يقولون إن التصوف الإسلامي في حركة مستمرة من النمو والتطور ، ليس هذا فحسب ، بل إن التصوف هو أقوى الحركات الدينية التي نالها الحظ الأوفر من التعمق أولاً ، ثم القبول الشعبي الجمعي ثانياً ، مما أتاح لحركة التصوف الاستمرارية بغير انقطاع من جهة ، والتأثر والنهل من المناهل التصوفية السالفة دون تقليد أو محاكاة مماثلة من جهة أخرى ، ويمكن اختزال هذا التوصيف بأن التجربة الصوفية دوماً تجربة متمايزة متباينة في تفاصيلها لأنها باختصار متجددة في نماء . وجدير بالذكر الإشارة إلى ملمح استثنائي في تجربة التصوف الإسلامي ، هذا الملمح هو التوازي الفريد بين الفكرة والوجدان ، وقلما نجد حركات دينية تجمع بين الأمرين دون أن يطغى جانب على آخر ، إلا أننا نجد التصوف يستطيع أن يقيم علاقة مستقرة بين حالات الوجدان التي غالباً لا تتسم بالاستقرار وبين الفكرة التي عادة ما تتحول إلى رؤى وأيديولوجية ، ولعل هذا التوافق يتحقق جلياً حينما ينبذ المرء الجدل ولا يقرع أبوابه مكتفياً فقط بباب العمل والاجتهاد والتدبر ، والصوفي العراقي معروف الكرخي أشار إلى هذا بقوله : " إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل ، وأغلق عنه باب الجدل ، وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل ، وفتح عليه باب الجدل " . وهذا القول يمثل بلا شك رفض الصوفية لنزعات الكلام واللغو واللغط و فوضى الجدال. وعود على بدء ، فلن نجد في تاريخ المتصوفة من تراث ومواجيد استثنائية يتحقق فيها هذا التوافق بين العقل الذي يفكر ، والقلب الذي يفطن ويدرك إلا في حديثهم عن المحبة ، وهي باب طويل جدا اجتهد في وصفه وتوصيفه كبار الصوفية في الإسلام وأقاموا القرائن التي يتحقق بها الوجد ، وظلت أقوالهم واجتهاداتهم حتى يومنا هذا محل تحليل وتأويل منها ما جعله المفسرون حقاً واضحاً جلياً ، ومنها ما قرر بعضهم جعله أمراً مرفوضاً ، وإذا كان الصوفيون أنفسهم قد تركوا باب الجدل ، فإن من اهتم بتراثهم الفكري والشعري قرروا السقوط كرهاً وطوعاً في الدائرة التي حذر منها هؤلاء الصوفيون ألا وهي الجدل . لكن بالرغم من أننا أشرنا في مقدمة هذه السطور بأن الصوفيين هرعوا بعيدا باجتهاداتهم عن أبواب الجدل التي قد تثير الخصومة ، إلا أن فصل المحبة نفسه يعد أروع مثال لتجارب الصوفيين التي لا تعرف للتشابه سبيلاً ، ولا تؤدي للنمذجة طريقاً ، لذا فإننا نجد ثمة أقوال متباينة عند حديثهم عن المحبة والوجد ، لدرجة أن أبا نصر السراج الطوسي المعروف بطاووس الفقراء يقول : " اختلف أهل التصوف في الوجد : ما هو ؟ فقال عمرو بن عثمان المكي : لا يقع على كيفية الوجد عبارة ؛ لأنها سر الله تعالى عند المؤمنين الموقنين " . غير أن الحارث المحاسبي الصوفي الذي عرف باستقامة الأخلاق والذي اشتهر برفضه ميراث أبيه لأنه كان على مذهب المعتزلة وهي فرقة من أهل الكلام ، يقول في فصل الوجد : " إن أول المحبة الطاعة وهي منتزعة من حب الله عز وجل إذ كان هو المبتدئ بها ، وذلك أنه عرفهم نفسه ، ودلهم على طاعته ، فجعل المحبة له ودائع في قلوب محبيه ، ثم ألبسهم النور الساطع في ألفاظهم من شدة نور محبته في قلوبهم " . ولعل الحارث المحاسبي وأبا نصر السراج الطوسي هما أبرز من تحدث عن مقام المحبة والوجد في تاريخ الصوفية ، رغم أن مؤرخي حركة التصوف الإسلامي أجمعوا على أن ابن الفارض هو سلطان العاشقين قاطبة ، إلا أن ابن الفارض لا يغلب على طرحه الشعري جانب الفكرة مقارنة بأحوال الوجدان التي غلبت وطغت على أشعاره ، أما الحارث المحاسبي وأبو نصر الطوسي فهما يستدلان بهماً دوماً على المزج الفطري والطبيعي بغير استهجان بين الفكرة والقلب ، خصوصاً وأن أبا نصر السراج الطوسي في كتابه " كتاب اللمع " قدم نموذجاً واضحاً من رؤيته الصوفية في موضوع الوجد ، وهذا الكتاب المصدر قالت عنه المستشرقة الألمانية ( آنا ماري شيمل ) إنه أول مرجع في التصوف الإسلامي يعرض بشكل متكامل الطريق الصوفي مع ذكر مصادر عديدة له ، حتى الباحث الأمريكي ( ألكسندر كنيش ) يصف الكتاب بالمهم لقيامه بتعريف وتوصيف المقامات والأحوال وأجمل عرض المصطلحات والمواضعات الصوفية بدقة . أما الحارث المحاسبي فانفرد وحده بتمزيق مقام المحبة إلى أبواب وصنوف مثل العشق ، والشوق ، واللطف ، واستنارة القلب ، والأنس ، ولذة الخلوة ، ومشكلة المعاصرين التي ستظل أبدية هي فقر المصطلح ودلالته عندهم ، وهوس التصنيف الذي لا يصح في البدء ولا يليق في الختام بهم ، ليس لأنهم خارج حدود التصنيف ، لكن لأن التجربة نفسها تعد استثنائية غير متكررة . وها هو أبو نصر السراج الطوسي ينافس المعاصرين الذين يميلون إلى التصنيف والتحليل رغم بون المسافة التاريخية بينهما ، فهو حينما يتحدث عن الوجد يفرق بين الوجد ، والوجل ، ويوضح صفات الواجدين ويميز التواجد من الوجد . فيقول عن الوجد بإنه كل ما صداف القلب من غم أو فرح ، معللاً كلامه بأن الله سيحانه وتعالى أخبر عن القلوب بأنها تنظر وتبصر وهو وجد لها ، يقول تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي هي في الصدور ) ( سورة الحج آية 46 ) . أي عن وجدها بين التي تجد وبين التي لا تجد . والحارث المحاسبي يشدد على أن الحب لله هو الحب المحكم الرصين ، وهو دوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله ، وقطع كل شاغل شغل عن الله وتذكار للنعم ، ويقول : " فالحب لله في نفسه استنارة للقلب بالفرح لقربه من حبيبه ، فإذا استنار القلب بالفرح استلذ الخلوة بذكر حبيبه ، فالحب هائج غالب والخوف لقلبه لازم لا هائج إلا أنه قد ماتت منه شهوة كل معصية وهدى لأركان شدة الخوف وحل الأنس بقلبه لله ، فعلامة الأنس استثقال كل أحد سوى الله " . وأبو نصر السراج الطوسي فيرى أن الوجد وجدان ؛ وجد مُلك ، ووجد لقاء لقوله تعالى : ( فمن لم يجد ) يعني من لم يملك ، وقوله تعالى في سورة الكهف : ( ووجدوا ما عملوا حاضراً ) بمعنى لقوا . ويعزز الطوسي طرحه عن الوجد بقوله " كل وجد يجدك فيملكك فذاك وجد مُلك ، وكل وجد تجده فذاك وجد اللقاء تلقى بقلبك شيئاً ولا يثبت " وإذا رجعنا إلى أمهات التفاسير التي تعرضت للآية الكريمة (ووجدوا ما عملوا حاضرا )نجد ابن كثير يقول : أي من خير أوشر كما قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) ) ( سورة آل عمران آية 30 ) ، وقال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) ( سورة القيامة آية 13 ) . أما الإمام الطبري فيرى ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا ) في الدنيا من عمل (حَاضِرًا ) في كتابهم ذلك مكتوبا مثبتا، فجوزوا بالسيئة مثلها، والحسنة ما الله جازيهم بها أما الحارث المحاسبي فيواجه نفسه بسؤال ما المحبة الأصلية ؟ وفي سؤاله هذا يقرن بين القلب والعقل ، إذ أنه يتحدث عن أمر الوجدان بلسان العقل والروية ، فيقول عن المحبة الأصلية أنها حب الإيمان ، مستدلاً بذلك من أن الله تبارك وتعالى قد شهد للمؤمنين بالحب له فقال : ( والذين آمنوا أشد حباً لله ) ( سورة البقرة آية 165 ) . يقول المحاسبي : " فنور الشوق من نور الحب زديادته من حب الوداد ، وإنما يهيج الشوق في القلب من نور الوداد ، فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به ، وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان " . ويورد أبو نصر السراج الطوسي عديداً من أقوال المتصوفة في كتابه " اللمع " في سياق حديثه عن الوجد ، لذلك عُدَّ أول الصوفيين توثيقاً بغير غموض بخلاف كثيرين ممن يقول في كتبهم قالوا أو سمعت أحد الصالحين وهكذا ، أما الطوسي فكان شديد الحرص على ذكر الأشخاص والأماكن والحوادث وتتبع الأسماء بغير نقص ، فينقل عن أبي سعيد أحمد بن بشر بن زياد بن الأعرابي قوله عن الوجد : " أول الوجد رفع الحجاب ، وحضور الفهم ، ومحادثة السر ، وإيناس المفقود ، وهو أول درجات الخصوص وهو ميراث التصديق بالغيب ) ويعلق على كلام أبي سعيد بقوله : " فلما ذاقوا وسطع في قلوبهم نورها ، زال عنهم كل شك وريب " . ويرى أبو نصر السراج الطوسي أن الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق ، قائلاً " لأن النفس محجوبة بأسبابها ، فإذا انقطعت الأسباب ، وخلص الذكر وصحا القلب ورق وصفا ، ونجعت فيه الموعظة والذكر وحل من المناجاة في محل غريب ، وخوطب وسمع الخطاب بأذن واعية وقلب شاهد وسر طاهر ، فشاهد ما كان منه خاليا ، فذلك هو الوجد " . ونختتم سطورنا عن الوجد بنظم أبي عثمان المزين أنه كان يقول : فَسُكْرُ الوجدِ في مَعْنَاهُ صَحْوٌ وصَحْوُ الوَجْدِ سُكْرٌ في الوِصَالِ