رغم الظروف القاسية ما زالت أم هاجر أجمل ضحكة في شبين الكوم؛ امرأة حملت على كتفيها همّ بيتٍ كامل، ووقفت في محل المكوى الذي كان يومًا ملكًا لزوجها، لتُصبح أول مكوجية في شبين الكوم، وأيقونة صمود يعرفها كل من مرّ من أمام محلها الصغير أمام مسجد الرؤوف الرحيم. لم تكن تتخيل يومًا أن تصبح هي "سيدة المكوى"، لكنها وجدت نفسها فجأة في مواجهة الحياة وحدها بعد رحيل زوجها. رحيلٌ لم يأخذ شريكًا فقط، بل أخذ معها سندًا كان يشاركها العمل حين يزدحم المحل وتكثر الطلبات. ومع ذلك، لم تسمح للحزن أن يفرد ظله على بيتها؛ فقد أمسكت بالمكواة، ووقفت مكان زوجها، وقالت لنفسها: "لازم أكمل علشان ولادي". أم هاجر أم لثلاثة أطفال، هاجر، طالبة الثانوية العامة التي تحلم بدخول كلية الطب... محمد، الطالب في الثانوي التجاري وذراع أمه اليوم... وزينب، أصغرهم، تفتح عينيها كل صباح على أم تكافح من أجل مستقبلهم. تفتح أم هاجر محلها في السادسة والنصف صباحًا، وتُغلقه في الحادية عشرة والنصف ليلًا. ساعات طويلة لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الحقيقية. لكنها تعترف أن الجسد لم يعد كما كان؛ فحادثٌ مؤلم أصاب يدها وأفقدها قدرتها على الإغلاق، وزادها مرض السكّر تعبًا فوق تعب. ومع ذلك، كان محمد ابنها يقف بجوارها بعد المدرسة، يكمل عنها حين تنهكها الوجع، فيتحول الصبي الصغير إلى رجل البيت دون أن يطلب أحد منه ذلك. "مش مهم أتعب... المهم ولادي" هكذا تقول أم هاجر بابتسامتها التي لا تفارقها. أيام كثيرة لا يدخل عليها جنيه واحد، ومع ذلك ترفض أن تمد يدها لأحد. تكتفي بالدعاء: "ربنا يسترها معايا ويرزقني من رزق ولادي". الحياة لم تنصفها كثيرًا؛ فهي تعيش في غرفة واحدة مع أولادها، والحمّام مشترك مع أهل زوجها. ومع كل هذه التفاصيل التي تكسر القلب، تظل أم هاجر صاحبة أخف دم في الشارع؛ تضحك مع الزبائن، تهوّن على كل من يدخل لها، كأنها هي التي تحتاج أن تواسي الآخرين لا العكس. تكوي القطعة ب7 جنيهات فقط؛ "مش عايزة أتقل على حد"، تقولها بثبات امرأة تعرف أن كرمها هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الظروف أن تنتزعه منها. ومن يعرفها يدرك أن قلبها قطعة نور، وأنها واحدة من الناس الذين يتركون في الروح أثرًا جميلًا لا يُنسى. محلها الصغير في شبين الكوم، أمام مسجد الرؤوف الرحيم، بعد مديرية الأمن وقبل المحكمة، صار عنوانًا للصبر وكرامة الكفاح. ومن يستطيع أن يكون سببًا في رزقها فليكن، ومن لا يستطيع... فتكفيها كلمة طيبة تحمل لها دعمًا وتُخبرها أن الدنيا ما زال فيها خير. أم هاجر... امرأة تكوي الملابس، لكن الحياة لم تستطع يومًا أن تكوي قلبها. اقرأ أيضًا| محافظ المنوفية يوقع بروتوكول تعاون مع شركة الغازات البترولية " بتروجاس"