«أحبِبْ حبيبَكَ هوناً ما، عسى أن يكون بَغِيضَكَ يوماً ما، وأبغِضْ بَغِيضَكَ هوناً ما، عسى أن يكونَ حبيبَكَ يوماً ما» صحيح أن مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تحث على الاعتدال وعدم الافراط في مشاعر الحب والبغض، فلا يأمن أحد من تقلبات القلوب في العلاقات الإنسانية! السياسة أيضا، مثلها مثل العلاقات الشخصية، تحالفات وعداءات ليست ثابتة. تحالف اليوم لا يعني الاستقرار الأبدي، والعداء تجاه طرف آخر اليوم قد يتحوّل إلى تعاون غداً. هكذا هي السياسة! وفي زمن الرئيس دونالد ترامب، رئيس أكبر دولة في العالم، تتماثل مقولة علي بن أبي طالب، على أحوال العباد. فعهده، ملئ بالانقسامات والمشاحنات والتغيرات والبذاءات وكل ما هو أت وأت. إذ يمر الحزب الحاكم بانقسامات كبيرة بين صفوف أعضاءه، تارة عندما يقع الاختلاف في الآراء بين أفراد الحزب وأهواء الرئيس ترامب، وتارة أخري عندما تتعارض المصالح، إلخ إلخ ..... والويل كل الويل لمن يعارض الرئيس، حينها، يشن ترامب الحرب على من يعارضه بلا هوادة، ويرشقه بأبشع الصفات، متناسيا ما كان بينهم بالأمس القريب. صديقة الأمس مارجريت تايلور جرين، أبرز وأنشط مؤيدي ترامب، أثناء الانتخابات، والعضو البارز في MAGA، تحولت مارجريت، في الأسابيع الأخيرة إلى ناقدة له خصوصًا بعد تصاعد الأزمة على عدم تنفيذ وعده الانتخابي وإطلاق ملفات جيفري إيبستين.، انتقدت قيادة الحزب، اعتبرت المجلس في حالة شلل تشريعي ودراما سياسية لا تنتهي. تحولت إلى معارضة شرسة بعد اهمال الجمهوريين مشاريع القوانين، واتهام الكونجرس بالعمل لصالح شركات النخب، والطبقات الغنية. بل نزيد من الشعر بيتا، إذا صرحت في وسائل الإعلام بالحقيقة المُرة التي يلمسها الجميع، أن كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يعملا على تدمير الولاياتالمتحدة ورفع العداوة بين الناس واستغلال الخلافات. هنا أدركت مارجريت الحقيقة المجلجلة، وقالت صراحة، أنها لم تعد تنتمي إلى واشنطن وأن بيئة العمل أصبحت سامة فقررت الاستقالة من الكونجرس. وجاء رد ترامب، سريعا......واصفًا إياها ب«الخائنة» و«المجنونة». ما لبث شهر العسل بين الرئيس ترامب وصديقة المليونير إيلون ماسك، أن انتهي أسرع مما هو متوقع. تحطم التحالف السياسي على جدار المصالح. يعلن ماسك الذي أغدق 300 مليون دولار من أجل فوز ترامب وحزبه "لولاي لخسر ترامب الانتخابات. على الجانب الأخر ينكشف المستور، يهدد ترامب، "بحسب ما نُقل عنه" ب "إنهاء العقود الحكومية" الممنوحة لماسك، ويقول لقد ألغيت اللوائح التي كانت تُجبر الناس على شراء سيارات كهربائية لا يريدها أحد. يتوالى التراشق بين القوتين العظمتين..... ماسك يلوح منتشيا بملياراته بضرورة وجود حزب سياسي جديد من الطبقة المتوسطة. وترامب يكيل له بالمثل. ولأن المصالح يجب أن تتصالح مهما كان الخلاف، مادام البشر يتمتعون بذاكرة السمكة، عادت المياه إلى حد ما لمجاريها، في انتظار خلاف آخر. بعيدا عن ترامب، وأهوائه، نجد تراشق أخر بين مؤيدي رئيس البلاد تدور رحاها في «مؤسسة التراث»، الحاضنة الفكرية الأبرز للمحافظين في واشنطن، والمقربة من قاطني البيت الأبيض. بعد دفاع رئيسها كيفين روبرتس، عن الإعلامي تاكر كارلسون، بعد لقائه مع الناشط القومي الأبيض نيك فوينتس، المعروف بإنكاره للمحرقة اليهودية تصريحاته العنصرية. هذا اللقاء أشعل موجة استقالات داخل المؤسسة، شملت خمسة أعضاء من لجنة مكافحة معاداة السامية، وكبير موظفي روبرتس، والاقتصادي البارز ستيفن مور بعد 12 عاماً من عمله مع المؤسسة. شنت شخصيات محافظة بارزة بينها ميتش ماكونيل وبن شابيرو، هجوما شرسا ضد م كيفن روبرتس، متهمينه ب«خيانة إرث المؤسسة». أما الانشقاق الأقوى، الذي ما زال يلوح في الأفق مؤخرا، وأتصور أنه لن يمر مرور الكرام. ما قاله الرئيس ترامب، إثر إعلان عدد من السناتور ضرورة تمسك أعضاء الجيش بالدستور والقانون وتجنب تجاوز القانون لعدم المحاسبة. هنا استشاط ترامب غضبا وصرح بضرورة شنق أعضاء مجلس الشيوخ، والطريف في الأمر أن هؤلاء السيناتور قادة بارزين بالجيش والمخابرات، بعضهم خدم البلاد أكثر من 25 عاما ويعدوا أبطالا في مجالهم. هذا الهجوم من جانب البيت الأبيض، فتح سيجال عميق، إذ يشكك في رموز أمريكا أمام الرأي العام. وهو الانقسام الأشد خطورة. فجر هذا الانفلات من جانب ترامب، نقاشات خطيرة هل يكون الولاء في الولاياتالمتحدة للرئيس وساكن البيت الأبيض، أم الولاء للدستور والقانون. تلك الانقسامات والانشقاقات، إنذار للحزب الجمهوري، من الممكن أن يشهد الحزب زيادة في النُواب المحافظين المستائين، من الضغوط المستمرة وتهميش دورهم. وعدم الولاء للدستور والقانون. صدقت حكمة الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وآهٍ آه من غدر الأيام وتقلبات البشر في المصالح والسياسة عندما يصبح الحليف خصمًا والخصم حليفًا.