في الأعماق الهادئة لمقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون، وبين جدرانٍ تشبعت برائحة الزيوت المقدسة والأسرار التي لم تُبح إلا بعد آلاف السنين، كان يرقد أثر صغير لا يلفت النظر لأول وهلة، لكنه يحمل في داخله سرًا أعظم من الذهب، وأثمن من العرش، وأعمق من أي قطعة وجدت في المقبرة كلها. كان هذا الأثر هو الجعران القلبي، التميمة السحرية التي وضعها المحنّطون فوق جسد الملك الشاب وهي تحمل له وعدًا أبديًا بالحماية والبعث والخلود، لم يكن الجعران مجرد تميمة، بل كان قلبًا بديلًا، وضميرًا صامتًا، وجسرًا بين عالمين؛ عالم عاشه الملك لبضع سنوات، وعالم آخر كان عليه أن يخطو إليه كملك خالد لا يموت. اقرأ أيضا | إسلام الكتاتني يكتب: عاش وزير توت عنخ آمون «3» حين اكتشف هيوارد كارتر المقبرة في عام 1922، تكدّست الأنظار على القناع الذهبي والعرش والعربة الملكية وتماثيل الآلهة، لكن أحدًا لم يتوقف أمام الجعران القلبي، لأنه بدا صغيرًا مقارنة بالكنوز، إلا أن ما خُفي كان أعظم. فعلى اللوح الذهبي الذي حُمِل عليه الجعران ظهرت نقوش دقيقة تمتلئ بالحكم والتعاويذ، وكأنها لغة سرية لا تُقرأ إلا بالعين الروحية، كان الجعران مصنوعًا من راتنج أسود داكن اللون، لامع مثل حجر صلد خرج من أعماق الأرض ليحمي الملك من فتن الحياة الأخرى، وقد وُضع بحزام ذهبي عند موضع السرة، ذلك الموضع الذي يحمل في ذاكرة الجسد معنى الأصل والبداية والخلق الأول. لكن ما يميز هذا الجعران ليس شكله فقط، بل ما حمله من رموز تتجاوز حدود الزخرفة إلى معنى الحياة نفسها، فعلى ظهره نقش المحنّطون طائر البنّو، طائر الميلاد الأول، ذلك المخلوق الإلهي الذي خرج من مياه نون، ووقف فوق تلة الوجود الأول ليعلن ولادة العالم. زجاج متعدد الألوان صُهر بدقة مذهلة ليشكّل ريش البنّو في تدرجات روحانية تذكّر بشروق الشمس على مياه النيل. البنّو لم يوضع على الجعران صدفة، بل لأنه رمز التحوّل والتجدد والانبعاث، كان توت عنخ آمون، عبر هذه التميمة، يستعد لأن يصبح جزءًا من دورة الكون، وأن يعود للحياة كما تعود الشمس في كل صباح. وفي مقدمة الجعران بُدت عين غريبة الملامح، ليست عين حورس التي يعرفها الجميع، بل عين أخرى تُعرف في النصوص القديمة باسم عين كاير، عين منفتحة لا تنام، قادرة على رؤية كل ما يمر به القلب في رحلته، تحرس، وتراقب، وتُبعد الشر، وتمنع الأرواح المظلمة من الاقتراب، وتُذكّر القلب بأن يقول ما هو حق، تلك العين كانت بالنسبة للملك مرشدًا في العالم الآخر، ورفيقًا في معبر الظلمات، لأنها لا ترى الضوء فقط، بل ترى الحقيقة. ولفهم معنى الجعران القلبي، لا بد أن نعود قليلًا إلى فلسفة المصري القديم عن القلب. في هذا العالم الروحي، كان القلب هو مركز المعرفة، ومقر الضمير، ووعاء النوايا، ودفتر أعمال الإنسان. لم يكن الدماغ ذا قيمة تُذكر كما نراه اليوم؛ بل كان القلب هو القاضي والشاهد، وكان الخوف الأكبر أن يواجه القلب صاحبه يوم الحساب ويشهد عليه بما لا يُرضي الآلهة، في قاعة الحقيقة حيث يجلس أوزير، يضع الميت قلبه على ميزان تتوازن كفَّتاه بين القلب وريشة ماعت، رمز العدالة. إن ثقلت أعماله سقط في العدم، وإن خفت ارتقى إلى الخلود، من هنا جاءت أهمية الجعران القلبي، فهو الحارس الذي يجعل القلب صامتًا حين ينبغي عليه الصمت، ومنسجمًا مع روح صاحبه حين تنطق الحقيقة. وقد نُقشت على ظهر الجعران تعويذة شهيرة من كتاب الموتى، تقول للملك: "يا قلبي الذي في صدري، لا تقف شاهدًا ضدي، ولا تقل ما لا ينبغي أن يقال في محكمة الآلهة، ولا تمِل بكفة الميزان، فأنا أحد أبنائك، وأنت ملك عليّ ما حييت" . كانت هذه التعويذة بمثابة عقد سماوي بين الجسد والروح، بين القلب وصاحبه، بين الملك وعالم الحقيقة. ومع أن الجعران يحمل كل هذه الرموز، فإنه لم يكن مجرد تميمة، بل كان آلة سحرية متكاملة، قادرة كما آمن المصريون على إعادة خلق القلب نفسه. فقد اعتقدوا أن الجعران يستطيع أن يمنح المتوفى قلبًا جديدًا إذا أصيب قلبه الحقيقي أثناء الحياة أو لم يكن طاهرًا بما يكفي، وهذا الأمر بالغ الدقة في حالة توت عنخ آمون، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أنه كان يعاني أمراضًا عديدة أثّرت في جسده، ولذلك، ربما كان المحنّطون يضعون هذا الجعران كبديل عن القلب، ليحمل للملك صفاءً جديدًا. ولم يكن البنّو على ظهر الجعران رمزًا جماليًا فحسب، بل كان وعدًا بالبعث. فالبنّو، بحسب الأساطير، هو بع رع، أو الروح الشمسية التي تشرق كل يوم من رحم الليل، عندما ينهض البنّو من رماده، فهو لا يعود لنفس الحياة، بل لحياة أسمى. ومن خلال هذا الرمز، اكتسب الملك فرصة ليعود إلى الحياة مرة بعد أخرى، كما تعود الشمس في كل صباح، وبذلك، يصبح الملك ذاته "بع رع"، الروح المتجددة التي تقود الموتى الصالحين وترشدهم عبر الظلمات. كان هذا الجعران أيضًا نقطة الاتصال بين العالم الأرضي والعالم السماوي، فهو يحمي الملك في محكمة أوزير، ويمنحه القدرة على تحويل روحه إلى با قادرة على الطيران فوق قبره، والعودة إلى جسده كل ليلة. كما يمكّنه من أن يصبح كا متجددة تستقبل القرابين وتستمد قوتها من صلوات الأحياء، إنه جهاز روحي متكامل، يجمع بين ما هو مادي وما هو سماوي، بين الجسد والروح، بين الحياة والموت. وعندما ننتقل في الزمن إلى ما بعد اكتشاف المقبرة، ونرى الجعران يعرض اليوم في المتحف المصري الكبير، نجد أنه أدهش العلماء كما أدهش الزوار. فمن خلال الفحص العلمي، تبين أن الجعران صُنع بمهارة مذهلة، وأن المواد المستخدمة فيه كانت مختارة بعناية، وأن النقوش التي على ظهره ليست مجرد كلمات بل صيغ قدسية دقيقة. في قاعة العرض المخصصة لتوت عنخ آمون، يقف الجعران تحت إضاءة هادئة تسلط الضوء على انحناءات ظهره، وعلى زجاج البنّو الملون، وعلى العين التي لا تنام، في هذه القاعة، يشعر الزائر أن الجعران ليس قطعة أثرية من الماضي، بل ينبض بروح لا تزال حيّة. ورغم أن القناع الذهبي للملك يأسر الأنظار، فإن الجعران القلبي له تأثير مختلف؛ تأثير داخلي عميق، يجعل الزائر يتوقف قليلًا ليفكر في معنى الرحلة التي خاضها المصري القديم، وفي فلسفة لم تَرَ في الموت نهاية بل تحولًا، يخبر الجعران الزائر أن المصري القديم لم يكن منشغلًا بالذهب والقصور، بل كان يفكر فيما سيحدث بعد أن تنطفئ أنفاسه الأخيرة. كان يعدّ روحه كما يعدّ جسده، ويبني لنفسه بيتًا أبديًا كما يبني بيتًا في الدنيا. ولعل أجمل ما في الجعران أنه يُظهر الجانب الإنساني لتوت عنخ آمون، نحن نعرفه ملكًا، وقائدًا، وفتيًا على العرش، لكن الجعران يعرّفنا عليه كشخص يخشى الحساب، ويسعى للنجاة، ويريد أن يعود للحياة، إنه تذكير بأن الملك الذي عاش بين الذهب كان مثل أي إنسان يحمل قلبًا يخاف ويأمل ويتطلع إلى الخلود. ولأن المصري القديم آمن بأن الروح لا تُبعث إلا إذا تعرفت على جسد صاحبها، فإن الجعران تضمّن نصوصًا تساعد الملك على تذكر اسمه، وعلى أن يستيقظ من نومه الأبدي حين يحين الوقت، وهكذا يصبح الجعران كتابًا مصغرًا، وسجلًا مقدسًا، ومفتاحًا يُفتح به باب العالم الآخر. ومما يزيد الجعران سحرًا أن العلماء يعتقدون أن الملك كان يحمل تمائم أخرى على جسده، لكن الجعران القلبي كان هو التميمة الكبرى، التميمة التي تسبق الجميع، لأنها تتعامل مع القلب، مركز الحياة، لذلك وضعها المحنّطون في موضع دقيق للغاية قرب السرة، لأنها في فلسفتهم نقطة لقاء الطاقة الإلهية بالجسد. يخرج الزائر من قاعة العرض وهو يحمل سؤالًا بسيطًا: لماذا يؤثر هذا الجعران فينا رغم مرور آلاف السنين؟ ربما لأن الإنسان مهما تغيرت العصور يشترك في المخاوف ذاتها. الخوف من المجهول. الخوف من النهاية، البحث عن معنى، والسعي للخلود، سواء بعمل صالح أو علم أو ذكر حسن أو رمز صغير مثل هذا الجعران. إن الجعران القلبي لتوت عنخ آمون ليس قطعة من الماضي، بل مرآة تعكس رحلة الإنسان نفسه، رحلة يسعى فيها إلى النجاة من ظلام لا يعرفه، والوصول إلى نور يطمئن إليه. وفي كل مرة ينظر الزائر إلى عيني الجعران، يشعر بأن هناك حارسًا لا يزال يراقب الملك، لا يزال يؤنسه، لا يزال يفتح له الطريق. وهكذا، تظل هذه القطعة الصغيرة، مهما صغر حجمها، رمزًا لقلب ملك لم يُرِد أن يتوقف عن الخفقان، وقصة روح تبحث عن حياة لا تنتهي، فالجعران كان وعدًا بالعودة، وبأن الملك سيستيقظ يومًا ليقود الأرواح الطيبة كما وعدته نقوش البنّو، وفي ذلك الوعد، يكمن سر خلود الحضارة المصرية التي لم تمت، ولن تموت، لأنها آمنت بأن الإنسان أكبر من زمنه، وأعمق من جسده، وأبقى من موته.