في أواخر السبعينيات أبي الرئيس "السادات" أن تكون لبنان مسرحا للمال السياسي وملوك الطوائف الذين عاثوا فيها فسادا، فكان أن قال عبارته المشهورة "ارفعوا أيديكم عن لبنان".. واليوم نحن أحوج ما نكون إلي توجيه نفس العبارة إلي الدول التي تواطأت ضد سوريا من خلال الدعم المالي والعسكري الذي قدمته لما يسمي بالجيش الحر والمرتزقة سعيا لتخريب سوريا واستئصالها، فنقول للغرب ولدول إقليمية تماهت معه "ارفعوا أيديكم عن سوريا". ما الذي يعنيه كل هذا الحشد ضد سوريا؟ الهدف واضح وهو استئصال الدولة وإغراقها في حرب تقضي علي الأخضر واليابس.. والذريعة وقف إراقة الدماء. المعادلة عصية علي الفهم ذلك أن من يريد وقف إراقة الدماء لا يسعي إلي شن حرب ضروس تبيد كل شيء وتقضي علي البشر وتدمر البني التحتية للدولة. وعلي الرغم من أن الرئيس بشار طرح مبادرة للحل في خطابه الذي ألقاه في 6 يناير الحالي تضمنت رفض العنف والارهاب والتدخل الخارجي في سوريا، كما دعت إلي الحوار لاعادة الأمن والاستقرار إلا أن الغرب ومن تماهي معه شكك في المبادرة ووصف الخطاب بأنه إنكار للواقع.. وهو رد فعل كان متوقعا، فالغرب ومن تحالف معه من دول إقليمية غير حريصة علي استتباب الوضع ووقف نزيف الدماء لأن هدفها في الاساس الاطاحة بالدولة، فكل ما يهيمن علي الخارج هو الاصرار علي إسقاط النظام القائم عبر دعم الارهاب تمويلا وتسليحا وإعلاما ويغيب عن هؤلاء أن الاستمرار في حشد الارهاب ضد سوريا من شأنه أن يوجد العديد من التحديات في المنطقة. المخيف هو ما يجري تخطيطه في مجال استئصال الدولة.. من ذلك التقارير التي أوردتها القناة الاسرائيلية الثانية وأفادت أن مائة دولة أجرت تدريبات جوية مشتركة في إسرائيل استعدادا للهجوم علي سوريا في حال جري تهريب أسلحة كيماوية، وأن الهجوم سيقوم به "الناتو" وسيكون شبيها بالهجوم الذي تم علي ليبيا لإسقاط القذافي بيد أن التقارير المذكورة آثرت الابقاء علي سرية أسماء الدول المشاركة في التدريبات الجوية وهي التدريبات التي تعتبر الأضخم في العالم إذ تشارك فيها أنواع مختلفة من الطائرات مثل "إف ،16 إف ،15 وميج 29". الحشد ضد سوريا يتمثل أيضا في اشتراك أمريكا وألمانيا وهولندا بإرسال بطاريات صواريخ "باتريوت" ونصبها علي الحدود السورية التركية تعزيزا للقدرات الدفاعية للأخيرة.. العملية تتم بناء علي طلب تركي وتحت إمرة "الناتو" الذي تنتمي إليه تركيا والدول الثلاثة، البطاريات مصحوبة بوحدات من الجيوش الثلاثة، حيث يتمركز الامريكيون في قاعدة "غازي عنتاب" وتبعد 50 كيلومتر شمال الحدود السورية، الألمان يتمركزون في "قهرمتراس" تبعد نحو مائة كيلومتر شمال الحدود السورية، الهولنديون ينتشرون في "أضنة" علي بعد مائة كيلومتر غرب الحدود. وعود إلي خطاب الرئيس "بشار" الذي تضمن مبادرة ايجابية ترفض العنف والارهاب وتقترح عملية سياسية شاملة عبر الحوار للخروج من دهاليز الازمة، مبادرة جديرة بالاعتبار، فوقف إطلاق النار سيتبعه مؤتمر حوار شامل للوصول إلي ميثاق وطني ودستور جديد تشكل علي أساسه حكومة جديدة تجري انتخابات برلمانية ولهذا كان يتعين علي المجتمع الدولي اغتنام تلك الفرصة فيما لو أراد حقا إعادة الأمن والاستقرار لسوريا وتجنيب المنطقة تداعيات الازمة فيما لو استمرت.. كان يتعين علي الدول التي تبدي حرصا علي أمن وآمان المنطقة أن تسارع بالتعاون مع الرئيس "بشار" لكي تحل الازمة سلميا وتضع حدا لتورط الجهات الخارجية وتدخلها المباشر في ضرب استقرار سوريا بعد أن حولوها إلي هدف لهجوم عنيف من قوي الارهاب الدولي. وكم كان غريبا أن نري دولا عربية حريصة علي إسقاط النظام والأغرب أن يبدو التكالب العربي علي ذلك متسقا مع الطموح الاسرائيلي مرتبطا بالاجندة الامريكية. ويصعب علي المرء تصور ذلك حيث إن هذا التناغم يعكس حقيقة مفادها أن هذه الدول العربية مغيبة تماما عن خطر الداء الحقيقي والمتمثل في إسرائيل العدو المتربص بالمنطقة، وإلحاقا بذلك أقول يتعين علي الرئيس "مرسي" لو أراد بالفعل حل الازمة أن يرحب بمبادرة الرئيس "بشار" الداعية إلي وقف العنف وفتح باب الحوار بحيث يمكن ترجمتها عمليا علي أرض الواقع. لقد وصف الرئيس "بشار" الربيع العربي بأنه أشبه ما يكون بفقاعة صابون وهو محق في ذلك حيث لم يأت بالاستقرار واستتباب الأمن للدول التي حل بها، فلقد كانت له تداعيات كثيرة تصدرها شيوع الفوضي وانهيار الاقتصاد وتحجيم الحريات، فهو لم يحقق الديمقراطية التي لوح بها اللهم إذا أطلقنا عليها الديمقراطية العرجاء، رحيل الأسد لن ينقذ سوريا ولن يؤدي إلي الحفاظ عليها موحدة، فالعكس هو الصحيح.. إذ أن بقاءه كفيل بإبعادها عن شبح التقسيم ويجنبها جحيما سيحل بها فيما لو رحل عنها، إذ أن سوريا عندئذ ستغرق في مستنقع مخيف تتحول معه إلي صراع مذهبي طائفي ومن ثم تكون مهددة باعادة رسم خريطتها.. وب