قرار متأخر ولكنه جيد .. هذا باختصار ما يمكن قوله على قرار الدكتور محمد إبراهيم، وزير الآثار، بإعادة غلق شارع المعز لدين الله بشكل كامل أمام حركة السيارات منتصف مارس الجاري، بعد إعادة تأهيل البوابات الإلكترونية التي تم إتلافها إثر حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011"، على حد قوله. جاء ذلك خلال الجولة التفقدية التي قام بها وزير الآثار في أول أيام عمله بعد حلف اليمين الدستورية لتوليه حقيبة الآثار بحكومة المهندس إبراهيم محلب. وأشار وزير الآثار إلى أنه "جار وضع اللمسات الأخيرة لإعادة تأهيل منظومة الإضاءة للشارع والتي تعرضت إلى السرقة والإتلاف، بالتعاون مع شركة الصوت والضوء، مشيرا إلى أن "تكلفة مشروعي الإضاءة وإعادة تركيب البوابات يتكلف مليوني جنيه، ويقوم على تنفيذها أياد مصرية مائة في المائة كأحد من المشروعات التي تنفذها الوزارة على الرغم من انحسار مواردها المالية نظرا لانحسار حركة السياحة". اغتيال تاريخ مصر قاهرة المعز.. ياله من اسم كان يزلزل قلب وأذن كل من يسمعه، فكانت له دلالات على الشموخ والفخامة والقوة والعراقة، أما الآن فإن من يتجول بين جنبات هذه الأحياء العتيقة التي تحكي تاريخ الفتح الفاطمي والتي تعتبر بحق تحفة معمارية لا تضاهي في الروعة والجمال فإنه سيحزن كثيرا لما فعله الدهر بها وخصوصا بعد أن تحالف مع الإهمال الذي راح يشوه الوجه الحضاري لهذه المعالم الأثرية الخالدة. فمن أمام حي القلعة وتحديداً في شارع الجيوشي وبالتحديد أمام مقابر باب الوزير هالنا المشهد الرهيب الذي شاهدناه وقد أصيبت المساجد الأثرية بالشروخ الخطيرة وباتت آيلة للسقوط في أي لحظة، وكذلك المنازل التي تظهر فيها معالم الفن الإسلامي على أجمل ما تكون وقد تحولت إلى أطلال تنتظر ريح تهب عليها لتنهار، بعد أن تحولت إلى مساكن للأشباح. الأهالي يصرخون وحين استفسرنا من سكان الحي عن أسباب سكوتهم على هذه المشكلات الخطيرة وعدم لجوئهم للمحافظة أو المحليات أو حتى نائب الدائرة، أجابونا وقد ملأ اليأس أصواتهم: نحن ننتظر زلزالا أو حتى هزة أرضية وتكون النتيجة تدمير عشرات المنازل ومقتل مئات المواطنين وفقد آلاف منهم كما حدث في كارثة الدويقة حتى ينظر إلينا المسئولون بعين العطف والرعاية. عم احمد حسين، صاحب مقهي، يقول بحسرة، بصراحة المسئولين مش مقصرين معانا خالص وبيمروا علينا كل يوم علشان يعملوا لنا محاضر ويجيبوا علينا غرامات لكن علشان يشوفوا بيت هايقع ولا خلافه فهذا مستحيل. أما إبراهيم إمام، صاحب ورشة كوالين، فيروي مأساته مع المحافظة حين تجرأ واشتكى من أن العقار الذي توجد به ورشته يميل بانحدار شديد حتى أنه يهتز إذا مرت سيارة نصف نقل بجانبه، فأول شيء أخبره المسئولون بأن التصرف الطبيعي في مثل هذه الحالات هو تشميع المنزل بمحاله وطبعا سيحرم هو من مصدر أكل عيشه بدون إيجاد محل آخر وهنا فضل مقابلة مصيره المحتوم له عن أن ينضم لطابور العاطلين. قطط وثعابين وعندما سألنا إحدى سيدات الحي ويبدو أنها من قدامى السكان قالت وكأنها كانت تنتظر من يسمعها، انا نفسي جناب المحافظ ييجي يزورنا علشان يشوف بعينه الثعابين اللي بتهجم علينا كل يوم ولولا القطط ربنا يحميها لنا هي اللي بتنقذنا كان يبقى عندنا قتيل كل يوم. أما مصطفى النعماني، فيكشف عن واقعة غريبة، فخلال أداء صلاة الجمعة قبل الماضية بأحد المساجد التي أصابتها الشروخ، وخلال لحظة الركوع صدر صوت من الجدران أشبه بالانفجار فأصيب المصلون بالهلع وقاموا بالتسليم وهربوا إلى الشارع، فاتصلنا بالنجدة وبعد أكثر من ساعة حضر سيارة دورية راكبة وأخذ الضابط أقوالنا واتصل بمسئولي المحافظة فطلبوا منه تعيين حراسة على الجامع حتى لا يدخله أحد. المدهش، كما يقول النعماني، أنه بعد مرور ساعتين فقط انصرفت الحراسة وتركوا الجامع على ما هو عليه ومازال مهددا بالسقوط فوق رؤوس المصلين لدرجة أننا نقرأ التشهد على أرواحنا قبل الولوج للمسجد لكننا لا نترك أبنائنا يصلوا في هذا المسجد خوفا عليهم. أسوار وبوابات المحروسة زخرفت القاهرة في العصر الفاطمي بالمباني ، وامتدت حدودها الى القرب من موضع العسكر والفسطاط وقد أقامها جوهر الصقلي ، فكانت ترسم مستطيلا غير منتظم الأضلاع طوله حوالي ألف ومائة متر من الشرق إلى الغرب ، وألف ومائتي متر من الشمال إلى الجنوب . وكانت تلك الأسوار مبنية من كتل ضخمة من الطوب اللبن ، وكان عرض الجدار فيها يزيد قليلا عن مترين وكان بها ثماني بوابات: بابان شمالا : باب الفتوح ، باب النصر بابان شرقا : باب البرقية ، باب القراطين بابان غربا : باب الفرج وباب سعادة بابان جنوبا : بابين زويلة وكانت أهم البوابات في عهد جوهر بوابة الفتوح في منتصف الأسوار الشمالية ، وبوابة زويلة فى منتصف الأسوار الجنوبية ، وكان يصل بين هاتين البوابتين الطريق الرئيسي الذى أطلق عليه ( بين القصرين) ، وكان هذا الطريق يقسم القاهرة قسمين متساويين تقريبا . وكان بها طريق رئيسي آخر يجتاز المدينة من الشرق إلى الغرب ، شمالي مسجد الأزهر ، ويصل بين أسوارها الشرقية من باب البرقية ، وبين أسوارها الغربية. وكان بالقاهرة أحياء متسعة عامرة ، كانت تسمى حارات أو أخطاط ، أكثرها شهرة حارات زويلة والجوذرية والوزيرية والباطلية والمحمودية والبرقية وحارتا الروم وكتامة ، وكانت كلها مخططة من وقت تخطيط القاهرة ومنسوبة إلى قوم أو قبائل كانوا من صحبة جوهر الصقلي ، ومنها حارة برجوان التى كانت بها دار المظفر ابن أمير الجيوش ، وحارة الدليم التى كانت بها دار الصالح طلائع بن رزيك وحارة الأمراء التى كانت بها دار الوزير عباس فى عهد الخليفة الظافر ، ومنها خط الخرنفش الذى كان ميدانا للخلفاء ومنها لحبة باب العيد. كانت هذه الأحياء منحصرة داخل أسوار القاهرة ، وكانت هناك أحياء زاهرة أخرى خارج هذه الأسوار ، منها خط الحسينية خارج باب الفتوح ، وكان يتكون من ثماني حارات ومنها أرض الطبالة المنسوبة لامرأة كانت تغنى للخليفة المستنصر ، ومنها المقسى والتبانة واليانسية واللوق وغيرها. وكان للخلفاء الفاطميين مناظر ومنتزهات كثيرة داخل القاهرة وخارجها ، منها منظرة الأزهر ومنظرة اللؤلؤة ومنظرة التاج ومنازل العز ومنظرة الأندلس وقصر الورد ، وكانت المناظر شبيهة بالاستراحات يجلس فيها الخلفاء أو ينزلون للراحة أو لاستعراض الجيوش أو للنزهة وغير ذلك . وكانت الأسوار التى بناها جوهر الصقلي قد تهدمت ، فجددها وعمرها أمير الجيوش بدر الدين الجمالي فى أيام الخليفة المستنصر بالله ، بدأ العمل فيها سنة 480 ه / 1087 م وتم بناؤها سنة 485 ه / 1092 م ، ونقل بدر الدين الجمالي جزءا من الأسوار الشمالية مسافة مائة وخمسين مترا تقريبا إلى الشمال ، كما نقل جزاءا من الأسوار الجنوبية مثل تلك المسافة إلى الجنوب. وأقام بدرالدين الجمالي ثلاث بوابات جديدة عظيمة من الحجارة وهى باب النصر وباب الفتوح شمالا ، وباب زويلة جنوبا ، ومازالت هذه البوابات قائمة حتى اليوم. وكذلك يوجد حتى الآن أسوار بدرالدين الجمالى الجزء الذى يصل بين بوابتى الفتوح واالنصر ، وجزء يمتد حوالى خمسين مترا إلى الجنوب من بوابة النصر ، وجزء آخر يمتد حوالي مائة متر إلى غرب بوابة الفتوح. كما يصل هذه الأسوار جميعا بالبوابات ممر فسيح يجرى على سطح الطابق الثانى الذى فتحت فيه نوافذ ضيقة لرمى السهام ، والطابق الثالث مكشوف ، أقيمت على جانبه شرفات . وبوابات بدر الدين الجمالى ابنية ضخمة ، سواء من حيث المساحة التى تشغلها كل بوابة ، وهى حوالى 25 مترا مربعا ، أم من حيث ارتفاعها الذى يزيد عن عشرين مترا ، أم من حيث الكتل الحجرية التى استخدمت فى بنائها.