان يتسم بالجمود والتطرف فى اعتناق اليقين وكما يصفوه فهو شخصية مثالية نمطية منعزلة عليلة قاسية محكومة بالأفكار الجامدة والنصوص المكتوبة التي تلقن بحزم وتتلا بشكل آلي وقد اخذ على نفسه ان يتخلص من كل من كان يعتبرهم (اعداء الثورة)ولو عبر فيضان لا ينتهى من الدماء قبل أن ينتهى أعداء الثورة بعد ثلاثة شهور ستتدحرج رأسه هو إلى ذات السلة التي تدحرجت إليها رؤوس اعداء الثورة .. كان القضاء فاسدا والسلطة مطلقة والتهم جاهزة مغلفة ومن ابرز التهم حينها هي إعادة حكم الملكيين ومعاداة الجمهورية والعمل ضدها .
وهكذا ثبت أن دوامة العنف التي سلطت حد المقصلة على رقاب الأعداء سرعان ما أتت على الأبناء أيضا وبدون تمييز .. كان روبسبير يعتقد أن المقصلة لن تطال سوى رؤوس الخونة من ممثلي النظام القديم ومن معارضيه من ممثلي النظام الجديد لكنه سرعان ما اضطر لوضع رقبته تحت حد ذات المقصلة.
.....
فرنسا من من يوم أحداث باريس الدامية فى 13 نوفمبر وهى تدك المدن السورية بغاراتها المتواصلة طوال اليوم فى حاله انتقامية مسعورة مما حدث .. هم يقتلون البشر ويدمرون الحجر ظنا منهم ان فى ذلك إنهاء لملف العنف والإرهاب الذى لو لم يكن موجودا لاخترعوه على رأى أحد السياسيين الكبار وقصدت من ذكر ما ذكرت من أحداث تاريخية سواء ما يتعلق بالثقافة الصلبه فى العقل الغربى والفرنسى تحديدا أوما يتعلق بألامنا وأوجاعنا التى لم تبرأ من الغرب كله وليس من فرنسا فقط .. للتأكيد على حقيقة مؤكدة وهو أن العنف لا ينتج سوى عنف أشد .. ويبقى الجرح ملمسه خشنا حتى وان اندمل والذاكرة البشرية أن استطاعت الصفح لا تستطيع النسيان ..
لن أجدنى مضطرا للدفاع عن نفسى ..فأنا ضد هذا العنف الذى لا يمكنه أن يكون شيئا أخر الا الجنون ذاته ..لكنى أشرت الى ما يجب الإشارة إليه ..ومن أخر القول كما يقول الشباب و بأقصى ما تحتمله الكلمات من معنى : لكى نسير جميعا على الدروب الممهدة لابد من أن يقوم فى المنطقة العربية كلها (مشروع سياسى عادل) ..
سيظل الدم يفيض من حولنا طالما توافرت له كل أسباب النزيف .