■ كتبت: مي فرج الله من نشر معلومات خاطئة إلى الترويج لأفكار اليمين المتطرف، أثارت «جروكيبيديا» الموسوعة الجديدة المدعّمة بالذكاء الاصطناعي التي أطلقها الملياردير إيلون ماسك موجة واسعة من الانتقادات، بعدما رأى أكاديميون وخبراء في تاريخ المعرفة أنها تُساوى بين تعليقات غرف الدردشة والمحتوى الأكاديمى الموثوق، وتخلط بين الرأى والمعلومة، وبين المصادر المجهولة والبحث العلمى الرصين. وتقول صحيفة «الجارديان» البريطانية إن المؤرخ البريطانى المعروف السير ريتشارد إيفانز كان من أوائل من تنبّهوا إلى حجم المشكلات التى تعانيها المنصة، حين دخل لمراجعة صفحته الشخصية على «جروكيبيديا»، وبدلًا من أن يجد ملخصًا دقيقًا لمسيرته العلمية، فوجئ بكمّ كبير من الأخطاء،فالموسوعة ذكرت أنه قدّم ثلاثة تقارير خبراء فى محاكمة التشهير ضد منكِر الهولوكوست ديفيد إيرفينج، وهو صحيح، لكنها نسبت إليه أيضًا أنه درس للدكتوراة تحت إشراف ثيودور زيلدن، وخلف المؤرخ ديفيد كانادين فى منصب أستاذ التاريخ الملكى بجامعة كامبريدج الممنوح من قِبل هنرى الثامن، كما أشرف على أطروحات حول سياسة بسمارك الاجتماعية، وجميع هذه المعلومات بحسب ما أكده إيفانز خاطئة تمامًا، وقد شكّلت هذه الأخطاء المبكرة ضربة قوية لطموح ماسك، الذى أعلن أن موسوعته ستكون «ملخص الحقيقة... الحقيقة كاملة... ولا شىء سوى الحقيقة»، اعتمادًا على نموذج الذكاء الاصطناعى الخاص به Grok. وروج ماسك لمشروعه الجديد باعتباره تفوقًا على ويكيبيديا، التى وصفها بعض أنصاره ب«ووكيبيديا»، بدعوى أنها تميل نحو اليسار. وهذا ما دفع أحد المستخدمين للكتابة على منصة «إكس» وهو يحتفى بإطلاق المشروع قائلًا: «إيلون قضى على ويكيبيديا. انتهى الأمر» لكن آلاف المستخدمين اكتشفوا سريعًا أن «جروكيبيديا» تعيد نشر محتوى واسعاً من ويكيبيديا بحرفية شبه كاملة، فى حين امتلأ محتوى آخر بأخطاء واقتباسات مضللة وانحيازات سياسية واضحة. ◄ اقرأ أيضًا | يوميات بوت اتربّي في مصر ◄ خطاب سياسي وقد جاء إطلاق الموسوعة فى وقت كان فيه ماسك نفسه يعزز خطابه السياسى عبر منصة «إكس»، محذرًا من «حرب أهلية حتمية فى بريطانيا»، داعيًا البريطانيين للتحالف مع «الرجال الأقوياء» مثل الناشط اليمينى المتطرف تومى روبنسون، ومشيدًا بحزب البديل من أجل ألمانيا اليمينى المتطرف باعتباره الحزب الوحيد القادر على «إنقاذ ألمانيا». وقال المؤرخ السير ريتشارد إيفانز فى تصريحات ل«الجارديان» إن المشكلة ليست «فضائية بهذا الحجم، بل فى صميم طريقة عمل النموذج نفسه»: تُمنح مساهمات غرف الدردشة المكانة نفسها للعمل الأكاديمى الجاد، فالذكاء الاصطناعى ببساطة يجمع كل شىء دون تمييز. وضرب مثالًا بمدخل الموسوعة عن ألبرت سبير مهندس هتلر ووزير تسليحه إبان الحرب العالمية الثانية، الذى كرر الأكاذيب التى روّجها سبير عن نفسه، رغم تفنيدها فى سيرة ذاتية موثقة صدرت عام 2017. كما تضمنت الصفحة الخاصة بالمؤرخ إريك هوبسباوم الذى كتب إيفانز سيرته معلومات مغلوطة، منها الادعاء بأنه عانى من تضخم ألمانيا المفرط عام 1923، وأنه خدم ضابطًا فى سلاح الإشارات الملكى، وتجاهلت الصفحة زواجه الثانى. ويرى ديفيد لارسون هايدنبلاد، نائب مدير مركز لوند لتاريخ المعرفة فى السويد، أن الأزمة أعمق من مجرد أخطاء. وقال: «نحن نعيش عصرًا يتزايد فيه الاعتقاد بأن التجميع الخوارزمى أكثر موثوقية من الرؤية البشرية المباشرة. ثقافة وادى السيليكون تتعامل مع الخطأ كميزة قابلة للتكرار، بينما يهتم العالم الأكاديمى ببناء الثقة عبر الزمن، وبالبحث العلمى المتراكم الذى يفكك أوهام المعرفة الشاملة». ◄ لحظة فاصلة ويشير الخبراء إلى أن «جروكيبيديا» تمثل لحظة فاصلة فى تاريخ الموسوعات، الممتد من مخطوطات يونجلى الصينية فى القرن الخامس عشر، مرورًا بموسوعة التنوير الفرنسية، ثم موسوعة بريتانيكا، ووصولًا إلى ويكيبيديا عام 2001. لكنها أول موسوعة تعتمد بشكل شبه كامل على الذكاء الاصطناعى، مما يثير سؤالًا جوهريًا: من يتحكم فى الحقيقة عندما يمسك الذكاء الاصطناعى بالقلم؟ وعبر المؤرخ الثقافى بيتر بيرك الأستاذ الفخرى بكلية إيمانويل فى كامبريدج عن قلقه قائلًا: «إذا كان ماسك هو من يتولى هذا المشروع، فأخشى أن تكون هناك مساحة واسعة للتلاعب السياسى». وأضاف أن خطورة الموسوعة تكمن فى أن بعض القراء قد لا يملكون القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، خاصة مع إخفاء هوية محررى المحتوى، الأمر الذى يمنح النصوص «هالة من السلطة لا تستحقها». وفي السياق ذاته، قال أندرو دادفيلد رئيس قسم الذكاء الاصطناعى فى منظمة «فول فاكت» البريطانية المعنية بتدقيق الحقائق، إن أبرز مشكلات «جروكيبيديا» تتمثل فى انعدام الشفافية. وأضاف: «علينا أن نسأل ما إذا كانت موسوعة تُولَّد عبر مرشّح خوارزمى تمثل حقًا بديلاً أفضل. هى تطلب منا الثقة ذاتها، لكنها لا تقدم الشفافية ذاتها. لا أحد يعرف حجم تدخل البشر، أو ما الذى دُرّب عليه الذكاء الاصطناعى، أو كيف تُتخذ هذه الخيارات، فمن الصعب الوثوق بشىء لا نرى آلية عمله». ◄ اتهامات متكررة ماسك كان قد عبّر 2021 عن تقديره لويكيبيديا، مغردًا فى ذكراها العشرين: «سعيد جدًا بوجودك». لكن بحلول 2023، انقلب تمامًا، وعرض حينها مليار دولار على ويكيبيديا إذا وافقت على تغيير اسمها إلى «ديكيبيديا»، فى إطار اتهاماته المتكررة لها بالانحياز السياسى. وقد شجعه على هذا الاتجاه شخصيات يمينية بارزة، من بينها ديفيد ساكس، المستشار التقنى للرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، الذى اتهم ويكيبيديا بأنها «منحازة بشكل ميئوس منه» ويديرها «نشطاء يساريون». وعند إطلاق «جروكيبيديا»، ضمت المنصة أكثر من 885000 مقال خلال أسبوعها الأول. وفى حين كانت بعض هذه المقالات منسوخة شبه حرفى من ويكيبيديا مثل «بلاى ستيشن 5»، و«فورد فوكس»، و«ليد زيبلين»، فإن مقالات أخرى جاءت محملة بانحيازات سياسية واضحة: الغزو الروسى لأوكرانيا: اعتمدت جروكيبيديا على سرديات الكرملين، مستخدمة مصطلحات مثل «نزع النازية» و«حماية الروس» و«تحييد التهديدات»، بينما تشير ويكيبيديا إلى أن بوتين تبنّى خطابًا إمبرياليًا و«ادّعى زورًا أن الحكومة الأوكرانية نازية جديدة». منظمة «بريطانيا أولاً»: وصفتها جروكيبيديا بأنها «حزب سياسى وطنى»، وهو وصف رحّب به زعيمها بول جولدينج، المحكوم عليه سابقًا فى قضايا كراهية ضد المسلمين، بينما تصفها ويكيبيديا بأنها «فاشية جديدة» و«جماعة كراهية». ◄ أعمال شغب أحداث 6 يناير 2021 فى الكابيتول: وصفتها جروكيبيديا بأنها «أعمال شغب»، وتبنّت روايات تدعم نظرية مؤامرة تزعم وجود «محو ديموغرافى متعمّد للبيض» فى الغرب، وهى فكرة أدانها خبراء باعتبارها ادعاءً عنصريًا لا أساس له. إدانة دونالد ترامب: ركزت جروكيبيديا على أن الحكم صدر «فى منطقة ذات أغلبية ديمقراطية»، دون الإشارة إلى الجدل حول تضارب المصالح، مثل حصول القاضى على رحلة من قطر، أو ارتباطات عائلة ترامب بأنشطة العملات المشفرة. ولذلك يحذر الخبراء من أن المشروع قد يتحول إلى أداة دعائية ضخمة فى يد أصحاب النفوذ، فى ظل غياب آليات دقيقة للمراجعة والتحقق. وبدورها قامت ويكيبيديا بالرد على المشروع ببرود لافت، إذ قالت مؤسسة ويكيبيديا فى بيان: «نقاط قوة ويكيبيديا واضحة. لدينا سياسات شفافة، وإشراف دقيق من المتطوعين، وثقافة راسخة للتحسين المستمر. ويكيبيديا موسوعة مكتوبة لإعلام مليارات القراء دون الترويج لرأى سياسى بعينه». أما شركة xAI التابعة لماسك، فلم تستجب لطلبات صحيفة «الجارديان» للتعليق.