أول ما يلفت الانتباه فى النسخة السينمائية الجديدة من أسطورة "هرقل"، أو "هيرقليز"، أو "هيراكليس" وفقا للنطق اليونانى السليم للاسم، هو الاستعانة بنجم مصارعة المحترفين "الصخرة" دواين جونسون، الذى تحول إلى ممثل حركة ناجح سرعان ما انضم إلى قائمة نجوم هوليوود الأكبر والأعلى سعرا... اللافت فى الاستعانة بجونسون هو أنه أول هرقل سينمائى أسود بعد عشرات المعالجات السينمائية والتليفزيونية التى صورت هرقل كرجل أوروبى إغريقى الملامح. هل هناك علاقة بالسياسة الأمريكية، بما أن رئيس الولاياتالمتحدةالأمريكية أسود؟ أقصد السياسة بالمعنى العام وليس المباشر، أى حالة المجتمع وثقافته والتغيرات الحديثة يخطر بالبال هنا حالة شبيهة فى السينما المصرية خلال السبعينيات خلال حكم الرئيس الأسود أنور السادات، والتى شهدت نجومية محمود ياسين ثم أحمد زكى بعد عقود من هيمنة البطل الأبيض أو القمحى، وحتى على الكسار الذى لعب دور رجل أسود فى مجموعة أفلام لم يكن سودانيا أو أسود حقا، بل كان يلون وجهه ويصطنع لغة الجنوبيين. فيلم "هرقل... ثلاثى الأبعاد" الذى بدأ عرضه فى مصر هذا الأسبوع هو ثالث فيلم عن أسطورة هرقل يظهر هذا العام، وهو أكثرها طموحًا وأضخمها إنتاجًا، وقد تكلفت ميزانيته 100 مليون دولار، حصل دواين جونسون وحده على عشرين مليونا منها. هذه الميزانية ذهب معظمها إلى المؤثرات الخاصة التى تصنع مع تقنية الأبعاد الثلاثة حالة مشاهدة صيفية تليق بأفلام "تكسير شباك التذاكر"– Blockbusters- التى تعتمد على الترفيه والإبهار من خلال الأكشن والكوميديا، وهى بالضبط الخلطة "الهوليوودية السبكية" التى يعتمد عليها فيلم "هرقل" الجديد. هرقل، إذا كان هناك قارئ لم يسمع عنه بعد، هو أكبر بطل خارق عرفته الدراما، قبل مئات السنين من ميلاد المسيح، وقبل أكثر من ألفى عام على ظهور قصص "سوبر مان" المصورة وأفلام الأبطال الخارقين وألعاب البلاى ستيشن. هرقل، ابن زيوس كبير الآلهة، الذى عشق امرأة من البشر وأنجب منها هرقل، تفوق قوته عشرين محاربا مجتمعين، ليس فقط مجرد قوة عضلية خرقاء، ولكنه واسع الحيلة، باهر الذكاء، يجيد قيادة الجيوش وإدارة الحروب مثلما يجيد قتال الأسود والثعابين متعددة الرءوس. هرقل فى الميثولوجيا– الأساطير– اليونانية، هو بطل كل الأبطال الذى قهر البشر والكائنات جميعا، وهو الذى تحدته الآلهة ولم تستطع أن تهزمه، وهو الذى ساعد الآلهة نفسها عندما تعرضت للخطر على أيدى "العمالقة". فى الأساطير التى عدلت وتطورت على مر العصور خاض هرقل عددا كبيرا من المغامرات والاختبارات التى فاز بها جميعا، ثم راح ضحية خطأ شنيع ترتكبه زوجته وحبيبته، ويحرق حيا على مذبح الآلهة، فيتحول إلى إله ينضم إلى مجمع الآلهة الخالدين فوق جبل الأوليمب. من أسطورة هتلر خرج عشرات الأبطال بكل الألوان والجنسيات، كما صنعت عشرات الملاحم والقصص الشعبية، وعشرات الأفلام والمسلسلات التليفزيونية حتى أن المرء يكاد يتخيل أنه لم يعد هناك قصة ولا تفصيلة جديدة يمكن أن يقدمها. يبدأ فيلم "هرقل" ثلاثى الأبعاد من حيث انتهت مغامرات هرقل الأخرى، ومنها أعماله الإعجازية الاثنى عشر، التى نرى بعضها فى الدقائق الأولى من الفيلم الجديد، بالإضافة إلى نبذة سريعة أخرى عن ميلاده وأصله نصف البشرى نصف الإلهى. هرقل هنا رجل ناضج سنا يائس يعانى شعورا طاغيا بالذنب، لأنه تسبب فى مقتل زوجته وأطفاله، يتزعم تشكيل "عصابى" مكون من مجموعة من المحاربين البارعين الذين يستطيعون تحت قيادة هرقل هزيمة أعتى الجيوش والوحوش وأكثرها تسليحا وبشاعة! الفيلم الذى أخرجه بريت راتنر وكتبه كل من إيفان سبيليوتوبولوس ورايان كوندال يتناول قصة خيالية غير موجودة فى أسطورة هرقل الأصلية والأساطير الأخرى التى أضيفت لها عبر العقود والقرون، ولكنها مقتبسة من قصة فيلم "العظماء السبعة" اليونانى للمخرج أكيرا كوروساوا، والتى أعيد صنعها سينمائيا فى عدد كبير من الأفلام الأمريكية والأجنبية والمصرية، لعل أشهر فيلمين بينها هما "العظماء السبعة" الأمريكى، و"شمس الزناتى" المصرى! هنا أيضا نجد هرقل العظيم وقد تحول إلى محارب مرتزقة يؤجر مواهبه وقدراته الخارقة لمن يدفع أكثر، ولكن عندما يستعين أحد الملوك الطيبين وابنته الجميلة بهرقل وأصدقائه لمواجهة عصابة محاربين من "القناطير"، أنصاف البشر وأنصاف الجياد، يتزعمهم شخص متوحش يهدد الآمنين ويبتزهم. يرق قلب المحارب الأسطورى لطيبة الملك ولجمال ابنته وطفولة ابنها الصبى الذى يعشق هرقل وأصدقاءه، الذين يقررون أن يتصدوا لعصابة المجرمين طمعا فى المكافأة السخية التى وعدهم بها الملك. ومثلما هو الحال فى "العظماء السبعة" يتكون فريق هرقل هنا من ستة عظماء: هرقل نفسه، وابن عمه الذى يسجل ويروي حكاياته ولكنه غير محارب، وأربعة محاربين شجعان كل منهم موهوب فى استخدام نوع من السلاح وأسلوب فى القتال من بينهم امرأة جميلة جذابة بارعة فى استخدام السهام وجسدها الرشيق. دائما ما تأتي هوليوود بأكثر الأفكار غرابة وطرافة، والفكرة هنا هى وضع أسطورة هرقل وعالمها الخيالي ومخلوقاتها الغرائبية داخل قصة "العظماء السبعة" وإضافة امرأة إلى المحاربين، وقصة حب غير معلنة بين هرقل وابنة الملك، ووضع هذا كله فى "خلاط" الإبهار التقني ثلاثي الأبعاد. وفوق هذا كله "تحول درامي" مفاجئ فى الثلث الأخير من الفيلم لا أريد أن "أحرقه" على القراء الذين لم يشاهدوا الفيلم بعد! تركيبة يتوقع لها بالطبع أن تجذب ملايين المشاهدين من كل الأعمار والثقافات تضمن للشركة المنتجة أن تربح بضع مئات من ملايين الدولارات تعوض الخسائر المخيفة التى تتسبب فيها الأزمة الاقتصادية وقرصنة الأفلام على الإنترنت وتطور أجهزة التليفزيون المنزلي التى أصبحت تنافس السينما التقليدية صورة وصوتا. يتميز فيلم "هرقل" ثلاثى الأبعاد، تمييزا له عن أفلام هرقل الأخرى، ومنها فيلما "أسطورة هرقل" و"هرقل يولد من جديد" اللذان ظهرا هذا العام، بضخامة الإنتاج كما ذكرت. ضخامة الإنتاج هذه تتمثل فى مواقع التصوير الملائمة للقصة وزمنها والمعارك التى تدور على خلفياتها، من صحراء وجبال وقصور فارهة، كما تتمثل فى الاستعانة بأعداد هائلة من المجاميع، أو الكومبارس، وتحريكهم فى شكل جيوش وفرق، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد آخر من نجوم التمثيل الكبار، على رأسهم الممثل البريطانى جون هارت فى دور الملك الطيب- الشرير، وإيان ماكشين وروفوس سويل وجوزيف فينيس، شقيق راف فينيس، والجميلتان إغريقيتان الملامح إنجريد بولسو بيردال فى دور المحاربة أطلانطا، وريبيكا فيرجسون فى دور الملكة الشابة. يتميز الفيلم أيضا بإيقاعه اللاهث وثرائه الدرامى، فرغم أنه لا يوجد جديد فى الفكرة أو القصة أو الشخصيات، وكلها تقريبا منقولة من أفلام سابقة، إلا أن خلطة هذه الأفكار والخطوط الدرامية والشخصيات معا، مسلية جدا. لا أقول مبدعة، أو مقنعة، ولكنها مسلية، كما أنها ساخرة ومثيرة للفكاهة والضحك خاصة لهواة السينما الذين على دراية بالمصادر التى اقتبست منها هذه الخطوط والشخصيات والكيفية التى تظهر بها فى الخلطة الجديدة. دواين جونسون مكسب بالتأكيد لسينما الأكشن. مرة أخرى لا أقصد السينما بشكل عام، ولكن سينما الأكشن الهوليوودية التجارية التى تتغذى على أبطال كمال الأجسام والألعاب القتالية من سلالة سلفستر ستالوني وأرنولد شوارزينجر وستيفن سيجال وجاكى شان الذين كبروا فى السن وآن أوان استبدالهم بأجيال جديدة من "المقاتلين"!