يوسف فؤاد - «يا دين أمى على حظنا» قالها كتوثيق لمرحلة لا كصيغة اعتراض، كان يقف أمام فاترينة ضخمة منتشياً بأول قبض له بعد تخرجه بأربع سنوات ومع علمه بأنه لا يملك إلا القليل انتصرت عليه أحلامه الصغيرة والكثيرة بل وتجرأت أن تجبره على الذهاب لكى يحقق حلماً واحداً فقط منها وهو ببساطة شراء شىء جديد ولا يهم ما هو الشىء الجديد لأنه وجده على أى حال ضعف مرتبه مرتين، مرتبه الذى كان يظن فيه أولى خطوات انتشاله من الضياع لم يشعر تجاهه الآن إلا كخطوة أولى لقصقصة أحلامه على مقاسه، وهو مقاس ضيق وشديد البخل لذا فعليه لا تحقيق أحلامه بل تشذيبها وقص أطرافها التى تريد الطيران وجعلها متواضعة قنوعة وواقعية وفورا تخلى عن ذلك الشىء الذى سيبتلع مجهود ثلاثة أشهر من العمل الجاد دون أن يترك له حق مواصلاته حتى، وأخذ يبحث عن غيره بتواضع أكثر. ولكن غيره سيكتفى بعمل شهرين فقط لذا فهو ما زال بعيدا عنه ظل ما يقرب من الساعة واقفا يقوم بعمليات حسابية ليست معقدة بمقاييس العالم ولكنها طموحة جدا بالنسبة له ومستعينا ببعض الفيديوهات على النت التى تقدم محتوى مقارناً للسلع من أجل الفقراء لكى ينفقوا أقل القليل أرهقه التفكير والوقوف فقرر أن يجلس على مقهى ليكثف بحثه بتركيز أكبر. وكان المقهى قريباً من تمثال طلعت حرب الشامخ صاحب أول بنك وطنى أصيل ظل يبحث ويحلل ويحسب ويقارن كما لو كان على مشارف اتخاذ قرار مصيرى ولكنه لم ينجح فى النهاية إلى الاهتداء لصفقة تناسبه وفجأة خطرت فى باله فكرة التقسيط، نعم لِمَ لا يُقسّط؟! إنه حل مناسب لوضعه ولكن هذا يعتمد على المكان الذى سيشترى منه فبعد أن شرب قهوته ألقى التحية على طلعت حرب ثم رجع للمحل منتشيا مرة أخرى بحل أزمته كأنه أول من اكتشف نظام التقسيط دخل بخطوات واثقة وذهب لأحد العاملين يسأله مباشرة عن السلعة التى يريد شراءها دون أى سؤال آخر جلب له العامل السلعة وقال له سعرها الذى يعرفه وهنا فقط كشف صديقنا عن خطته بأنه سيشترى بنظام التقسيط وبتهذيب قال له العامل إن المبلغ سيتضاعف بنسبة محددة اعتمادًا على عدد شهور التقسيط سقطت هذه التفصيلة البديهية منه كما سقط غيرها ولكنه ابتلع الصدمة التى لن تكون الأخيرة حيث فاجأه العامل بأنه لا بد أن يكون موظفا حكوميا لكى يستطيع التقسيط وهو شرط لا ينطبق عليه. وهكذا وبكل بساطة ماتت فكرة التقسيط فى مهدها. خرج مجددا ووقف أمام الفاترينة وراودته فكرة أنه يقترب من التخلى عن أحلامه سواء كانت صغيرة أو كبيرة وليس فقط تشذيبها عاود التفكير بحثا عن حل ومُر اليأس يتكون فى حلقه بالتدريج فكر للحظات فى حل الاستدانة ولكنها لا تختلف كثيرا عن التقسيط، صحيح أنها بدون فائدة ولكن بها ما هو أشد على النفس أحيانا وهو خجل السؤال إن لم يكن ذله فقرر الرحيل. سار فى الشوارع بدون وجهة ضحكات الناس لا تُخطئها العين وصوت الأغانى لا مهرب منه وطوابير البشر لجلب كل شىء تافه لا تنتهى كما لو أنه الفقير الوحيد فى مدينة من الأثرياء، التعيس فى عالم سعيد، أزعجته كثيرا مظاهر البهجة غير المبررة فى الشارع آه.. تذكر أنها ليلة رأس السنة ها هو سبب منطقى على الأقل ولكن على أى شىء يحتفل الناس يبدو له كأنهم منساقون للسعادة.. سعادة؟ بدت كلمة غريبة على وضع البلد ربما هم منساقون للتظاهر بها. لم تعد هذه المدينة تخفى عورتها لم تعد تخجل منها وعورتها فى هذه اللحظات هى ضحكها يبدو الضحك كأعضائنا الجنسية بالضبط لا يجوز استخدامها إلا فى الوقت الشرعى وإن حدث فى وقت آخر يصير الأمر عارا وفُجرا. وهكذا بغتة يتبدل الضحك فى عينه الآن، هذا الضحك وهذا الحال يمثلا علاقة غير شرعية لا جدال. صار صخب الشارع مزعجا للغاية كان يريد فى هذه اللحظات أن يرى اليأس مجسدا كان يريد أن يتوهم على الأقل أن العالم حزين من أجله لماذا كل هذا الحزن؟ لا يجد تفسيرا لحزنه كما لا يجد تفسيرا لبهجة من حوله لا تكفى سلعة لا يستطيع شراءها لتبرير هذا الانطفاء كما لا يكفى انتهاء آخر يوم فى آخر شهر فى السنة لتبرير كل تلك النشوة خليط من التعاسة والبهجة بدون معنى. لم يستطع منع نفسه بالوقوف مجددا أمام محل آخر لسلعة أخرى فى شارع آخر ووحدها الأسعار بقيت كما هى: عصية عليه. من بعيد رأى لافتة كبيرة تعلن عن خصومات كبيرة، لم يستطع المقاومة فذهب وراءها لعل فى الأمر جديدا، مسكين.. ما زال يؤمن بحظه اليوم، تأثير استلام مُرتب بعد طول انتظار له نتائج تتفوق على المخدرات لا يفعل المرتب عندما يُسلم لأحدهم كما يفعل مع الفقير على أى حال بدأ يستكشف حقيقة الخصم فهو وإن كان يرفض فكرة الاستدانة ولا تنطبق عليه قواعد التقسيط لم يتبقَ له من عوامل المساعدة إلا الخصومات كانت أرقام النسب المئوية للخصومات مغرية كما أن السلع متنوعة. الازدحام على عكس المتوقع لم يكن خانقا، يبدو الأمر مثاليا لكنه لن ينخدع هذه المرة بسهولة وبدأ يفتش عن «الخازوق» الجديد. خبرة ثلاث ساعات فى الشارع مع أول مرتب لا مثيل لها، إنها تفتح للعقل رؤى جديدة وتحطم القلب أيضا ودفعة واحدة وأول ما لاحظه أنه داخل سنتر تسويقى ضخم لا يدرى كيف وصل له، يبدو أنه ابتعد عن وسط البلد ولكنه ما زال فى محيطها قطعا لاحظ أيضا أن أغلب المحيطين به من الرجال يرتدون جلبابا وعقالا! كيف وصل هذا العدد الكبير من الخلايجة إلى هنا؟ تأكد أنه ما زال فى بلده.. نعم كانت خيبة أمله وهلعه كافيان لكى يجعلاه يظن ولو للحظة أنه خرج من البلد ولم يدرِ هل عليه أن يبتهج لذلك أم يبتئس! على أى حال لم يجعل له الواقع احتمالا سوى أن يشعر بالثانية لم يكن فى الأمر سحر ولا لغز لأنه عندما استفسر من أحد العاملين عن طبيعة الخصومات وجد أنها مرتبطة بفيزا كارد بنك محدد ينتمى لبلاد البترول وهو الذى لا يملك واحدا سواء مرتبطاً بتلك البلاد أو غيرها. لم يحزن. لا يرتقى الخبر لكى يزيد من أحزانه واليوم بالتحديد هنيئا للخصومات لمن لا يحتاجها وهنيئا للتقسيط لمن لم يستطع قص أحلامه. خرج من السنتر وأخذ ينظر له من بعيد بخفة من تخلص من أى حُلم صغيرًا كان أو كبيرا. تحرك فى الشارع كريشة طائرة لا من السعادة بل لسُخف حزنه وبجاحة الواقع. وما إن رأى من بعيد محلات جديدة وسلعا جديدة وعروضا أجدد وقف فجأة كمن اكتشف سر الحياة وبنبرة صادقة تنم عن إشفاق على النفس قال: «يا دين أمى على حظنا» قالها كتوثيق لمرحلة لا كصيغة اعتراض، خرجت منه بعد تفكير عميق وليس بشكل عفوى كالعادة، كزفرة يأس وككلمات أخيرة لمفكر عميق. برغم ركاكة كلماتها إلا أنه لم يجد سواها فى قاموسه الشخصى كأصدق ما يقول فى تلك اللحظة. كأقصر كم ممكن من الكلمات لكى تعبِّر عنه وكأسرع سلاح يوجهه لعدو لا يراه، عدو يفتك به من الداخل كما لو أن العالم سينصلح بيأسه والوضع سينعدل باعتراضه.. قالها وهو يهز رأسه ببطء يمينا ويسارا كمشهد سينمائى لا جمهور له وكرد اعتبار لكرامته التى أُهدِرت بينه وبين نفسه بعد كل هذا التفكير وكل تلك الحلول وكل هذا الوقت. لو أن العالم كله حاول إقناعه بالأمس أنه سيشعر بهذا الضياع بسبب سلعة لا يستطيع شراءها لن يصدقه. ذلك لأنه شعر فى أعماقه لا بعدم القدرة على الشراء هُنا والآن بل بفقد قدرة التجرؤ مجددًا على الحلم فى أى وقت.