استفهام كثيرة طرحها الحكم الصادر من محكمة النقض بتأييد براءة قيادات وزارة الداخلية من تهم قتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير، وإعادة مثول مبارك منفرداً للمحاكمة للمرة الثالثة، الأمر الذي سبب جدلاً واسعاً بين فقهاء القانون، بشأن طبيعة التهمة الموجهة لمبارك، وإذا كان يمكن توصيفها بأنها اشتراك في قتل المتظاهرين، باعتباره المحرض الأصلي علي الجريمة، سواء بالأمر المباشر بإصدار أوامر القتل، أو الامتناع عن إصدار أوامر بالتوقف عن القتل، أو التحريض بالاشتراك مع طرف آخر (مجهول) في قتل المتظاهرين، بينما يري فريق آخر أن مبارك هذه المرة لا يحاكم بتهمة القتل أو التحريض أو الاشتراك، وإنما تعاد محاكمته فقط بسبب عوار قانوني شاب حكم براءته، والعقوبة التي تنتظره أياً كان توصيف التهمة ستكون بالبراءة مجدداً. "آخرساعة"، التقت المحامي صابر عمار، الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، ليوضح لنا تفاصيل محاكمة مبارك للمرة الثالثة، وطبيعة التهم الموجهة إليه، والعقوبة التي يُمكن أن توقع ضده، ويُفند حيثيات حكم محكمة النقض بالتفاصيل.. طعن النيابة العامة يُتيح للمحكمة معاقبة المخلوع بالإعدام إذا ثبتت الجريمة براءة العادلي ومساعديه تقوّي موقف المتهم القانوني في القضية ما التُهم الموجهة إلي مبارك بعد قبول محكمة النقض الطعن علي براءته؟ - مبارك يواجه تهمة الاشتراك في قتل المتظاهرين والقتل العمد مع سبق الإصرار، وذلك بعد أن بّرأته محكمة الجنايات نتيجة عدم جواز نظر الدعوي بشأن اتهامه في جرائم القتل لصدور أمر ضمني بألا وجه لإقامة الدعوي من النيابة العامة، بينما قبلت محكمة النقض طعن النيابة العامة فيما يتعلق بعدم جواز نظر الدعوي لسابقة صدور أمر ضمني بألا وجه لإقامة الدعوي، وقررت إعادة المحاكمة، وتلك هي الجريمة الوحيدة المنسوبة إلي مبارك الآن، وهي نفس التهمة التي برأته منها المحاكمة الأخيرة، التي طعن عليها للمرة الثانية، وستُعاد محاكمة مبارك بنفس التهمة للمرة الثالثة، أما الموقف القانوني من براءة وزير الداخلية السابق، حبيب العادلي، ومساعديه الستة، فلا يجوز للمحكمة تعديله. بعد براءة جميع الضباط من تُهم قتل المتظاهرين، من الطرف المتهم مع مبارك بالقتل، إلا إذا كان الرئيس المخلوع قد قام بتحريض طرف (مجهول) علي القتل؟ - التهمة الموجهه لمبارك ليست تهمة تحريض علي قتل المتظاهرين، ولكن تهمة الاشتراك في قتل المتظاهرين، وجريمة الاشتراك تُقبل بالاشتراك مع (مجهول) أي شخص لم تتمكن النيابة العامة أو أجهزة الاستدلال أن تُشير إليه أو تتمكن من القبض عليه أو تتعرف عليه، وبالتالي يمكن الاشتراك مع مجهول في جريمة الاشتراك أو الشروع، وتلك التهمة مازالت قائمة في حق مبارك، ولكن تبرئة ضباط الشرطة قد تكون أحد الأسباب التي سيتسند إليها الدفاع في طلب براءة مبارك، فالأدوات أو الآليات التي كان يمكن أن يستخدمها في حالة قتل المتظاهرين هم ضباط الشرطة، وكونهم حصلوا علي البراءة، فهذا سيساعد بشكل كبير في تسهيل الموقف جنائياً علي مبارك، ومن ثم حصوله علي البراءة. ماذا تعني بجريمة الاشتراك مع مجهول؟ - جريمة الاشتراك تقتضي وجود أكثر من متهم لأن هناك جريمة قتل وقعت فعلاً، فإذا كان المقدمون للمحاكمة مع مبارك قد قضت المحكمة ببراءتهم، إذن فالسؤال الآن هو مع من اشترك مبارك في القتل؟، وهنا سيكون المشترك معه مجهولاً، ولم تفلح النيابة في الوصول إليه، سواء كان من داخل وزارة الداخلية أو من خارجها. ما الفرق بين التحريض والاشتراك فيما يخص جريمة قتل المتظاهرين؟ - التحريض في قانون العقوبات شكل من أشكال الاشتراك، وبالتالي الاشتراك إما أن يكون بالتحريض أو بأداء دور فاعل في الجريمة من خلال تقديم تمويل أو معدات أو مساعدة بشكل أو بآخر. وهل مبارك مُتهم بالاشتراك بالتحريض في قتل المتظاهرين؟ - شكل الاشتراك لم تحدده المحكمة علي أنه تحريض، لكن كان هناك ما يُثار حول فكرة أنه حرض بالأمر المباشر بالقتل، وهو ما نفاه ضباط الشرطة، وأكدوا أن مبارك لم يصدر إليهم أوامر بقتل المتظاهرين بل العكس بعضهم أكد أن التعليمات التي صدرت إليهم كانت بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين، وهذه المسألة أيضاً ستبحثها المحكمة من حيث شكل الاشتراك أو المساهمة. وبماذا تفسر وجود فيديوهات لعناصر الشرطة تقتل المتظاهرين خلال الثورة؟ - هذه ليست مسؤليتنا، لكنها أمر منوط بالتحقيق فيه والاستدلال عليه من جهاز الشرطة، والنيابة العامة. هل جاء بأوراق القضية أن مبارك اتصل شخصياً وحرض بالأمر المباشر علي إطلاق النار تجاه المتظاهرين؟ - أوراق القضية لا تحوي هذا الاتهام، فالموقف القانوني فقط بشأن الاتهام بالاشتراك في جرائم القتل مع سبق الإصرار المقترن بالقتل العمد والشروع فيه، وهذه هي الجريمة التي قبلتها محكمة النقض، وماعدا ذلك لا يوجد أي اتهام آخر، لكن عناصر الاتهام الموجودة تتمثل في وجود قتلي بالفعل، والنيابة تنسب دوراً لمبارك في حدوث هذا القتل، وهذا الدور هو شكل من أشكال الاشتراك، وعلي النيابة أن تساعد المحكمة في تحديد شكل هذا الاشتراك، وهل كان بالتحريض أو بتقديم أسلحة نارية أو تقديم أموال، وهذا ما ستبحث عنه محكمة النقض، لأن المحكمة في آخر حكم لها أصدرت قراراً بالبراءة، ولم تناقش هذا الجزء، ولكن محكمة أول درجة ناقشته وأعطته حكماً بالسجن المشدد 25 عاماً علي هذه الجريمة، وحينما تم نقض الحكم قالت المحكمة في المحاكمة الثانية إنه "لا يجوز" بمعني أنها لم تناقش الموضوع أو تبحثه، ورأت أن هناك أمراً صادرا من النيابة بألا وجه لإقامة الدعوي، وبالتالي لا تجوز محاكمة مبارك عن هذه الجريمة مرة أخري، لكن عندما عرضت القضية علي محكمة النقض كان لها رأي آخر، وقبلت طعن النيابة عليه، وبالتالي ستُعيد المحاكمة. والآن، بات علي المحكمة، وهي تبحث في الأسباب أن تحدد شكل الاشتراك، وهنا يُمكن لمحكمة النقض أن تقضي بالبراءة، أو قد تقضي بالإدانه فهناك حكمان صادران من المحاكمتين السابقتين، أحدهما بالبراءة وآخر بالإدانة، وليس معني قبول الطعن علي البراءة أنها ستعطي حكماً بالإدانة، ولكن ربما تكون الأسباب شكلية لقبول الطعن، وتعطي المحكمة أسبابا موضوعية للبراءة. هل براءة العادلي ومساعديه تقوي موقف مبارك القانوني؟ - بالطبع، فتأييد الحكم ببراءة قيادات وزارة الدخلية سيجعل الموقف القانوني لمبارك أفضل، فلو حصل الفاعل الأصلي الممثل في رجال وزارة الداخلية علي البراءة في الجريمة، بينما مازال شريكه وهو مبارك متهماً فيها فسيقوي ذلك موقفه نحو البراءة، ولكن هذا ليس معناه الحصول علي البراءة، ولكن يُعد أحد الأسباب التي ستُقدم للمحكمة دفاعاً عن مبارك. ما العقوبة التي تنتظر مبارك هذه المرة؟ - يمكن أن تصل العقوبة علي مبارك إلي الحكم عليه بالإعدام، فطالما كان الطعن مقدما من النيابة العامه فهذا يعني أن المحكمة مُطلقة اليد في النظر موضوعاً في القضية من بدايتها لنهايتها ولها الحق في إصدار الأحكام مُطلقة بداية من البراءة حتي الإعدام، حيث تسترد المحكمة إزاء طعن النيابة كل صلاحياتها كاملة في تقدير العقوبة. هناك رأي قانوني يري أن تهمة التحريض لمبارك سلبية بمعني أنه امتنع عن إصدار أوامره بالتوقف عن قتل المتظاهرين؟ - هذا الرأي من حيث الشكل القانوني سليم، فالامتناع شكل من أشكال المساهمة، وهذا ما ستتحقق منه المحكمة للمرة الثانية، وستناقش الأمر في ضوء إتاحة كل المعلومات عبر شاشات وسائل الإعلام، وكل هذه المعلومات المفروض أنها كانت متاحة أمام مبارك بصفته رئيس الجمهورية، وكان عليه أن يتدخل للمنع، والمحكمة هي التي ستُحدد إذا كان تدخل بالمنع أو لم يتدخل، ومحكمة النقض هي التي ستُقدرهذا الأمر. البعض يري أن ملف القضية لن يُغلق حتي إذا أُدين مبارك حتي يتم تحديد القاتل الفعلي للمتظاهرين؟ - هناك فارق بين إغلاق الملف بشكل جنائي لصدور حكم بالبراءة لعدم معرفة الفاعل، وبين إغلاق الملف لحسم القضية، والحقيقة أن القضية ستظل معلقة حتي يتم التوصل إلي الفاعل الأصلي، الذي قتل المتظاهرين، وإذا ظهرت أدلة جديدة في أي وقت تجاه المتهمين الحاليين أو متهمين آخرين لم تتم محاكمتهم، سيقدمون للمحاكمة، ويفتح ملف القضية مجدداً، ما لم تسقط الجريمة بالتقادم، وهذا هو المقصود بتعليق ملف القضية، ولكن بالنسبة للمتهمين الحاليين فستحسم القضية نهائياً بالنسبة لهم سواء بالبراءة أو الإدانة. من قتل المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير إذن؟ - سيبقي هذا السؤال مطروحاً، والمحكمة لم تجاوب عليه، لأنها لم تنسب لمبارك تهمة قتل المتظاهرين، ولكن الاشتراك في قتلهم، وهناك صعوبة عملية للوصول إلي مرتكب الفعل لأنها جريمة شائعة، وما لم يتم الوصول للفاعل الأصلي فستحصل كل الأطراف الأخري علي البراءة، وحتي لو تمت إدانة مبارك بتهمة الاشتراك في القتل، فمعني ذلك أنهم وصلوا إلي وقوع الفعل الذي اتهم فيه بأنه هو الذي حرض أو امتنع عن إصدار قرار بعدم القتل، وليس شرطاً هنا أن يتم تحديد القاتل أي الطرف الذي اشترك معه في القتل، والذي سيبقي مجهولاً.