حاولتُ التسلل عدة مرات إلى عالم ابنى، فضولى - وليس تطفُلى - هو الذى قادنى لذلك، ربما من باب رغبتى فى دراسة «سلوكيات الغرام». الحياة داخل «فاترينة»! الأحد: إنه ليل القاهرة من جديد، ينْقل لأهل المدينة حيرته بين فصلين متداخلين، لا نعرف هل نحن أمام حرٍ يحتضر، أم برودة تراود خريفنا عن نفسه! الأغنيات تتابع من «راديو» فى مقهى تقليدى، لا يزال صامدًا أمام زحف شاشات ضخمة احتلت أماكن شبيهة، اختارت أن تهجر ماضيها قسريًا، وتتحول إلى «كافيهات». ربما تكون الأخيرة أكثر إبهارًا، غير أنها أقل جاذبية بالنسبة لى، تمامًا كالمطاعم المغلّفة بزجاج يجعلنى أعيش إحساس سلعة فى «فاترينة» عرض. المقاهى تتصل مباشرة بشوارعها، والعابرون الراغبون فى تأمل الجالسين سيفعلون ذلك فى كل الأحوال، لكن الحواجز الزجاجية وحدها تنقل لى ذلك الشعور الغريب. أتأمل بنايات باب اللوق العتيقة، وكالعادة تسلبنى الذكريات تفاعلى مع ما يدور فى محيطى. أرى نفسى طفلًا أمسك بيد والدى رحمه الله، نمضى لقضاء حاجاتٍ لا أذكرها. أتوقف فى مكانى أمام «فاترينة» تعرض كتبًا، يبتسم أبى ويستجيب لرغبتى دون أن أتكلّم، ندخل لشراء قصص كامل الكيلانى، وأخرى مُصوّرة تضم حكايات مُترجمة. أتعجّل العودة إلى البيت كى أغرق فى مساحات الخيال، وأضيق بدقائق مستقطعة للحصول على رُبع كيلو بُن من محل ذائع الصيت. وقتها كانت القهوة بنظرى مشروبًا غير مستساغ، ومع التقدم فى السن أدمنتُ مرارته. الآن تخترق الرائحة أنفى من المحل نفسه، بينما تنساب كلمات الأغنية الشهيرة لتغطّى على صخب السيارات العابرة، وهدير أخبارٍ دموية صبغتْ ساعات اليوم بكآبتها. يكسر صوت فايزة أحمد حزن المجازر العابر للحدود، بشجن رومانسى ولسان حاله يقول: فداونى بالتى هى الداء. «أنا قلبى إليك ميال.. ومفيش غيرك ع البال». أشعر بخطر الغرق فى بحر الذكريات، لأنه يُمكن أن يُنسينى موعد الطبيب، فيسلب من عُمرى ساعة انتظارٍ إضافية على الأقل. ألقى نظرة على الساعة فى هاتفى المحمول. لا يزال هناك وقت يكفى للتنظير، يُمكن أن أفكر مثلًا فى انتهاء زمن «الساعات»، التى أصبحت بضاعة بائرة، بعد أن كانت يومًا من أساسيات الأناقة، وقد أستغرق فى الحديث عن فرحتى بأول ساعة ارتديتُها، والانتقال بعد ذلك من مرحلة «العقارب» إلى مستوى أكثر جاذبية، عندما أغوتنى جاذبية أصناف رقمية تمتلك مزايا أخرى، تتجاوز حدود حسابات الزمن. «وبحبك قد عينيا.. حتى أكتر منها شوية». يبدو أن الذكريات تتنازع علىّ، هكذا تقتحم الأغنية أفكارى وتنقلها إلى مدارٍ آخر. قررتُ أن أتولى تحديد مصير الوقت المتبقى بنفسى، وفتحتُ الهاتف طالبًا اللجوء إلى «تيك توك»! عازف على أوتار القلب اليوم نفسه بعد دقائق: طبيب بمزايا فريدة، لجأتُ إليه ليساعدنى فى حصار مرض السُكر، بعد أن نصحنى أصدقاءٌ بزيارته، ذهبتُ فقط من قبيل تأدية الواجب تجاه صحتى. أعرف أن المشكلة ليست فى المرض بل فى شخصيتى. عندما علمتُ قبل سنوات أننى مصاب به، استجبتُ لنصائح المُجرّبين بأن أصادقه، التزمتُ بذلك عدة شهور ثم زاد ارتباطنا، لكننا أصبحنا بمثابة أصدقاء السوء، رضيتُ بوجوده ولم أعد أهتم بترويضه، وانتقد أطباء عديدون استهتارى. كلما زادتْ جُرعة التحذيرات أقوم بتغيير الطبيب، إلى أن التقيتُ الدكتور رضا عامر، أحسستُ بارتياح نفسيٍ كل زيارة، وأدرك هو أنه لا فائدة من نصائح لن أنفذها، وهكذا اكتفى بفحصى وارتضيتُ بقدرى. نتحدث قليلًا عن الحالة الصحية، وطويلًا عن التاريخ والفن، فالرجل عازف عودٍ ماهر، لمس أوتار شغفى بتلك الآلة الساحرة. قبل أعوام سعيتُ لتعلّم العزف عليها، لا أذكر لماذا توقفت، لكنى فكّرتُ فى تعويض ما فاتنى، واشتريتُ عودًا لابنى، واشتركتُ له فى دورة لتعليم العزف. تحمّس لأسابيع ثم انتقل العود إلى رُكنٍ بالمنزل، واختفى بعدها فى مكانٍ لا أعرفه. أتفحص فيديوهات الدكتور رضا على «تيك توك»، أبحث عن شيء محدد. أخيرًا وجدته، ها هو يعزف أغنية «أنا قلبى إليك ميال»، يتوقف ليحكى قصتها ثم يُدندن، أرفع الصوت كى يتغلب على ضجيج البشر، و«خبطات قواشيط» لعبة الطاولة. يذكر الدكتور رضا أن محمد حسن الشجاعى كان مشرفًا على النشاط الغنائى فى الإذاعة، اتسم بالصرامة ووضع نظامًا يجعله المسيطر على مراحل إنتاج أى أغنية، فعندما يتقدم المؤلف بكلماته للإذاعة، يتولى الشجاعى بنفسه مهمة اختيار المطرب والملحن، اللذين يرى أنهما أكثر ملاءمة لأدائها. قرأ الشجاعى كلمات مرسى جميل عزيز، وقرّر أن الثنائى الأنسب لها، هما محمد الموجى وزوجته المطربة أحلام، التى اكتسبت فى تلك الفترة شهرة كبيرة، بأغنيتها «يا عطارين دلونى، الصبر فين أراضيه». يبدو أن أحلام وقتها شعرت بنشوة انتشار، يمنحها الحق فى إملاء شروطها الفنية. طلبتْ من زوجها إجراء تعديلات على اللحن، فذهب إلى الشجاعى منفعلًا، وطلب تغيير المطربة! حدث ذلك فى وجود فايزة أحمد، التى كانتْ تفكّر فى العودة إلى الشام، بعد أن قدّمت أغنياتٍ قليلة لم تُتوج بالشهرة، وأحسّت أن حلمها بالانتشار من القاهرة لن يتحقق. طلب الشجاعى سماع اللحن، وأعجبتْ به فايزة إعجابًا شديدًا، ودندنتها بصوتها وبالفعل أصبحت الأغنية من نصيبها، وفتحتْ لها بوابة الشهرة. أنهى الدكتور رضا الحكاية، وانطلق صوته: «واسألها انت وحلّفها.. على طول هتقول لك هى، إنت وبس اللى حبيبى، ومفيش غيرك ع البال». إدمان الشجن! بعد ساعة أخرى: لماذا كل هذا القدْر من الشجن فى أغنية عاطفية لا تتحدث عن نار الهجر؟ أتساءل متعجبًا من طبيعة شخصيتنا الشرقية، الأكثر ميلًا إلى الحزن، حتى لحظات السعادة تُصيبنا بالقلق من مستقبل غامض يُهدد استمراريتها. هل تنجذب بالفعل سمات الشرقيين إلى الكآبة بدرجاتها المتفاوتة؟ أم أنها خصائص جيلٍ عاش أحداثًا تفوق قدرته على الاحتمال؟ أتذكر أن جدتى رحمها الله كثيرًا ما أذابت قلبى بدمعاتها الصامتة كل عيد أم، وهى تسمع أغنية «ست الحبايب»، برّرت لى ذلك بحنينها لأمها، ولم أستوعب الأمر فى سنى الصغيرة، لأننى لم أكُن قد ذقتُ طعم الفقد. أتفهم الآن ذلك، وأستوعب كآبة الألحان فى أغنيات يعبر فيها الحبيب عن لوعة الهجر، غير أننى لا أجد تبريرًا للحنٍ حزين، بينما تخاطب الحبيبة بطل حكايتها معبرة عن هيامها به، دون أى إشارات توحى بأنه ينوى الفرار من قلبها. والأكثر غرابة أن اللحن يجعلنى أهيم وجدًا، رغم إحساسى بأنه لا يتناسب مع الحالة الشعورية للكلمات. يبدو أنها جينات الوجع اللذيذ تنتقل من جيل إلى جيل. العبارة الأخيرة مجرد تنظير آخر لا يعتمد على المنطق، فأنا لا أعرف كيف يُدير الجيل الجديد شئون مشاعره، حاولتُ التسلل عدة مرات إلى عالم ابنى، فضولى - وليس تطفُلى - هو الذى قادنى لذلك، ربما من باب رغبتى فى دراسة «سلوكيات الغرام»، غالبًا يرد بكلماتٍ مبهمة، لا أعرف هل يتلاعب بى أم أنه يستخدم لغة لا أتقنها بسبب فروق التوقيت. ربما يكون الشباب أكثر واقعية، وقد يتحمل إحساسنا المتزايد بوحشية عالمنا مسئولية شجننا المزمن. يعلو صوت مذيع النشرة متحدثًا عن مجازر جديدة. أنتبه إلى أننى غبتُ عن الواقع أكثر مما ينبغى، أنظر إلى الهاتف وأنتفض، لقد تجاوزتُ موعدى المحدد مع الطبيب بنصف ساعة، أطلب الحساب وأنطلق باتجاه العيادة، من داخل إحدى السيارات تنبعث أغنية أخرى، أصالتها تُجبرنى على إلقاء نظرة على السائق، أعتقد أنه فى مثل عمرى. «أهواك فى قربك وفْبعدك.. واشتاق لوصلك وارضى جفاك.. وان غبت احافظ على عهدك.. وافضل على ودى ويّاك». أحمد الله أننى لستُ الوحيد الذى يعيش فى أسْر الماضى. أجلس وسط زحام العيادة، وأشغل تفكيرى باستحضار ذكريات مزمنة، خلال الوقت المستقطع لانتظار دورى.