كان لخبر قرار رفع الحظر عن سفر الأمريكيين المتهمين فى قضية التمويل الأجنبى وقع الصاعقة على نفوس المصريين، ليس فقط لأنه جاء مفاجئاً بلا مقدمات.. ولا لأن قرار رفع الحظر لا يُعرف حتى الآن من هو صاحبه الحقيقى إلا تخمينًا، ولا لأنه جاء فى لحظة تاريخية كان المصريون يتلهّفون فيها على معرفة نتائج التحقيقات التى يُتَوَقَّعُ أن تكشف عن الأبعاد الحقيقية للجريمة التى تُرتكب بحق مصر.. وعن الأشخاص الذين يعملون أو يتسترون على هذه الجريمة.. ليس لهذا كله فقط، ولكن أيضًا للظروف المريبة التى أحاطت بهذه العملية منها: أولاً- لقد عرف الناس الخبر فى الوقت الذى كان يتم تنفيذه فيه، واتُّخذت فيه خطوات عاجلة مثيرة للدهشة، فقد هبطت قبل ذلك طائرة أمريكية فى مطار القاهرة اقتحامًا وبدون إخطار أو تصريح سابق بالهبوط، وحملت المتهمين لتعود بهم إلى أمريكا. ثانياً- أعلنت المحكمة التى تنظر القضية- فجأة أيضاً- وفى نفس توقيت إعلان خبر رفع الحظر بتخلّيها عن نظر القضية دون أن تصرح بأسباب هذا التخلى.. ورفض القضاة تفسير موقفهم للإعلام.. لتسقط العملية كلها فى بئر الظلمات والأسرار الخفية.. ولترتفع أسئلة الناس المذهولين.. ثالثاً- كانت المحكمة فى وقت سابق قد أجَّلت النظر فى القضية لشهر إبريل دون أى مبرّر.. مما شجع المتهمين على طلب رفع حظر السفر المفروض عليهم.. فهل كان هذا الطلب نتيجة للتأجيل، أم أن التأجيل كان مخطّطاً لمنحهم ذريعة للطلب، الذى استُجيب له على الفور..؟! تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية التى أعلنت فيها – بثقة غير عادية - بأن الأزمة فى طريقها للانفراج [قريبًا جدًا] تؤكّد هذا السيناريو الخبيث.. كل هذه الملابسات التى أحاطت بالقضية ترفع علامات استفهام كثيرة ليس لها إجابة.. مما فتح الباب على مصراعيه للتكهّنات والتخرّصات ولمزيد من الاحتقان الشعبى ضد المجلس العسكرى، فالناس يتساءلون فى حيرة وسخط شديدين، ما الذى يجرى على مسرح الأحداث..؟! وفيم العجلة والسرية والهرولة لطمس معالم القضية؟ وما هى الأيدى التى تلعب من وراء ستار لتحريك الأحداث؟! ولحساب من؟! هل تملك الولاياتالمتحدة قوى سحرية إلى هذه الدرجة؟! وهل السلطات فى بلادنا بهذا الهوان والضعف الذى يجعلها تتخاذل إلى هذا الحد المهين؟! وهل بلغ بها الغباء أن تتصرف غير عابئة بردود الفعل الشعبية، التى ثارت وأسقطت نظامًا وسلطة كانت أعتى من السلطة الحالية؟! لست أشك أن أمريكا قد بذلت جهدًا خارقاً للوصول إلى هذه النتيجة التى بدت فيها أن إرادتها هى المنتصرة فى صراع الإرادات..؟! ولكنى لا أستبعد فى الوقت نفسه أنها هّددت بأوراق فى يدها عناصر فى السلطة -ليس بوقف المساعدات التى تلوّح بها فى العلن- وإنما بأوراق إدانة خفية يمكن أن تزلزل الأركان.. إذا تم الإعلان عنها أمام الجماهير.. يرجّح هذا السيناريو عندى سوابق فى عهود مضت؛ اختارت فيها السلطة الحاكمة أهون الضررين: الخضوع للإملاءات الأمريكية مضحية بما تبقى لها من ثقة عند الشعب، حتى لا تواجه فضائح شخصية لا تستطيع إنكارها أو الدفاع عنها. الذى يتصفح أخبار الصحف والتعليقات المتلفزة، وما أثير فيها من لغط وتكهّنات يخرج بثلاثة احتمالات فى موضوع هذه القضية: الاحتمال الأول: ينكر فيه أصحابه ومروّجوه وجود مشكلة حقيقية من الأصل، وأن القضية ملفّقة من أساسها وما كانت تستحق كل هذا الضجيج الإعلامى الذى بالغ فيها ونفخها حتى تضخمت كالفقاعة، وأن تسريح المتهمين مسألة طبيعية ومفروغ منها.. يقف على رأس هذا الاتجاه حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.. ولكن كلام هذا الرجل مجروح ولا أطمئن إليه.. فقد يكون مضللا.. ولكن قريبًا من هذا الاتجاه أرى موقفًا أكثر عقلانية هو موقف الدكتور وحيد عبد المجيد، الذى يرى أيضًا أن القضية من البداية تم تضخيمها وتقديمها للرأى العام على أنها قضية سياسية لسبب ما لا نعرفه.. وورط فيها القضاء المصرى وأساء إلى صورة مصر فى العالم؛ فمثل هذه المخالفات من جانب منظمات المجتمع المدنى تُحل من جانب القانون بمنتهى البساطة ولا تتعدى الغرامة.. ولكن الدكتور وحيد ليس متأكدًا من طبيعة القضية فهو يعود فى حديث آخر ليؤكد أن فى القضية جانب سياسى، ولذلك فهو يرى أن أقل ما ينبغى أن يقوم به البرلمان هو طلب استجواب لرئيس الوزراء، ووزيرة التعاون الدولى، ووزير الداخلية، ووزيرة الشئون الاجتماعية. الاحتمال الثانى: أن فى الأمر جريمة حقيقية تُحاك ضد مصر، فقد اخترقت المجتمع المصرى بالفعل عشرات الملايين من الدولارات الأمريكية.. وأن عمليات تدريب وتحريض على الفوضى ضد الأمن المصرى قد تمت.. وأن الهدف من ذلك هو ضرب منجزات الثورة وإشاعة الفوضى والاضطراب والنزاعات فى المجتمع وصولا إلى حرب أهلية وتقسيم البلاد. وفقا لهذا الاحتمال تبدو أى بادرة للتراجع عن هذه القضية أو تمييعها بأى شكل وتحت أى نوع من التهديد، ليس تساهلا فى حق مصر وكرامة شعبها فحسب، ولكن جريمة منكرة لابد من محاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى القضاء ليقتص منهم. الاحتمال الثالث: أن المسألة من أولها إلى آخرها صفقة بين أمريكا والسلطة العليا فى مصر لكل طرف فيها مكاسبه.. ولكنى أرفض كل حديث عن الصفقات التى كثر الحديث عنها مؤخرًا.. لماذا..؟؟ لأن الصفقة عادة ما تجرى بين طرفين متساويين فى النِّدِّيَّة.. ولكن مايجرى بين أمريكا وبين السلطات فى مصر منذ عقود هو عملية ابتزاز، تتأرجح بين عاملى الترهيب والترغيب من الجانب الأقوى، والإذعان والتوسّل من الجانب الأضعف.. كذلك، أرفض الحديث عن الصفقات لاعتبارات أخرى كثيرة: فهو حديث قديم مبتذل يستخدمه الخُبثاء وضعاف الفكر لإقناع خالى الذهن والسذّج من الناس بافتراءات فاسدة، لا سند لها ولا دليل عليها، وهو أحيانا تسطيح وتبسيط مُخِلّ يلجأ إليه كسالى الفكر لتفسير أى قضية ملتبسة تحتاج إلى جهد للفهم والتحليل والاستيعاب.. ويستخدمه بعض الكتاب والسياسيين الذين يستخفون بعقول الناس لتشويه خصومهم دون أن يتكلفوا بتقديم أى دليل على اتهاماتهم: مثل اتهام السيد خرطوشة للإخوان بأنهم يجمعون أسلحة مهربة من ليبيا ليخوضوا بها حربا ضد المجلس العسكرى.. وينسى أنه قبل ذلك قد اتهمهم بعقد صفقة مع العسكرى لتقسيم السلطة فيما بينهما.. فهنا تناقض فى الفكر لايستطيع صاحبه التنبّه إليه إذا كان مضطربًا نفسيًا مشوش الذهن.. يعجبنى فى هذا الصدد تحليلات المستشار زكريا عبد العزيز، رئيس نادى القضاة الأسبق، فقد رصد عشرة أخطاء مخزية فى قضية التمويل الأجنبى.. من هذه الأخطاء التى لفتت نظرى بشدة: موعد انعقاد الدائرة لنظر طلب رفع الحظر، حيث جاء فى وقت متأخر يثير الشبهات (على حد قوله)، فقد تم انعقاد الجلسة الساعة الثامنة مساء الأربعاء، وهذا أمر شاذ لأن المحاكم تعمل على مرحلتين صباحية تبدأ فى العاشرة صباحًا ومسائية تبدأ فى الثالثة مساء، أما أن تبدأ محكمة انعقادها فى الثامنة مساء فهذا أمر جديد على القضاء.. وكون القرار قد اتُّخذ فى غياب المتهمين مخالفا فى ذلك الشرط القانونى بحضور المتهمين داخل قفص الاتهام، فهذا يدل على أن قرار رفع الحظر كان جاهزًا مسبّقا بغض النظر عن مدى قانونيته.. أما المستشار محمود الخضيرى، رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب، فقد لفت النظر إلى خبث جون ماكين الذى أعلن فى الكونجرس الأمريكى شكره للمجلس العسكرى وجماعة الإخوان المسلمين عن سفر المتهمين الأمريكيين فى قضية التمويل الأجنبى.. واعتبرها "سخافة" موضحًا أن المقصود بهذا الشكر حدوث وقيعة بين الإخوان والمجلس العسكرى مع الشعب.. كما أشار فى حديثه وهو يلخص الموقف الأليم قائلا: نحن لم نركع فقط لأمريكا بل سجدنا.. أود أن أضيف إلى هذا الاستعراض الفكرى لما دار فى الأيام الأخيرة حول قضية التمويل الخارجى، أن القضية الأكبر والأخطر هى أن أمريكا والكيان الصهيونى يركزان فى كل مؤامراتهما ونشاطهما فى مصر على غاية أساسية هى تدمير الجيش المصرى، وعمليات الضغط على المجلس العسكرى المستمرة وتوريطه فى قرارات محبطة للرأى العام المصرى، واختلاق أزمات متواصلة من هذا النوع، إنما هى وسائل لدفع الشعب والجيش إلى تصادم درامى لتحقيق هذه الغاية الشيطانية.. ليس هذا الكلام مجرد استنتاج جزافى، إنما هو نتيجة تحليل لتصريحات انطلقت فى الكونجرس الأمريكى، وفى الصحافة الإسرائيلية والأمريكية.. يعترف فيها أصحابها أن الجيش المصرى هو الجيش العربى الوحيد الذى بقى متماسكًا قويًا بعد الثورة، لم يصبه ما أصاب الجيوش الأخرى فى ليبيا واليمن وسوريا من انشقاقات، أدّت إلى انهيار هذه الجيوش.. وبطبيعة الحال هذا خبر لا يسعد أمريكا، ولا تسعد به إسرائيل، التى تنظر – بغبطة - إلى الجيش السورى على حدودها وهو يتمزق وينهار، وتتمنى أن يحذو الجيش المصرى حذوه.. لتبقى يد إسرائيل الباطشة هى اليد العليا فى المنطقة العربية.. وبذلك تنعم بسلام لمدة خمسين سنة على الأقل، وتتفرغ لتصفية القضية الفلسطينية.. أقول: إن الشعب المصرى قد يتحمل أخطاء المجلس العسكرى على فداحتها فى سبيل شىء واحد هو ألا يتورط الجيش المصرى فى صدام مع الشعب يؤدى فى النهاية إلى حرب أهلية وإلى تمزيق الجيش وانهياره.. ولكن على المجلس العسكرى أن يعيد حساباته فى علاقته بالولاياتالمتحدة ويحزم أمره فيما يتعلق بالضغوط الأمريكية وسياسة الابتزاز التى تمارسها معه.. ولابد من مصارحة الشعب بكل هذه الضغوط والمناورات، وسيجد المجلس مساندة شعبية بطولية، قد لا تخطر على بال أحد.. فهذا الشعب إذا اتضحت أمامه الرؤية صدقت عزيمته وصنع المعجزات وأسقط كل المؤامرات التى يحيكها الأعداء من حوله.. وأقول للولايات المتحدة لتفعل ما فى وسعها.. فإنها قد انكشفت للرأى العام المصرى أكثر من أى وقت مضى.. وستفشل بالتأكيد فى كل خططها ضد هذا الشعب، وضد رغبته وإصراره على استكمال مسيرته الديمقراطية، وسعيه لتحقيق حياة كريمة يبنيها على أسس من الحرية والعدل.. وأنه سوف يبرأ من جراحه ومن الصدمات النفسية التى تحيكها أمريكا مع عملائها فى مصر.. فإن قوى البناء قد انطلقت وإصرار الشعب على تحقيق أهدافه لن يتخاذل أمام كل ما يوضع أمامه من عقبات.. والله ولى التوفيق... [email protected]