بعد نحو 4 سنوات من اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية فى 24 فبراير 2022، تتجه الأزمة نحو مرحلة سياسية وعسكرية جديدة قد تعيد صياغة مستقبل المنطقة. ورغم أن مواقف الدول تبدّلت مع تغيّر مصالحها، فإن روسيا وحدها ظلت ثابتة على أهدافها، مستندة إلى قوتها العسكرية وقدرتها على تحمّل الحصار الاقتصادى والعقوبات الممتدة منذ بداية الحرب. هذا الثبات خلق واقعًا جديدًا باتت أطراف عدة مضطرة إلى التعامل معه، سواء رضيت أو رفضت. وعند مراجعة المشهد الأوروبى اليوم، يتضح أن الحماسة الأولى لدعم كييف -التى كانت فى بدايات الحرب تُقدَّم كقضية وجود بالنسبة للغرب- قد بدأت تخفت تدريجيًا. فالتكلفة الاقتصادية الثقيلة، وأزمة الطاقة، عوامل دفعت العواصم الأوروبية إلى خطاب أكثر هدوءًا وحذرًا. وفى المقابل، تبدو أوكرانيا متعبة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وهو ما جعل خطابها الرسمى أقرب إلى قبول حلول لم تكن مطروحة قبل سنوات. أما الولاياتالمتحدة، فقد انتقلت من نهج الدعم المفتوح فى عهد بايدن إلى نهج أكثر براجماتية فى عهد ترامب، الذى قدّم خطة من 28 بندًا لإنهاء الحرب. وتكشف المسودة التى اطّلعت عليها وسائل إعلام أمريكية وأوروبية عن تنازلات كبيرة من الجانب الأوكرانى، أبرزها الاعتراف العملى بسيطرة روسيا على القرم وأقاليم دونباس، وتجميد خطوط التماس فى خيرسون وزابوريزهيا، ووضع محطة زابوريزهيا النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع تقاسم إنتاجها بين الطرفين. كذلك تدعو الخطة إلى خفض الجيش الأوكرانى إلى 600 ألف جندى ومنع انضمام كييف إلى الناتو مقابل «ضمانات أمنية» غير محددة. هذه البنود مجتمعة لا تعكس انتصارًا أوكرانيًا، بل تعكس واقعًا جديدًا فرضته توازنات القوة وتراجع اندفاع الغرب. فالدعم المالى والعسكرى الضخم الذى وُعدت به كييف لم يغير مسار الحرب، ومع امتداد النزاع بدأت الدول الداعمة تعيد حساباتها، بينما وجدت أوكرانيا نفسها أمام مسار تفاوضى أقل كثيرًا مما كانت تطالب به فى بداية الصراع. وتظل الخلاصة واضحة: الدول التى لا تمتلك جيشًا قويًا قادرًا على الردع، ولا إدارة تمتلك رؤية حكيمة، تجد نفسها مضطرة لقبول حلول تُفرض عليها. فالعالم لا تحكمه العواطف، بل تحكمه القوة، ومن لا يحمى وطنه بقوة السلاح وبُعد النظر قد يُفرض عليه ما لا يريد.