أُثَمِّن العبارة التى وَجَّهها الرئيس للدُعاة فى الأكاديمية العسكرية يوم الأربعاء الماضى: «كونوا حُراسًا للحرية»، فهى تعكس جوهر التوجه الذى يعمل الرئيس على ترسيخه منذ سنوات، المتمثل فى دعم خطاب دينى مستنير، والحد من مظاهر الجمود والتخلف الفكرى، بما يساهم فى تعزيز الوعى وإرساء بيئة أكثر انفتاحًا وتقدمًا. لم يكن حديثه تكرارًا لعبارات مُعتادة عن تجديد الخطاب الديني، وبدا وكأنه يُعيد رسم الدور الحقيقى للعلماء والدُعاة فى مجتمع يتغير بسرعة، لترسيم علاقة أكثر توازنًا بين الإيمان والمعرفة، وبين الثوابت والتطور، وتحاول بعض الأصوات المتطرفة أن تكبله بقيود التجميد.. ومنذ تولى الرئيس المسئولية، لم تفُت مناسبة إلا ودعا فيها إلى تجديد الخطاب الديني، ليس بمعناه التقليدي، بل بتعميق الفهم وإعادة وصل الدين بالإنسان وليس انتزاعه منه، فالأديان تدعو جميعها إلى الاحترام المُتبادل وحُسن التعامل، لكن النفس البشرية قد تنحرف عن مقاصد الدين الحقيقية وتخرج عن سُنن الوجود، وهنا يجيء التشديد على ضرورة بناء وعى دينى قادر على توجيه الفرد نحو الأخلاق والمسئولية، دون أن يوقعه فى أسر التَشدّد أو التفريط. وفى تحليل خطابات الرئيس، تظهر محطة مركزية، هى أن تجديد الخطاب الدينى ضرورة وجودية، لمواجهة التطرف وتقويم المفاهيم المغلوطة، واستعادة الصورة الحقيقية للدين الذى يُكَرِّم الإنسان ويُعَلِّى العقل ويحتضن التنوع.. تجديد لا يصنعه الهواة أو المدعون بل دُعاة مستنيرون أغنياء بالمعرفة، واسعو الأفق، قادرون على قراءة تحديات العصر دون خوف، وأمناء على الدين والوطن معًا. ويشدد الرئيس دائمًا على أن الوعظ وحده لا يكفى، وأن الكلمة إن لم يصحبها مثال حى فإن أثرها يظل محدودًا، والداعية فى رؤيته يجب أن يكون نموذجًا فى الصدق والمعاملة الحسنة، وفى القدرة على إحداث أثر سلوكى عند الناس، لا مجرد أثر لغوى على المنابر. الداعية الحق كما يراه الرئيس يجب أن يكون حارسًا للحق إمامًا للتنوير، وإن أخطر ما فى التطرف ليس فقط فكره، بل قدرته على مصادرة حق الإنسان فى الاختيار، والداعية ليس حارسًا للنصوص فحسب بل للحرية ذاتها، الحرية التى منحها الله للإنسان كى يختار طريقه فى الإيمان، وتقديم إجاباتٍ رقيقة ورحيمة وموضوعية لمواجهة الإلحاد، ومعالجة الأسئلة الصعبة دون توتر أو قسوة. وفى رؤيته لدور المؤسسات الدينية، يركز الرئيس على تحويل المساجد إلى مناراتٍ تعليمية وثقافية، لا مجرد أماكن للعبادة، فبناء الإنسان المصرى يحتاج خطابًا يراعى العقل والوجدان، ويرتقى بالوعى العام. لا مساس بثوابت الدين، لكن الفقه بمرونته قابل للنقاش، وقادر على استيعاب تطورات العصر، وهذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة هو ما يضمن بقاء الدين حيًا وفاعلًا، ويحفظ للغة العربية مكانتها كوعاء للهوية. فى المحصلة.. كانت رسالة الرئيس للدعاة مزدوجة: أن الدين ليس سجنًا يُقَيِّد الحرية بل فضاء يفتحها، وأن الداعية الذى يفهم عصره ويصون قيمه، هو الحارس الحقيقى للدين وللحرية.