أشار لي وتحدث بصوت غير واضح وسألني عن عنوان مدرسة فاقتربت منه وقلت: إيه.. فزاد من مضغ حروفه أكثر وكرر عبارته غير المفهومة حتي وصلت إلي باب السيارة المفتوح وكان يجلس بداخلها. وفوجئت به يضع يده علي فمي وعينيه يطير منهما الشرر وهو يقول بصوت كالفحيح إن فتحت فمك سأذبحك, وظهرت بيده الأخري مطواة فحاولت أن أصرخ فداس علي قدمي بقوة فتألمت وشل لساني من الرعب. هكذا بدأ يوسف ذو الثماني سنوات حديثه للأهرام المسائي وهو يروي تفاصيل اختطافه علي يد5 من الأشقياء بعد أن تمكنت مباحث المقطم من الايقاع بهم واعادت البسمة إليه وإلي أسرته. وعاد يوسف يتحدث تراقبه عيون عمه وأبيه وأمه وشقيقه التوأم وزميلي المصور وخفت صوته وهو يستعيد لحظات الألم الصعبة علي عمره الصغير وهو يقول: انطلقت بنا السيارة مسرعة وحاولت أن أتلفت يميني أو خلفي لمعرفة إلي أين تتجه, ولكن عيني اصطدمت بوجه عاطف الذي كان يقود السيارة وبعين أحمد حسن النارية وتذكرت تهديده بقطع رقبتي, فثبت نظري إلي الأمام ولذت بالصمت, حتي وصلت بنا السيارة إلي مكان يشبه العشة واستقبلنا شخص ضخم الجثة ذو بشرة سمراء, صرخ فيه عاطف السائق قائلا إن شقيقة أحد أصدقائه تجري عملية وتركت طفلها بصحبته وغمر بعينيه نحوي وكنت أتحاشي نظراته وعلمت أن عماد صاحب المكان الذي نحن فيه هو شقيقي عاطف وهما اللذان دبرا قصة اختطافي منذ البداية مع أحمد حسن الذي جذبني لركوب السيارة من أمام حديقة منزلنا بمنطقة الهضبة الوسطي بالمقطم, وعلمت أن نصيبه كان5 آلاف جنيه ودوره استدراجي لخطفي في السيارة وكان معهما شخص ثالث راقب لهما الطريق, ومنذ أن تيقنت أني بعيدا عن أسرتي وأخوي عافت نفسي الطعام وأصبت بالعطش الشديد طوال الوقت. وسكت يوسف ونظر إلي من حوله وردد: كنت عارف أنهم سيقتلونني ولن أعود إلي أمي أو إلي البيت. حتي عندما ضغطوا علي ليسمع عمي صوتي في الهاتف أثناء مفاوضات المساومة علي الفدية كنت أجلس علي مقعد متأهبا للجري أو القفز في أي وقت ولكني خشيت ان حاولت ذلك أن يقتولني في أي لحظة. يخرج صوت يوسف متقطعا يعلوه الشهقات وهو يتذكر قائلا لا أنسي في اليوم الأخير قبل أن تصل الشرطة إلي مكان احتجازي لاحظت أن مفتاح الحجرة تركه أحدهم علي أحد المقاعد وظللت انظر إلي المفتاح فترة من الوقت وأحسب في ذهني كيف أقفز وأفتح الباب وأطير إلي الخارج.. ولكن أحدهم نهرني وقفز يخطف المفتاح قائلا لا تفكر إذا حاولت.. وأشار علي رقبته بكفه بعلامة الذبح فالتصقت بمقعدي ونزلت دموعي.. وفي الساعات الأخيرة صحبني أحدهم إلي المقهي.. وطلب لي شاي ولكني أصررت علي شرب عصير.. وفجأة اقترب مني شاب أبيض البشرة وحاول احتضاني فتملصت منه ولكنه أمسك بي برفق واقترب هامسا لا تخشي شيئا إحنا حكومة فقلت له أنا أسمي يوسف عادل ومخطوف يا عمو والناس دول هيقتلوني فرد باسما أنا اسمي بيومي من قسم شرطة المقطم ولا تخف سنعيدك إلي أهلك, وكان يقف بجواره زميله وابتسم قائلا: وانا محيي من القسم لا تخف, ولاحظت أن رجالا كثيرين يحيطون بمن يجلس معي من العصابة ويحيطون بالمقهي فاطمأننت إليه. ويستكمل الطفل ذو الثماني سنوات روايته سلم علي شخص آخر وقبل رأسي وتضاحك معي وأمسك بيدي ولاحظت أن زملاؤه يحترمونه ويسمعون كلامه ومشي معي وركبت معه سيارة الشرطة وظل يخفف من رعبي طوال الطريق وعلمت أن أسمه أحمد هدية رئيس مباحث المقطم. يلتقط الحديث عادل مصطفي سيد نصر والد يوسف35 سنة صاحب شركة استيراد والمقيم بمنطقة الهضبة الوسطي بالمقطم, وتملأ البهجة وجهه وهو يقول: منذ اللحظات الأولي ساورني احساس داخلي أن المجرمين لن يفلحوا في غيهم وأن ابني سيعود إلي لأني لم أؤذ انسان في حياتي وأتحدث بالنعم عن طريق الاحسان إلي غيري باستمرار ولكن ثقة رئيس مباحث المقطم منذ اللحظة الأولي وطريقة حديثه كانت دافعا قويا لرفع معنوياتي خاصة وأنه أتبع ذلك بتخطيط كيف يرد أخي الذي بدأ المختطفون الاتصال والمساومة معه علي مبلغ الفدية الذي بدأه بنصف مليون جنيه, وكان رئيس المباحث يعيد ويؤكد أكثر من مرة علي نص ردود أخي علي مكالمات المساومين وكيف نراوغهم ويصمت الأب ويحيط كفيه بوجهه وتتجمع دموع الشكر لله في عينيه في عرفان بالفضل قائلا: أحمد الله واشكر فضله أن رد لي نجلي بعد60 ساعة قضيتها في صحبة رجال المباحث الذين كانوا لي أكثر من الأخوة وأشهد الله أن عبارات سنعيد اليك ابنك.. ولا تخف احنا اللي هنسلمك ابنك كانت بردا وسلاما علي أعصابنا خاصة وأن شقيقه التوأم أدهم كان في حالة يرثي لها, وأمه كانت لا تفارق الأدعية والتوسل إلي الله لعودة فلذة كبدنا. وابتسم الأب من جديد وهو يقول: عندما وصل خبر القبض علي آخر فرد من الخاطفين وبصحبته يوسف وهما جالسان علي أحد المقاهي.. اندهشت.. للغاية عندما شاهدت ضباط المباحث وأفراد الشرطة والأمناء يهنئون أنفسهم ويتبادلون القبلات بشكل مليئ بالعاطفة وكأن الطفل ابنهم وعاد إليهم, وبالرغم من أن الخاطفين تنقلوا لأكثر من ثلاثة أماكن واشترك5 منهم في التمويه وتهريب ابني لأكثر من مكان إلا أن براعة الشرطة في الايقاع بهم مجتمعين في وقت واحد من دون أن يعلم أحدهم الآخر بالايقاع به. روحي كانت خارج جسدي ولم أنم مطلقا ولم يهدأ أي هاتف بالبيت وكنت أثق في ذكاء يوسف أنه سيتصرف بحكمة ويجنب نفسه المخاطر ولكني كنت سأجن كلما مرت ساعة خاصة بعد مساومتهم حتي وصل المبلغ إلي300 ألف جنيه ثم بدأ المبلغ يقل فعلمت أنهم فقدوا أعصابهم فزاد توتري, هكذا بدأت أم يوسف حديثها في صوت ملئ بانفعالات مختلطة من الفرح والحزن والحيرة والدهشة واستكملت بصوت يشوبه اللهفة كانت عبارات الثقة من رجال المباحث مطمئنة إلي حد كبير ولكني كنت أثق في الله تعالي أنه لن يخذلني أو يخذل من سهر معنا ولم ينم وعلمت أن10 من أفراد الشرطة السريين ومثلهم من أمناء الشرطة كانوا من ضمن فريق البحث الذي واصل الليل بالنهار حتي أدخلوا البهجة الينا وعادوا بنجلي سليما ولا أملك إلا شكر الله وشكرهم. وكان قسم شرطة المقطم قد تلقي بلاغا من عادل مصطفي صاحب شركة استيراد بتغيب نجله يوسف8 سنوات أثناء تواجده أمام مسكنه, وبعد فترة تلقي شقيقه محمد اتصالا هاتفيا يفيد باختطاف المجني عليه وطلب مبلغ مالي500 ألف جنيه كفدية لاطلاق سراحه, وباخطار اللواء جمال عبد العال مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة, أمر بتشكيل فريق بحث للتوصل إلي مرتكبي الحادث في أسرع وقت حفاظاعلي حياة الصغير, وتحرك فريق البحث باشراف العميد عصام سعد مدير إدارة المباحث الجنائية وقيادة العميد ناصر حسن رئيس مباحث قطاع الجنوب, وضم الفريق العقيد هشام محمد مفتش مباحث فرقة مصر القديمة, والرائد أحمد هاشم هدية رئيس وحدة مباحث قسم شرطة المقطم, والرائد شادي محمد الشاهد, والنقيب عمر فاروق, والملازم أول محمود السيد سالم الضباط بوحدة مباحث قسم شرطة المقطم. وأسفرت عمليات البحث إلي تحديد شخصيات الجناة وهم عاطف22 سنة سائق حفار ومقيم بالمقطم, ومحمود22 سنة مبيض محارة ومقيم بحلوان, تم اعداد عدة كمائن بأكثر من منطقة, وأمكن ضبطهما وبمواجتهما اعترفا بارتكابهما لواقعة, وقررا انهما لعلمهما بثراء والد المجني عليه خططا لخطف نجله وإعادته نظير مبلغ مالي وقاما باستئجار سيارة من أحد المعارض بمنطقة حلوان, ويوم الواقعة توجها إلي مسكن الطفل وأثناء مشاهدتهما له أمام منزله, قاما باستدراجه ووضع أحدهما يده علي فمه ووضعوه داخل السيارة وانطلقا هاربين, وأقر المتهمان انهما استعانا بكل من عماد كامل30 سنة مبيض محارة ومقيم بمدينة العبور بالقليوبية, ومحمود رزق19 سنة عامل ومقيم بمنطقة حلوان, ومحمد علي21 سنة عامل ومقيم بمنطقة حدائق حلوان لمساعدتهما في اخفاء وترحيل الطفل إلي أكثر من مكان حتي يصعب علي رجال الشرطة الوصول إليهم ولتضليل المتتبعين لخط سير السيارة خشية أن يكون قد شوهدوا أثناء الاختطاف, ونجح ضباط المباحث من الوصول إلي المتهم الخامس وبصحبته الطفل اثناء انتظاره شريكهم المتهم الثالث بأحد المقاهي في منطقة حلوان, وذلك لنقله إلي مدينة العبور. واعترف كل من الثالث والرابع والخامس أنهم علموا بثراء والد المجني عليه عن طريق أحد الخفراء الذي يخفر عقارا بجوار محل سكن أهل المجني عليه. تمر محضر بالواقعة وبإخطار اللواء أسامة الصغير مساعد أول الوزير لأمن القاهرة أمر باحالتهم إلي النيابة التي أمرت بحبسهم4 أيام علي ذمة التحقيق. رابط دائم :