هل يقدر أبنائى بعد أن يكبروا كل ما أفعله من أجلهم؟ سؤال أسمعه كثيراً من الأمهات تسأله خاصة من يهبن كل حياتهن لأولادهن. أمهات جيلى، وهن يختلفن عن أمهات اليوم، كانت الأم لا تفكر أبداً فى مقابل ما تعطيه لأبنائها. كانت تتعامل معهم بفطرة الأم التى خلقها الله. وكان الابن العاق وحده هو الذى يتنكر لوالديه، وكانت أغلبية الأبناء والبنات يبرون أمهاتهم وآباءهم. سمعت - فى السبعينيات -عن فتاة فى السابعة عشرة من عمرها، كان شعرها أسود طويلاً وجميلاً جداً مثل الخيل. احتاجت أمها لإجراء عملية جراحية. فكرت الأم فى أن تبيع ذهبها، ولكن الأسرة رفضت أن تقوم بهذه التضحية. ذهبت الابنة إلى الكوافير، وباعت له شعرها بالمبلغ المطلوب لإجراء عملية الأم. عادت إلى أمها ضاحكة وقالت: وجدت حلاً للمشكلة، بعت شعرى ليصنعوا منه باروكة، فبكت الأم وقالت لها الابنة: إننى أجمل وشعرى قصير. عرفت ابنة كرست حياتها لخدمة أبيها المشلول والاهتمام به.. وبعد أن رحل التحقت بوظيفة لتنفق على إخواتها الستة. لم تتزوج حتى تخرجوا جميعاً، وقبلت التضحية راضية معتبرة أنها بنّت ست ناطحات سحاب. طالب فى السنة الثانية فى كلية الطب، ضحى بدراسته، وعمل فى توصيل الطلبات، ليعالج أباه من مرض ، تكلفة علاجه فوق طاقته، وبعد سنتين شُفى الأب وعاد الابن إلى كليته، وأتم دراسته.. وأصبح طبيباً ناجحاً. وشاب آخر لم يتردد فى التبرع بكليته لوالده دون علم الأب، وأجُريت الجراحة فى أحد مستشفيات أمريكا ونُقلت كلية الابن إلى الأب، وعندما استيقظ الأب من المخدر قال له الأطباء إنهم نقلوا إليه كلية ابنه، فراح فى غيبوبة كاملة لمدة ثلاثة أشهر! عرفت ثلاثة إخوة كانوا طلبة فى كليات مختلفة. مرضت أمهم ولم يملكوا ثمن العلاج. تركوا كلياتهم: عمل الأول نقاشاً والثانى كهربائياً والثالث عامل تركيب رخام. استطاعوا أن يوفروا مصروفات علاج الأم وجازاهم الله خيراً ، فشُفيت أمهم ولكنهم لم لم يعودوا إلى كلياتهم ونبغوا فى أعمالهم وأصبحوا من أغنى الناس. صحيح الدنيا تغيرت.. والحياة أصبحت أصعب على الأجيال الجديدة، لكنى أتصور أن العلاقة القوية الحميمة التى تقوم على الرحمة والعطاء والحنان بين الآباء والأبناء، تولد مشاعر قوية لا تضعف أو تفتر مهما كانت الظروف. يا ليت آباء اليوم يقدرون هذه العلاقات الثمينة ويهتمون بتوطيدها.. لأنها فى النهاية ستعود بالسعادة وراحة البال والاستقرار على جميع أفراد الأسرة. الحب المُتبادل يولد التضحية والعطاء.