أحببتُها من طرف واحد. لم تُبادلنى الاهتمام، وأخلفتْ موعدها معى أكثر من مرة، ورغم ذلك بقيتُ أتابع أخبارها عن بُعدٍ، على أمل أن يستجيب القدر، ويكتب لنا لقاءً، أتمتع فيه بمعانقة تفاصيل فتنتْنى عبر الصور والشاشات. إنها بيروت. فى طفولتي، كانت الدراما اللبنانية ضيفاً دائماً على التليفزيون الجزائري، الذى يذيع مسلسلاً لبنانياً بالتبادل مع آخر مصري. أتابع مسلسلاتنا بشغف يليق بانتمائى وغربتي، وتفتح الأعمال اللبنانية أمامى أبواب خيال لانهائي. مع الوقت أصبحتُ عاشقاً لبلد الأرز، أتابع أخباره فى نشرات الأخبار، دون أن أفهم فى تلك السن المبكرة كواليس أزماته المستمرة، ثم لعب الفن دوره من جديد. كنتُ أسيراً للطرب المصري، أتتبع خطاه بين الإذاعات المختلفة. ذات يوم قلبتُ المؤشر لينساب صوت فيروز: «يا مرسال المراسيل»، فتداخلتْ فضاءات «الضيعة القريبة» مع مساحات وجدانى الخاص. حلّقتْ بى فى أفقٍ أكثر اتساعاً، زاده حضوراً فيما بعد، بريق دور النشر اللبنانية بما تحمله لنا من كنوز. تذكرتُ الآن أن قلبى خفق بالحب منذ زمن أكثر عمقاً، عندما عرفتُ طريق مجلات أطفالٍ مُترجمة تأتينا من بيروت، مثل «سوبرمان» و«بونانزا» و«الوطواط» و«لولو الصغيرة». تاريخ الهوى الممتد يجعل جرعة الأسى مضاعفة، تتصاعد مع متابعة «وطاويط» عدوٍ غادر، وهى تلتهم أكثر من «ضيعة»، وتسعى للحُكم بالضياع على أرضٍ طالما احتفت بالجمال، لكننى أتذكر دائماً أن البلد الصغير استطاع أكثر من مرة أن يستعيد توازنه، متجاوزاً أزمات حاصرتْه على مدار عقود طويلة. الدموع فرْض عين، أو بتعبير أدق هى إحساس إنسانى طبيعي، فلا توجد قوة تستطيع فرض الحُزن بالإكراه، لأنه يتفجر بالجُملة فى أى قلب نابض، توجعه صور ضحايا البربرية الحديثة. غير أن دروس التاريخ تجعلنى متأكداً، أن لبنان سيستعيد مكانته على خارطة ينابيع البهجة، وحتى يتحقق ذلك سأغنى مع فيروز:«بحبك يا لبنان».