قبل عام, في25( فبراير), التحق العراقيون بركب الربيع العربي. قبل ذلك بأشهر خرج التوانسة والمصريون والليبيون عازمين علي اقتلاع الدكتاتورية: إسقاط النظام. أما العراقيون فقد كان خروجهم للمطالبة بجوهر الديمقراطية: الحقوق والحريات. كل التظاهرات حققت غايتها إلا العراقية. فهل نجحت انتفاضة شعب وفشلت انتفاضة شعب آخر؟ أم نجح الاسقاط وفشل الاصلاح؟ ثمة عيب كامن في التظاهرات العراقية أعاقها عن تحقيق غاياتها. البعض فسر أسباب الفشل بنظرية مفادها أن التركيبة الطائفية, للأحزاب والمجتمع العراقيين, تعيق حركة الساعين للتغيير, وبالتالي تسحب الحماس منهم شيئا فشيئا. لكن هناك نظرية أخري, لعلها جديرة بالنظر, تفسر خفوت التظاهرات العراقية, وفي الوقت ذاته قد تفتح الباب علي أمل في تغيير لا يشترط أن تسبقه تحولات فكرية في المجتمع تلغي, أو تخفف, من الطائفية. سأسميها نظرية' الحجر الكبير'. في رواية' ليون الأفريقي' لأمين معلوف لم يفكر' حسن الوزان' بغير القتل لانقاذ أخته من مستبد: إنهاء الظالم وتنتهي المشكلة. وفي القصة العراقية لم يفكر المتظاهرون بغير القضاء علي الطائفية والفساد المالي وبؤس الخدمات لانقاذ وطن: إنهاء الظلم وتنتهي المشكلة. لكن' هارون', صديق حسن في الرواية, يعترض علي هذه الطريقة في التفكير:'حجرك كبير جدا'. من يرفع حجرا كبيرا ليصوبه نحو هدف, فإنه في لا شعوره لا ينوي قذفه. إنه يريد فقط أن' يشعر بثقل ما في يديه العاريتين', برأي هاون. وأن رماه فسيتهاوي تحت قدميه. حجر العراقيين الأول كان: لا.. للطائفية أرادوا إنهاء نزعة بشرية! وهذه النزعة تمتد جذورها, في تاريخ العراق, أكثر من ألف سنة. الحجر الثاني كان: لا.. للفساد المالي. والفساد في العراق اتخذ شكل' نظام لا مركزي'. لا رأس له تضربه فتستريح. أما الحجر الثالث فكان: لا.. لسوء الخدمات, الذي هو فتي الفساد المدلل. الشعارات التي رفعها العراقيون, ليست كبيرة فقط, بل أنها, برأي هارون,' أحجار بحجم مئذنة'. كان علي العراقيين أن يخففوا ثقل أحجارهم بتحديد مطالب عملية قابلة للتنفيذ في زمن معقول. نجح المطالبون بالاسقاط في كل بلدان الربيع العربي, لأنهم قالوا: ارحل, ولم يقولوا: لا.. للدكتاتورية. و'ارحل' هذا مطلب عملي. قد يطول الوقت حتي يتحقق, وقد لا تأتي هذه اللحظة أبدا, لكن مجرد شعور الشعب بأنها قد تباغته في أية ساعة, اليوم أو غدا أو بعد عام, يمده بالحماس المطلوب للاستمرار. لكن لا أحد يتخيل أن يكتب الفساد, في لحظة ما, بيانا يعلن فيه التنحي. ولا أن تهرب الطائفية بطائرة لتطلب اللجوء السياسي في دولة أخري. فبأي أمل يسقي العراقيون أحلامهم التي ذبلت تحت نصب الحرية وهم يعلمون أن الحجارة الكبيرة التي رموها لن تبلغ مداها أبدا. الشعوب التي تعيش مرحلة إسقاط دكتاتور محظوظة. أو بالاصح' نحسها' مؤجل حتي تبدأ مرحلة الاصلاح. السبب بسيط. فرغم أن الدكتاتورية نظام حكم بهيكل ضخم ومتشعب لكنه مركزي. وإنه في النهاية مجسد في شخص واحد. لذلك لا حاجة إلي الكثير من النقاشات والتفكير لترجمة الحجر الكبير( لا.. للدكتاتورية) إلي آخر صغير( ارحل). الترجمة تمت في اللا وعي الجمعي دون أي مجهود. لكن ولو بعد سنوات كل شعوب الربيع قد تواجه المعضلة ذاتها. الكل سيحتار بترجمة' لا.. للاستسلام السياسي' و' لا.. للعصبية للقبلية' و' لا.. لظلم الأقليات' إلي مطالب قابلة للتحقيق. كل' التفلسف' الذي سبق, يستوجب طرح نموذج لحجر عراقي صغير يرمي فيصيب: المطالبة بقانون انتخابات جديد يصغر الدوائر الانتخابية, ويجعلها بحجم الأحياء السكنية لا المحافظات, ويخصص لكل دائرة مقعدا واحدا يتنافس علي شغله أفراد لا قوائم. قانون قد يحول نظر الناخب نحو قبلة أخري. الناس سيصوتون لانسان, لا لأيدولوجيا أو هدية. إنسان لن يتماهي شخصه بالكامل ببطاقة تعريفه المذهبية والعرقية والحزبية. فمدينة تلعفر التركمانية, مثلا, والتابعة للموصل ذات الأغلبية العربية, سيكون لها مقعد خاص بها تفكر في أكفأ من يشغله, لا أن يشغله تركماني وكفي. وهكذا ستفعل الكاظمية والأعظمية ببغداد. تمثيل المكونات العراقية سيحقق كتحصيل حاصل. وحتي الأحياء المختلطة, ما الضير إن مثلها نائب شيعي أو سني أو مسيحي, أن كانت' الاقلية' و' الأغلبية' ستنعمان بكهرباء وصلت الحي بفعل الضغط علي ممثلهما الوحيد في البرلمان؟ أكثر من ثلاثمائة نائب لا يخشون غضبة أكثر من ثلاثين مليون مواطن. لكن أيا منهم سيخشي مئة ألف. البرلمان يضغط علي الحكومة فتهل الخدمات. من جانب آخر, لن تشكل مطالبة المحتجين, تهديدا مباشرا لأحزاب السلطة. ستهدد فقط حشوهم القوائم الانتخابية بمن هب ودب. ستهدد لا مبالاتهم بالناس, لا أكثر, مما يجعل إستجابتهم لمطالب المحتجين أمرا لا يهدد أصل وجودهم في السلطة. ليس صعبا أن تستعين النخب المثقفة بالعراق, ومنهم قادة في التظاهرات, بخبرات المختصين من بينهم وحولهم لصياغة القانون الجديد بعدها يمكن للعراقيين أن يتظاهروا ويعتصموا ويحتجوا, وقد يقدمون ضحايا ويطول وقوفهم في الساحات, لكن حلما صغيرا سيمدهم بالزخم: خبر عاجل علي الفضائيات وبخط أحمر: البرلمان يستجيب للمتظاهرين ويقر قانونا جديدا للانتخابات قد يغير وجه الدولة العراقية. كاتبة عراقية