منذ مطلع 2020.. الكويت ترحل أكثر من 13 ألف مقيم    الأنبا باخوم يشارك في فعاليات اليوم التكويني بالإيبارشية البطريركية    حماية المستهلك يكشف تفاصيل إحالة 3 مدارس خاصة إلى النيابة    "الكهرباء" تكشف أسباب مد فترة تلقى طلبات العدادات الكودية    بريطانيا تستدعي سفير إيران بسبب موظفة الإغاثة المسجونة زغاري راتكليف    كذبة كبيرة .. طبيبة تفجر مفاجأة حول فوائد الثوم    توقعات بتراجع عدد ركاب مطار فرانكفورت الألماني بنسبة 30% في 2020    شاهد كيف أصبحت هامر معشوقة الملايين ..فيديو    سقوط عصابات وخارجين على القانون فى قبضة الأمن العام    فيسبوك تعلن عن زيادة الإيرادات رغم تراجع المستخدمين في أمريكا    بسبب «علامات تجارية محظورة».. ألمانيا تبدأ تحقيقًا مع «أمازون وآبل»    توقعات الأبراج وحظك اليوم الجمعة 30-10-2020 مهنيا وعاطفيا وصحيا    أرباح قياسية في الربع الثالث.. أمازون تسجل مبيعات بقيمة 96.1 مليار دولار    التعليم العالي: مصر على أهبة الاستعداد لشراء لقاح كورونا بمجرد طرحه    فيديو.. التعليم العالي: قد ترتفع إصابات كورونا في مناطق دون أخرى    وكيل تعليم الغربية ردا على إصابة معلمة بكورونا: اشتباه ولا يوجد إصابات بالمدرسة    ضبط طن دقيق وسكر وزيوت تموينية مدعمة بالفيوم    إصابة 4 أشخاص فى حادث تصادم سيارتين نقل بطريق الاوتوستراد أمام سجن طرة    ملف يلا كورة.. رياح عاتية تواجه دوري أبطال أفريقيا    شرنوبى ماعرفش يهرب من شر أبلة فاهيتا.. ويعتذر لزوجته من هذه الأغنية الصادمة    الكنيسة تهنئ سفير مصر الجديد بالولايات المتحدة بمنصبه    محافظة القاهرة: بعض المناطق فى طرة والمعصرة وصل قيمة التصالح ل50 جنيها للمتر    برلماني: المولد النبوي الشريف مناسبة عطرة للتذكير بوسطية الإسلام وتسامحه ونبذ التعصب    الاتحاد الأوروبي يخصص 220 مليون يورو لنقل مصابي كورونا    ريو دي جانيرو تلغي احتفالات كرنفال الشارع بسبب جائحة كورونا    ضحية عيد الميلاد.. مصرع شاب بطلق ناري في القليوبية    " تموين الغربية" يضبط 58 مخالفة سلع مغشوشة وفاسدة في الأسواق    مجلس الشيوخ | 6 رؤساء تعاقبوا على الغرفة الثانية للبرلمان.. تعرف عليهم    من دون الVAR.. اتحاد الكرة يعلن حكام لقاء الجونة والحرس    ليلى علوي تستعرض أناقتها بجمبسوت عمره ربع قرن .. صور    وزيرة الثقافة تشهد «أفراح القبة» في المسرح العائم    أبلة فاهيتا عن فستان شيرين رضا في "الجونة": "أم التنانين ناقص تطلع نار من بوقها"    رغم خطورة كورونا .. المسلمون الروس يحتفون بمولد النبوي في مساجد موسكو لمدح رسول الله    خاص| بطل "ستاشر" الفائز بالسعفة الذهبية يعلق: "زعقت والناس فكرتني مجنون"    ماهي أحكام تكبيرة الإحرام    التسبيح والتحميد من أسباب راحة البال    من الذي كان يحكم بين النبي وعائشة وقت الخلاف.. الإفتاء تكشف عنه    أجمل ما يقال يوم الجمعة وفضل قراءة سورة الكهف    هيثم عرابي: رمضان صبحي سيندم على قراره بمغادرة الأهلي    وكيل أري بابل يكشف سبب انتقال موكله للاسماعيلي    حجازي يتحدث عن.. عرض اتحاد جدة المفاجئ.. المشروع.. ونصيحة كهربا    كاف لمصراوي: إعلان موعد مباراتي الأبطال خلال 48 ساعة على الأكثر    الصحة تسجل 179 حالة إيجابية جديدة لفيروس كورونا.. و 13 حالة وفاة    روما يتعادل مع سيسكا صوفيا وفوز ثمين ل نابولى على سوسيداد.. فيديو    محافظ البحر الأحمر: جاهزون لاستقبال الأمطار والسيول بهذه الطريقة| فيديو    ما الفرق بين علم اليقين وعين اليقين    إسلام صادق : الزمالك يحدد مليون دولار لحسم صفقة الموسم وإبراهيم سعيد يكشف سر سقوط الزمالك امام الرجاء فى البطولة العربية    الأقدم بالشرق الأوسط وأفريقيا.. محطة سكك حديد الإسكندرية تحفة أثرية تستعيد بريقها    تعرف على أسباب تذبذب التيار الكهربائي بمنزلك.. وكيفية التعامل معه    تحويلات المصريين بالخارج تتزايد رغم التراجع عالميا.. اعرف التفاصيل    عمر ربيع ياسين: اتحاد الكرة يرفض حضور جماهير الأهلي لاحتفالية الدوري    جعفر: نجاح الزمالك فى وجود اللاعب البديل.. وأتمني إحتراف مصطفي محمد    فرنسا تكشف بعض التفاصيل حول منفذ الهجوم: لم يكن لديه سجل جنائي ومازال حيا    التعليم العراقية تعلن تخفيض المناهج وأوقات الدوام خلال العام الدراسى الجديد    «ورد».. معرض فني جديد بالهناجر الأحد    وزير النقل: هناك حوالى 50 كيلو جاهزين للتوسعة وجاري توسعتها على الطريق الدائري    «أبيض وأحمر».. إطلالات ريم سامي على «ريد كاربت» الجونة السينمائي    تعادل المقاصة والاتحاد السكندري يستعيد ذاكرة الانتصارات وهزيمة التعاون السعودي وإصابة كارتيرون بفيروس كورونا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى..
عناقيد الألم!
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 03 - 2019

قد تستغرب لقصتى، أو تتصور أننى أبالغ فى سردها، لكنى أكتبها لك كما عشتها بكل تفاصيلها، فبرغم جمالى وقدرة أسرتى المادية، والمنصب الذى شغلته، لم أتزوج، وعشت حياتى مثل الكثيرات ممن واجهتهن ظروف مماثلة بلا زوج حتى الآن، وقد تعديت سن الستين، أما السبب الرئيسى الذى جعلنى أرفض الارتباط وتكوين أسرة، هو أننى كرست حياتى لرعاية والدتى المريضة، بعد زواج أشقائى، وانفراد كل منهم بحياة مستقلة، ومنهم من سافر إلى الخارج، قاصرا علاقته بنا على الاتصالات الهاتفية، وبعد رحيلها، حل محلها أحد أشقائى بعد مرضه هو الآخر، وطلاقه زوجته التى لم تطق البقاء معه، وعشت سنوات طويلة على هذا الوضع، ولم يكن وقتها يشغلنى شىء سوى عملى، وشقيقى، وذات يوم منذ نحو ثمانى سنوات، كنت أبحث عن مبنى مناسب لكى تشتربه أختى، وهى طبيبة بالخارج، وتحويله إلى مستشفى، ولاحظت أن المبنى المواجه له، عبارة عن دار لرعاية الأيتام، فدخلتها، وتبرعت بمبلغ مالى لها، والتقيت عددا من الأطفال المقيمين بها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أتردد عليهم بصفة دورية، وأقدم لهم الطعام والحلوى، وكم كانت سعادتى، وأنا أطعمهم بيدىّ.
وفى إحدى الزيارات اقترب منى أحدهم، وطلب أن أستضيفه فى بيتى، فاستجبت له، وحرصت على اصطحابه معنا فى المواسم والأعياد، وشراء الملابس الجديدة له باستمرار، واستعنت بمدرسين خصوصيين له كانوا يجيئون إلى بيتى من أجله، وتحمّلت همّه فوق همومى، وتابعته فى كل خطواته أملا فى أن تنصلح أحواله ويكون ذا شأن كبير، فأكسب فيه ثوابا من الله، وأكون قد أديت عملا طيبا لطفل وجد نفسه بلا أبوين دون ذنب جناه، وفى زيارة إلى الدار بعد ذلك بعدة شهور، وجدته غائبا من المدرسة، فسألته عن السبب، ففاجأنى بأن مديرة الدار سحبت أوراقه من المدرسة الخاصة التى ألحقته بها، وقالت له: «كفاية تعليم لغاية كده»، وعلى الفور أخذت أوراقه، وترددت بها على الجهة المسئولة، وتمكنت بصعوبة بالغة من نقله إلى مدرسة حكومية، وكان وقتها فى الصف الثانى الإعدادى، وتوليت رعايته فى كل شئون حياته من مأكل وملبس وعلاج ودروس خصوصية حتى حصل على الشهادة الإعدادية، ثمّ ألحقته بمدرسة ثانوية، وعرفت منه أنه يعانى الأمرين مع مديرة الدار التى كانت تسخره لأداء مطالبها الخاصة بالمنزل، ووصل الأمر إلى حد أنه هدم جدارا بالشقة، وتعددت شكاوى أهل المنطقة من سوء إدارة الدار، وبالفعل نقلت الجهات المسئولة الأطفال الذين يقيمون فيها إلى دار أخرى، وكان هو أكبر الأولاد، فلم يشمله النقل، وتركوه فى الشارع، فاتصل بى مستغيثا، ومعه مسئولة من الجهة التى تتولى الإشراف على الدار، وقد طلبت منى أن يعيش معى فى المنزل بشكل مؤقت إلى حين تدبير مكان آخر له، فوافقت على طلبها، وأخذت الفتى، واعتبرته ابنى، وما قدمته له يفوق ما تقدمه الأمهات لأبنائهن.
ووسط هذه المتاعب، كان استخراج بطاقة شخصية له مأساة بكل المقاييس، فعلى مدى عام كامل، وأنا أحاول ألا يسجل فى بطاقته عبارة «مجهول النسب» لما لها من أثر قاس على النفس، وهناك قرار واضح بذلك، وأخيرا تم تسجيله تحت عبارة «يتيم الأبوين»، وسجلت عنوانه على منزلى، وبذلت معه أقصى جهد حتى التحق بالجامعة، وهو الآن طالب بالفرقة الثانية بإحدى الكليات، وقد تغيّرت طباعه كثيرا، حيث يتكلم معى بلهجة غير لائقة، ويكذب كثيرا، وسيطر عليه أصدقاء السوء، وأثّروا على سلوكه، وهو فارع الطول، ولم أعد قادرة على مواجهته، أو الحديث معه، ويشغلنى مستقبله، فمثله لابد أن يكون له مأوى خاص به، والمنزل الذى أعيش فيه خاص بالأسرة كلها، وفكرت كثيرا فى أن أشترى له شقة بالتقسيط من الشقق التى تخصصها الحكومة لذوى الحالات الصعبة، وهو بالطبع واحد من هذه الحالات، ومستعدة لأن أسدد ثمنها بالتقسيط، لكنى لم أحدثه فى ذلك، ولا يمكن أن أحرجه، أو أجرح شعوره بأى كلمة من قريب أو بعيد.
إن الهمّ يقتلنى، وأنا بلا حول ولا قوة، فماذا أفعل لكى أجد حلا لمأساة شاب وجد نفسه فى هذا الموقف؟.. إن أى تصرف غير محسوب قد يأتى بنتيجة عكسية، وأجدنى قليلة الحيلة، وكفانى وحدتى القاتلة، فبرغم أن لى أخوة وأهلا، فإننى وحدى فى كل تصرفاتى، ووجود هذا الشاب بهذا الوضع يزيدنى قلقا واضطرابا على مصيره، فبماذا تشير علينا من أجله وأجلى؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هوّنى عليك «عناقيد الألم» التى تنطق بها كل كلمة فى رسالتك، ويكفيك نقاء سريرتك، وإخلاصك وسعيك إلى فعل الخير، وإيثار الآخرين على نفسك، ولو كان بك خصاصة عملا بقول الحق تبارك وتعالى: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (الحشر: 9)، فلقد راعيت والدتك حتى رحيلها، ثم تسلمت المهمة نفسها مع أخيك حتى الآن، وزادت مسئولياتك فوق ذلك، برعاية هذا الشاب الذى ساقتك الأقدار إليه لانتشاله من براثن الضياع المؤكد وسط أطفال الشوارع، بعد إغلاق الدار، ونقل من فيها إلى دار أخرى، ولكن بدونه.. نعم إن الله كان رحيما به، فلولا ما قدمته له، وإصرارك على استمراره فى الدراسة حتى التعليم الجامعى لسقط وسط أبناء الشوارع بسبب انعدام الضمير ليس فى الدار التى كان مقيما بها فقط، وإنما أيضا لدى من أنجبه ورماه فى الشارع.
لقد أبليت بلاء حسنا معه، وعليه أن يعلم تدريجيا أن وجوده معك مؤقت، وأنه بمجرد أن يتخرج، ويتسلم عمله فى أى وظيفة ستكون مهمتك قد انتهت بالنسبة له، وأن التواصل بينكما سيظل قائما باعتبارك الأم التى ربته، وكل التقدير لك على شموله برعايتك، فكفالتك له ورعايته وإصلاح شئونه عمل خيرى؛ بل من أجلِّ الأعمال الصالحة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وليس بعد منزلة كافل اليتيم منزلة، فواصلى رسالتك معه، وأطلعيه على كل ما يخصه تدريجيا، فهذا أفضل كثيرا من مواجهته بكل شىء فجأة.. فالتهيئة لمثل هذا الأمر تضمن نتيجة طيبة، وأظنه سوف يتفهم الوضع بمرور الوقت، وسوف يشارك فى وضع الحل الملائم لمشكلته.
أما عن مسألة عدم زواجك والأسباب التى سقتيها لذلك، فأقول إن التمرد على الزواج يكتسب أنصارا جددا كل يوم، فهناك بعض الرجال والنساء يختارون العزوبية كأسلوب حياة، عوضا عن الزواج والارتباط بشريك، هربا من المسئولية والقيود وتبعات الزواج، وغير مكترثين بالتحديات التى ربما تقابلهم مثل نظرة المجتمع أو الوحدة التى قد تكون مصيرهم المحتوم يوما ما أو شعورهم بالحاجة إلى الأمومة أو الأبوة.
ولاشك أن التنامى المستمر لظاهرة تفضيل عدم الزواج يعود لعدة أسباب، أهمها: احتفاظ الشباب بمخزون من تجارب الفشل والتعاسة لنماذج المتزوجين حولهم، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن مفاهيم مثل مؤسسة الزواج والعلاقة الأسرية قد أصبحت مشوهة، فاختيار شريك الحياة لا يتم عن طريق البحث عن شخص يمكن مشاركته الحياة، وقبوله كما هو، بل عادةً ما يبحث الشخص عن آخر يلبي احتياجاته النفسية والجسدية فقط»، ولذلك تفشل هذه العلاقات، أو تظل قائمة ولكن بلا سعادة، وأعتقد أن هذا هو ما جعل العزوبية هى الخيار الأفضل لك، خصوصا وأنك من النوع الذى يبحث عن الحلول السهلة، وعلى المجتمع أن يُرسي المفاهيم الصحيحة للزواج، بحيث يقوم على أساس المشاركة والحب والاحترام، مما يسهم في تشجيع الشباب على فهم هذه العلاقة السامية فهمًا صحيحًا؛ فالزواج يجب ألا يكون مجرد «إطار جميل» وفي الحقيقة أن السوس يأكله من الداخل، ولذلك عليك إعادة النظر فى مسألة الزواج، ولو من باب الإيناس، حتى لا تجدى نفسك وحيدة بلا سند ولا معين، وكفاك انغلاقا على نفسك، ففى الحياة جوانب كثيرة مضيئة ينبغى استثمارها، والاستفادة منها، وسوف تتفتح لك أبواب الطمأنينة وراحة البال، وتصبح الأمور على ما يرام، فتوكلى على الله، وتفضلى بزيارتى بصحبة هذا الشاب، وليدبر الله أمرا كان مفعولا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.