تحولت مدينة حمص مثلها مثل العديد من مدن سورية العريقة.. إلي أطلال تنادي زمنها الذي ذهب ولن يعود.. وتلحق بأخواتها مثل: (دمشق وحلب وحماة) والعالم من حولها.. لا حياة لمن تنادي.. ماذا بقي من حمص: الأرض والنبت والبشر؟ وماذا بقي من سوريا.. التي تستنزف كل لحظة من كل يوم علي أيدي أبنائها سواء كانوا من نظام يمسك بالكرسي وعليه وعلي أعدائه تدور الدوائر.. ومعارضة من كل صوب ولون وجنس.. تضع مصلحتها فوق كل شيء.. حتي ولو كان تراب الوطن!؟ ومثل دمشق الفيحاء، وحلب الصابرة. وكلتاهما من المدن السورية ذات التاريخ والعراقة. كان مصير مدينة حمص. فالمدينة هي الثالثة في سوريا من حيث عدد السكان بعد دمشق وحلب، وموقعها علي نهر العاصي الشهير يجعلها في منطقة زراعية خصبة تسمي سهل الغاب. وموقعها يتوسط سوريا. ويجعلها أيضا تتصل بباقي المحافظات وكل المدن خاصة الساحلية في اللاذقية وطرطوس المطلة علي البحر الأبيض المتوسط، وبكل مدن الشرق والغرب. وموقعها علي بعد نحو 160 كيلو مترا من العاصمة دمشق، يجعلها همزة الوصل الرئيسية لكل الطرق الرئيسية والفرعية.. ويجعلها مركزا مرموقا لكل الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية معا. وفوق ذلك .. فهي قد كانت حتي وقت قريب موقعا سياحيا يشار إليه بالبنان، عامرا بالآثار والمناخ معتدل الحرارة طوال العام. ويفرز ذلك كله تاريخها الذي يعود لعضور سحيقة.. تدرجت مابين العصور الرومانية واليونانية ونالت شهرة لاتقل عن بعض المدن الشامية والمصرية في زمانها.. ناهيك عن عصرها الذهبي في عهد الأيوبيين ،والمماليك ثم العثمانيين. وفي (حمص).. مثل باقي المدن السورية إن لم يكن معظمها تجد التركيبة السكانية المتنوعة بلا خلاف ولا عراك ولا بارود حتي وقت قريب.. فهناك كان يعيش جنبا إلي جنب المسلم السني والمسلم الشيعي والمسلم العلوي الموالي للنظام. ومعهم كان يعيش بعض المسيحيين من طائفة الروم الأرثوذكس والسريان.. وبعض القليل من الأرمن والتركمان. تركيبة غريبة كانت تتألف وفي وجود تاريخ لايقاوم تم وضع بعض معالمه ضمن مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة. وكان أبرز ذلك قلعة الحصن في قلب حمص. والمدينة التي تأسست نواة لمحافظة تحمل اسمها أيضا. تعود لثلاثة آلاف عام مضي. وتمثل جزءا من محافظة تمتد لنحو 48 كم مربعا.. وتضم أو كانت تضم قبل موجات النزوج الأخيرة لسكانها نتيجة الحرب والدمار. نحو مليون وربع مليون شخص. والتاريخ يلف ويدور بها.. حتي يصل بها لوقتنا هذا فالتاريخ يؤكد أن حمص المدينة والمحافظة. كانت ثانية المدن السورية بعد درعا، التي انضمت لقافلة الثورة ضد نظام بشار الأسد، وشارك سكانها في الاحتجاجات في البداية والتي امتدت لتقدر بمئات الآلاف والتي تركزت في ساحة الساعة منذ أول اعتصام في 18 إبريل منذ عامين. إلي أن تغير اسم الساحة بعد ذلك لساحة الشهداء ثم الحرية. وكانت القوات النظامية علي موعد مع تلك الاحتجاجات. فاختارت أن تفضها بالقوة، ثم اقتحامها في مايو 2011. وكان عدد الضحايا قد فاق الخمسة آلاف قتيل، وهو مادفع المعارضين لأن يطلقوا علي المدينة لقب (عاصمة الثورة السورية). وتلا ذلك مجازر لم تقل قسوة ضد المدنيين في حمص.. كان منها مجزرة (الخالدية) في فبراير من العام الماضي، وهو ما أدي لسقوط نحو ألفي قتيل إضافي بالمدينة. واستمر الكر والفر.. بين أهالي المدينة والقوات النظامية التي حاولت اقتحامها أكثر من مرة، حتي وقت قريب، حينما استطاعت قوات بشار الأسد أن تدخل لحمص معززة بقوات من حزب الله والشبيحة. وتقتحم مرة ثانية حي الخالدية. بل وتدمر آلتها العسكرية أحد معالم حمص الشهيرة وهو مسجد (خالد بن الوليد).. وهو ما أدي لدمار نحو 60٪ من أحياء المدينة والمحافظة. ونزوح عشرات الآلاف من سكانها لمدن الشمال وبخاصة حلب التي لم تسقط نهائيا بعد ويبدو أن الدور سيحل عليها بعد سقوط حمص. ويبدو أن العالم سيسمع الكثير عن حمص خلال الأيام القليلة القادمة. خاصة من داخل أحيائها التي ترددت أسماؤها كثيرا في الفترة الماضية وأشهرها: حي باب عمرو والخالدية والبياضية وباب تدمر وباب السباع وحي جوير، وحي الحميدية والغوطة وكلها خاضت معارك لم تقل ضراوة عن تلك التي مازالت تخوضها مدن وأحياء أخري في طول سوريا وعرضها، ولكن تبقي الخسارة أكثر في مدن تضم العديد من آثار التراث العالمي كله بعصوره المختلفة ومن أبرز هذه المدن: (دمشق وحلب وحماة ومن قبلها حمص) التي لم تسقط بالكامل.. بعد .. علي الأقل حتي كتابة هذه السطور؟!