158 طالبا أدوا امتحان الجغرافيا ورقيا بتعليم الوادي الجديد    وزير الدفاع: مستمرون بكل حسم في التصدى لأي محاولات تستهدف المساس بأمن مصر    البحرين .. قرارات ملكية جديدة بشأن مكافحة الإرهاب    سعر الذهب والدولار اليوم الاربعاء 22-05-2019 في البنوك المصرية وسعر اليورو والريال السعودي    ارتفاع جماعي لمؤشرات البورصة بمنتصف تعاملات اليوم    توريد 102.6 ألف طن قمح ل15 موقع استلام بالفيوم    مقتل 6 أشخاص وإصابة 200 آخرين في اضطرابات بأندونيسيا بعد إعلان نتيجة الانتخابات    بيان عاجل من الإمارات بشأن استهداف الحوثيين لمكة المكرمة    سفير الصين بأمريكا: إدارة ترامب سبب فشل التوصل لاتفاق فى النزاعات التجارية    الصين تحث أمريكا مجددا على توفير بيئة عادلة وغير تمييزية لشركاتها    أمير الكويت يدعو للتعامل بحكمة مع الأحداث بالمنطقة    خاص أجانب منسيون – حوار في الجول.. دي فونيه: مبوما تحدث معي عن الانضمام للأهلي فانتقلت ل إنبي    أول تعليق من هازارد بعد انضمامه ل دورتموند    أخبار الأهلي : الأهلي يكشف عن موعد أنضمام النجم القادم من ألمانيا وحالة سعد ولطفي    كريم نيدفيد يسافر إلى المانيا لاستكمال برنامجه التأهيلي    هاني العراقي يشارك في بطولتي كأس العالم وأمم أفريقيا للكرة الشاطئية    ضبط مسجل خطر مطلوب على ذمة 32 قضية بحوزته كيلو حشيش وبانجو بقنا    امتحانات الدبلومات الفنية .. ضبط تليفونات محمولة مع الطلاب بلجنة بالسيدة زينب    الأرصاد تحذر من حالة الطقس غدا: العظمى بالقاهرة 45 درجة    بعد إحالتهم للمفتي .. ننشر أسماء ال 6 متهمين في قضية لجان المقاومة الشعبية    أمن أسيوط يكشف غموض مقتل شخص بمركز أبنوب    ضبط أكاديمية تعليمية غير مرخصة لتزوير المحررات الرسمية ومنح شهادات وهمية بالغربية    أمن الغربية يكثف من جهوده لكشف غموض واقعة العثور على جثة شاب بطنطا    إليسا توضح تطورات حالتها الصحية بعد إصابتها بمرض السرطان    محافظ الإسكندرية يفتتح مهرجان اللقاء الثانى لشباب المخرجين بقصر ثقافة الأنفوشى    شاهد.. ميرهان حسين برفقة محمد ناصر من كواليس "علامة استفهام"    مجلس جامعة أسيوط يوافق على منح 121 درجة ماجستير    لأول مرة فى الوطن العربي.. نجاح تجربة "دي ام سي" فى عرض زلزال بلغة الإشارة    بسبب الحر الشديد .. الإفتاء : أكثروا من هذا الدعاء اليوم وغدًا    دراسة تربط بين توقف التنفس المؤقت أثناء النوم عند النساء وتشخيص السرطان    فى رمضان غذاؤك دواؤك    وزيرة الصحة : الحكومة المصرية تضع في مقدمة أولوياتها دعم القارة الأفريقية فى المجال الصحيث    سوهاج تعلن الطوارئ تخوفا من ارتفاع درجات الحرارة.. وتأجيل الامتحانات بكافة كليات الجامعة    شركات الاتصالات اليابانية تدرس وقف بيع هواتف "هواوى" الصينية    سر انشقاق القيادات في تنظيم الإخوان    بعد زيادة الأسعار.. تعرف على طرق ترشيد استهلاك الكهرباء المنزلية    الخطيب يهنئ فريق اليد بعد الفوز بكأس مصر    وزير الطاقة الروسي: تعاوننا مع السعودية يضمن استقرار سوق النفط    الحوثيون يقصفون الأحياء السكنية فى مديريتى الدريهمى وحيس بالحديدة    بعد تفوقها على 5 منافسين.. معلومات لا تعرفها عن جوخة الحارثى أول عربية تفوز ب مان بوكر    السعودية تعلن المشاركة في ورشة «السلام من أجل الازدهار».. وتؤكد موقفها الثابت الداعم للفلسطينيين    القضاء على مسلحين اثنين كانا يعدان لعمل إرهابي بروسيا    "العصار" يستقبل السفير العراقي بالقاهرة لبحث سبل التعاون المشترك    رئيس جامعة سوهاج يؤجل امتحانات الخميس لشدة حرارة الطقس (تفاصيل)    إحالة 223 طالبًا إلى «التأديب» في جامعة الإسكندرية بسبب الغش    بارتفاع جنيها.. أسعار الذهب اليوم الأربعاء 22 -5 -2019    دراسة: التعرض للمواد الكيميائية يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكر    أيام رمضان في التاريخ (17).. غزوة بدر    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 22-5-2019.. فيديو    حسام حسني: أحضر الماجستير في تأثير «الفرانكو آراب» على الأغنية المصرية    نجلاء بدر تقرر الانتقام من مصطفى شعبان في "أبو جبل"    تيتو جارسيا: نتقبل الانتقادات حول القائمة .. وهذه رسالتي للجماهير    الأهلي بطلا لكأس مصر لكرة اليد    بنوك استثمار: تراجع الدولار يحد من تأثير رفع الدعم عن المحروقات    وزير الأوقاف.. في ملتقي الفكر الإسلامي بالحسين:    الأسماء الحسني    الإسلام والإنسان    "الإسلام دعوة عالمية".. كتاب العقاد الذى صدر برمضان بعد وفاته فى "اقلب الصفحة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





5 مشاهد تختصر مسيرة العبقرى الهادئ
نشر في الأهرام اليومي يوم 26 - 04 - 2019


الغربية: معركة العمائم
مسقط رأس زعيم الأمة مصطفى باشا النحاس. المدينة وقراها كحال بر مصر تدين بالولاء والانتماء سياسيا إلى حزب الوفد برموزه السياسية وزعاماته التاريخية
وبها تيارات سياسية، وفكرية، وثقافية متصارعة، كنتيجة طبيعية للحراك الليبرالى الذى عاشت وتعايشت معه مصر فى تلك الفترة. أمام هذه المدينة توجد قرية صغيرة تسمى «منية سمنود» يفصلها عن مدينة «سمنود» كوبرى تم بناؤه فى عهد النحاس باشا وافتتحه الملك فاروق. فى أحد بيوت هذه القرية الصغيرة، نشبت معركة فكرية بين محمد أفندى عبدالمؤمن النقّاش وبين مجموعة من مشايخ القرية، الذين جاءوا يعلنون رفضهم التام، واعتراضهم القاطع، على تعليم بناته (أمينة الآن رئيس تحرير صحيفة الأهالى صوت حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى وزوجة الكاتب الراحل صلاح عيسى، وفريدة رئيس تحرير مجلة أدب ونقد الصادرة عن نفس الحزب وزوجة السياسى الراحل حسين عبدالرازق) تحت زعم أن البنت ليست مثل الولد. ويجب أن يتوقف مشوارها التعليمى عند المرحلة الإلزامية (الابتدائية حاليا). الخلاف اشتد، والنقاش احتد، والأصوات ارتفعت، والتوتر زاد الموقف تضاربا، وغموضا. الأب وهو مثقف مستنير يدافع بقوة. والمشايخ تهاجم، وتناور، وتفند، وتدعم رأيها بكل الحجج والبراهين. الأبناء من وراء الحجرات يتابعون الموقف فى حذر، وتوتر، وخوف.
عن هذه المعركة تتذكر فريدة النقاش قائلة: كان يوما فاصلا وحاسما بين الفكر المستنير وبين دعاة التطرف والغلو. يومها ظلت والدتى بيننا داخل حجرتها، تغلى من الغضب بسبب أبى الذى سمح لهم بالنقاش أصلا. بعد دقائق خرجت عليهم فى هجمة عنترية غير محسوبة النتائج ولقنت المشايخ وهى الأمية التى لا تقرأ ولا تكتب درسا فى عظمة الدين الإسلامى الذى جاء ليكرم الفتاة ويعطيها حقوقها كاملة غير منقوصة، ويأمرنا بالعلم، مثلما يأمرنا بالإيمان. يومها وقف «رجاء أخى الأكبر» بجوار أمه مساندا، وشارحا، وداعما، حتى حمل كل شيخ منهم عمامته ووضعها فوق رأسه ثم غادر بيتنا، غير مصحوب بالسلامات.
سمنود 1956: محطة القطار
نحن الآن بمدينة سمنود، الغربية عام 1956.على مقاعد محطة السكة الحديد يجلس الشاب «رجاء» وبجواره حقيبته السوداء الصغيرة. من بعيد تأتى أمه مسرعة لوداعه هكذا تقول فريدة النقّاش تحتضنه وهى تبكى قائلة: «يا ولدى أنت تعلم إلى أى حد نحن نعيش فى فقر واحتياج، ولقد رأيت بعينيك منذ أيام، هؤلاء الذين دخلوا علينا بيتنا دون استئذان بوصفهم مشايخ القرية وسمعت منهم رفضهم القاطع للعلم والتعليم، لذلك أرجوك يا ولدى، قبل أن أموت كانت مريضة بالكبد بسبب البلهارسيا التى نهشت جسدها الضعيف أن تهتم بتعليم نفسك، وتحصل على الشهادة العليا، وكذلك تصر على تعليم إخوتك جميعا، خاصة البنات منهم. وأن تجعل هذا حلمك، مثلما هو حلمى. وأملك مثلما هو أملى. وهدفك مثلما هو هدفى. «رجاء» يهز رأسه، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، لحظة احتضان أمه، وهى تودعه فى طريقه للمجهول، لبدء دراسته فى كلية الآداب جامعة القاهرة. وبصوت هامس يرد عليها قائلا: «حاضر يا أمه»! القطار أوشك على التحرك. الأم تودع ابنها بحرارة، ودموعها تسابق كلماتها. بعد دقائق ينطلق القطار، وبداخله يجلس الابن، بعدما وضع بجواره متعلقاته، وعلق فوق رأسه حلمه وحلم أسرته، فى أن يجد فرصة عمل، تتيح له مواصلة مشواره التعليمى، وكذلك مساعدة إخوتك فى التعليم.
القاهرة.. على مقهى انديانا
- داخل مقهى»إنديانا» بوسط القاهرة يجلس رواد المقهى. بعد دقائق يدخل زكريا الحجاوى مسرعا، يلقى التحية على عبدالقادر القط وأنور المعداوى. يجول ببصره داخل أركان المقهى، يبحث ببصره عن شاب اسمه رجاء النقّاش. عامل المقهى يجيب: «والله يا عمنا «رجاء أفندى» لم يأت هذا المساء» يهز الحجاوى رأسه ويخرج متجها إلى حارة المهدى بحى شبرا للبحث عنه. هو لا يعرف عنوانه. ظل يسأل حتى عثر عليه. بعد فترة قصيرة عاد به للمقهى. فى الطريق بدأ يحدثه عن الغد المشرق الذى ينتظر موهبته فى الثقافة والصحافة. «زكريا الحجاوى» يتحدث، ويوضح، ويبرر، ويؤكد. أما النقّاش فهو صامت يهز دماغه، فى محاولة للتغلب على أحزانه، ومتاعبه، وفقره، واحتياجه للعمل والمال حتى يساعد أسرته. على أقرب كرسى جلس وأمامه زكريا الحجاوى ثم قال: ليس هناك ما أخجل منه، إذ قلت لك، إننى إنسان من أسرة فقيرة. أبى يعمل مدرسا، وراتبه لا يتجاوز 13 جنيها فى الشهر. وأسرتنا تتكون من ثمانية إخوة وأم مريضة. ونعانى مصاعب اقتصادية شديدة. ولقد مضت علينا أوقات، كنا لا نجد فى بيتنا رغيف خبز ولا فى جيوبنا مليما. وأبى كان شاعرا ومثقفا كبيرا، لكنه قليل الحيلة إلى أبعد حد فى كسب المال، الذى تحتاجه الأسرة وفى نفس الوقت يصر وأمى بالطبع على تعليم أخواتى، لذلك أنا مهموم وحزين، وأريد العمل من أجلهم. ثم سكت واحتمى بالصمت. الحجاوى يطلب له فنجان قهوة، ويقول له: «لا تحزن، أنت موهوب يا صديقى، وغدا ينتظرك مستقبل مشرق ومبهر».
...........................
اسمه: محمد رجاء عبدالمؤمن النقّاش (ولد فى محافظة الدقهلية فى 3 سبتمبر 1934 وتوفى فى القاهرة فى 8 فبراير 2008). تخرّج فى جامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1956. عمل بعدها محررا فى مجلة روزاليوسف المصرية منذ عام 1959 حتى سنة 1961 ثم محررا أدبيا فى جريدة أخبار اليوم وجريدة الأخبار فى الفترة من عام 1961 حتى عام 1964. عمل رئيساً لتحرير مجلة الكواكب، ومجلة الهلال، ورئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة مجلة الإذاعة والتليفزيون. سافر إلى دولة قطر للعمل مديرا لتحرير جريدة الراية، ثم ترأس تحرير مجلة الدوحة التى ذاع صيتها حتى إغلاقها عام 1986.
عاد إلى مصر ليعمل كاتبا بمجلة المصور فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة الكواكب فى التسعينيات وفى السنوات الأخيرة وحتى رحيله أصبح كاتبا متفرغا بصحيفة الأهرام.

الجزائر 1966.. أغنية للثورة
« يا صديقى.
أرضنا ليست بعاقر
كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر»
كانت هذه الكلمات الغاضبة، والحاسمة، والثائرة، تساهم بقوة فى زيادة الضغط الجوى داخل طائرة الخطوط الجوية الجزائرية والتى تحمل على متنها وفدا صحفيا من الجمهورية العربية المتحدة أيام الوحدة مع سوريا وهى فى طريقها من الجزائر العاصمة متجهة لمنطقة صحراوية يستخرج منها البترول. بين الوفد يجلس محرر ثقافى شاب اسمه رجاء النقّاش. يمسك بيده صحيفة محلية ويقرأ بصوت مسموع قائلا:
« لا تقل لي:
ليتنى بائع خبز فى الجزائر
لأغنى مع ثائر
لا تقل لي:
ليتنى راعى مواشى فى اليمن
لأغنى لانتفاضات الزمن.»
تحت أبيات الشعر وجد اسم»محمود درويش» مكتوبا ببنط صغير. أغلق الصحيفة ووضعها أمامه، لحظة استعداد الطائرة للهبوط. فك رباط مقعده، وألقى ببصره خارج النافذة وهو يقول: محمود درويش شاعر ثورى عظيم، وهذا يستدعى هكذا قال لنفسه البحث والتنقيب عن شعراء الأرض المحتلة، هؤلاء الذين يقودون حركة أدبية ثورية، لها قوتها النضالية الرافضة للاحتلال والداعمة للمقاومة. وقد كان! فى هذا السياق قدم عددا من المبدعين الذين يكبره بعضهم سنا ومنهم الروائى السودانى الطيب صالح الذى أعاد اكتشاف روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» والشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى الذى كتب له مقدمة ديوانه الأول «مدينة بلا قلب» والمطربة عفاف راضى التى قدمها للوسط الغنائى وغيرهم، ليصبح رجاء واحدا من جيل العظماء فى شجرة الثقافة المصرية، ليصدق إحساس زكريا الحجاوى، ويأتى الغد المشرق كما توقع!
يناير 2007: مشهد الرحيل
نحن الآن فى حفل تكريم رجاء النقّاش. هو يجلس فى الصفوف الأمامية وسط تلاميذه ومحبيه. المرض نال منه كثيرا، لكنه ما زال يقاوم. ويبتسم، ويصافح، ويتصالح، ويتسامح مع الجميع. مسرح النقابة الآن يستعد لاستقبال كلمات الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش التى قال فيها: «عزيزى رجاء كنت وما زلت أخى الذى لم تلده أمى، منذ جئت إلى مصر، وأخذت بيدى وأدخلتنى إلى قلب القاهرة الإنسانى والثقافى. وكنت من قبل قد ساعدت جناحى على الطيران التدريجى، فعرفت قراءك عليّ، وعلى زملائى القابعين خلف الأسوار.. وعمقت إحساسنا، بأننا لم نعد معزولين عن محيطنا العربى».
..وبعد عام تقريبا من استماعه لتلك الكلمات.. مات رجاء النقّاش.. مات وهو يسامح ويتصالح مع كل الأشياء حتى مع الموت نفسه!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.