كان أستاذنا الراحل الكاتب الكبير وجيه أبوذكرى يحكى لنا عن زميل دفعته الذى كان من المتفوقين طوال سنوات الدراسة وصار مديراً لمكتب الأخبار فى إحدى المحافظات ويستطرد أستاذنا قائلاً التفوق الدراسى ليس معياراً للنجاح فى الحياة فهو مثل البون الشاسع الذى يتحقق كثيراً بين النظرية والتطبيق، ففى مجال الصحافة مثلاً ليس شرطاً أن تكون متفوقاً دراسياً محققاً أعلى الدرجات على أقرانك وأن تكون فى نفس الوقت صحفياً له اسمه يتردد بين القراء وينتظرون بشغف ما يسطره فى مقاله يومياً كان أم أسبوعياً. هذا الدرس من الأستاذ وجيه يطل بظلاله كلما وجدت مثلاً طبيباً أستاذاً بالجامعة ينتظر المرضى دورهم لدى عيادته بالشهور وآخر من أقرانه قضى عمره فى دهاليز مستشفيات وزارة الصحة وربما وصل إلى منصب وكيل وزارة وخرج على المعاش وكل ما حصله من مكافأة نهاية الخدمة لا يقارن بأضعاف ما حصل عليه زميل له فى الثانوية ظل يرسب فى سنوات الدراسة حتى التحق بهيئة مثل كهربة الريف. فى مهنتنا يغلب الأسلوب الأكاديمى على العديد من أعضاء هيئة التدريس الذين سلكوا طريق التفوق حتى تبوأوا مناصبهم بداية من معيد إلى أن وصل إلى عمادة الكلية. قليل من هؤلاء رغم أنه «فى أقسام الصحافة مثلاً» يقوم بتدريس الخبر وإجابته على أسئلة خمس قد لا يتمكن من صياغة خبر كما يصيغه من بحث عن فرصة تدريب من العام الدراسى الأول فى كلية الإعلام فالتحق بجريدة يومية عاصر فيها أجيالاً مختلفة فاكتسب الخبرة التى أهلته لتثبيت قدميه فى المهنة. وحتى هؤلاء الذين صاروا صحفيين أعضاء نقابة فمنهم من يتميز بصفات شخصية تمكنه من اكتساب المصادر والانفراد بالأخبار التى يقدمها للدسك المركزى فى الصحيفة أو ما نطلق عليه «المطبخ الصحفي» ليضعه فى قالب الخبر الصحفى كما يجب أن يكون. أتذكر تمثيلية تليفزيونية للأديب الكبير نجيب محفوظ بطولة سميحة أيوب وعبدالله غيث، التى ذهبت إلى الحى القديم التى كانت تسكن فيه تبحث عن زملاء الدراسة وبخاصة الزميل الذى كان الأول على الفصل دائماً لتفاجأ به على القهوة يلعب الطاولة مع أصدقاء بسطاء للغاية لتنقلب صورة الطالب المتفوق 180 درجة أمام عينيها. ونفس المعنى قدمه أيضاً محفوظ فى تمثيلية «صورة قديمة» حيث وقعت عينا الصحفى عماد حمدى على صورة له من أيام الدراسة فبدأ رحلة البحث عن أقرانه فى الصورة من أجل تحقيق صحفى جديد فى فكرته ليفاجأ بالطالب المتفوق وقام بدوره «شفيق نور الدين» الذى لم يتذكره يرجوه أن يتدخل باعتباره صحفياً لإنصافه فى مساره الوظيفى بعد أن ظلموه ولم يحصل على الدرجة المستحقة. الخلاصة: الدراسة مسار والحياة مسار آخر مختلف تماماً إلا من رحم ربى وجمع بين الحسنيين التفوق الدراسى والتفوق فى الحياة.