تصنيف التايمز العالمى: جامعة طنطا الأولى محليا في "علوم الحياة "    المجلس مستمر حتى 2021.. ماذا حدث في البرلمان اليوم؟    خبير دولي: الاستثمار في إفريقيا يقلل حجم الهجرة إلى أوروبا    نتنياهو يدعو جانتس لتشكيل حكومة وحدة للحفاظ على أمن اسرائيل    مسئول أممي يثني على التزام قائد الجيش اللبناني بحماية المتظاهرين    «أنقذوا الأطفال»: ثلثا أطفال الأفغان تأثروا بالصراع في بلادهم    رسالة الرئيس السيسي للمنتخب الأولمبي بعد التأهل لأولمبياد طوكيو 2020    مرتبط الزمالك 2000 يهزم الجزيرة 27 - 15 في دوري اليد    إخلاء سبيل والدة «طفلي السلّم» بضمان محل الإقامة (تفاصيل)    ضبط 118 كيلو لحوم فاسدة في حملة بيطرية بالفيوم    السجن 3 و7 سنوات لستة متهمين إخوان اقتحموا وحرق مجلس مدينة ديرمواس    قبل ساعات من افتتاح القاهرة السينمائى .. وصول تيري جيليام تمهيدا لتكريمه    فيديو.. إعلامى عائد من بى إن سبورت: قطر تستعين بعلاء صادق وأحمد الطيب للإساءة لمصر    معتز هشام: ردود الفعل حول «ممالك النار» أسعدتني.. والكثير أرسل لي طلبات صداقة    مبروك عطية: الحجاب ستر للعورة وليس له علاقة بالدين    تحرير 10 محاضر إشغال طريق ونظافة بشارعي الإسكندرية وليبيا في مرسى مطروح    «مستقبل وطن» ينظم احتفالية بمناسبة المولد النبوي بالقصير| صور    فيديو| سفيرنا ببرلين يوضح النقاط الإيجابية التي قدمها السيسي في ألمانيا    صورة| نجما منتخب الشباب يتضامنان مع معاذ عمارنة    إكسترا نيوز: 4 ملايين و 318 ألف شاب بلا عمل أو دراسة فى تركيا    الزراعة عن انخفاض سعر الدواجن والبيض: دعم المربين وزيادة الإنتاج والمعروض السبب    مرصد الإفتاء يحذر من تطور الهجمات عبر الساحل الإفريقي    وزير التنمية المحلية يحيل مسؤولين بمجلس مدينة الخانكة للنيابة    مرور الجيزة يضبط 3 آلاف انتظار خاطئ    إصابة 4 ركاب فى حادث انقلاب توك توك ببنى سويف    السعودية تتعادل سلبيًا مع باراجواي فى غياب لاعبى الهلال    "النقل" تناشد الركاب بعدم التسطيح على القطارات    احتفالًا باليوم العالمي للرجل.. ياسمين رئيس تبعث برسالة لزوجها    النواب يوافق على منحه من البنك الأوروبي لتجديد القاطرات    تسريبات.. تسريبات    المفتي: العلم سبيل التقدم.. والشائعات تهدف لزعزعة استقرار المجتمع    بالصور.. "التأمين الشامل" يحتفل باليوم العالمي للجودة في بورسعيد    خبير فرنسى يتطوع لعلاج المرضى بجامعة الزقازيق    إجراء 10 عمليات زراعة قوقعة بمستشفى الهلال في سوهاج    البابا تواضروس: أحمل بين يدي قطعة من خشبة الصليب المقدس    التحقيق فى فاتورة مياه 40 النزهة    جونسون آند جونسون العالمية تضخ استثمارات جديدة فى السوق المصرى    فريق طبي ينتقل لمنزل مريضة "داء الفيل" لتقديم العلاج اللازم لها    الحوثيون يستهدفون مواقع للقوات المشتركة غربي اليمن    رئيس الحكومة يطرح على البرلمان العراقي تغييرا وزاريا يشمل 10 وزارات    «المتحدة للخدمات الإعلامية» تتعاقد على تقديم الجزء الرابع من «نصيبى وقسمتك»    فيديو| داعية إسلامي: الإنسانية والتسامح العامل المشترك بين كل الأديان    تصفيات آسيا المزدوجة.. سنغافورة يعود من اليمن بانتصار ثمين    الأرصاد تحذر من طقس شديد البرودة    بيراميدز يواصل برنامجه التدريب بمعسكر المغرب    "الإفتاء": المرأة التي تطلب الطلاق بدون سّبب تحرم عليها رائحه الجنة    "النواب" يوافق على قرض ب 500 مليون دولار لدعم الحماية الاجتماعية    سلاح المسدس يحرز نتائج طيبة في بطولة إفريقيا للرماية    تزامنًا مع أنباء التعديل الوزاري.. "عبدالعال": ربما نعقد جلسة قبل موعدها الرسمي    23 نوفمبر.. الإعلان عن الفائزين بجائزة محمد ربيع ناصر في الطب والزراعة ولشباب الباحثين    «عبدالعال»: مجلس النواب لا يتستر على فاسدين    «قوى عاملة النواب» تطلُب لقاء عاجلا مع «مدبولي» ووزراء الحكومة (تفاصيل)    لويس إنريكي يعود إلى تدريب المنتخب الإسباني    حكاية 114 ركلة جزاء في مسيرة ميسي    محافظ الدقهلية: السجن مصير أي موظف يفشي أسرار العمل أثناء الخدمة أو بعدها    في اليوم العالمي للرجل.. تعرف على الأبراج الأكثر رجولة    الصحة تضبط 10 مصانع أدوية تحت بير السلم في 6 أشهر    الإسكان والتعليم العالي يستعرضان المواقع المقترحة لإنشاء الجامعات التكنولوجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى..
عناقيد الألم!
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 03 - 2019

قد تستغرب لقصتى، أو تتصور أننى أبالغ فى سردها، لكنى أكتبها لك كما عشتها بكل تفاصيلها، فبرغم جمالى وقدرة أسرتى المادية، والمنصب الذى شغلته، لم أتزوج، وعشت حياتى مثل الكثيرات ممن واجهتهن ظروف مماثلة بلا زوج حتى الآن، وقد تعديت سن الستين، أما السبب الرئيسى الذى جعلنى أرفض الارتباط وتكوين أسرة، هو أننى كرست حياتى لرعاية والدتى المريضة، بعد زواج أشقائى، وانفراد كل منهم بحياة مستقلة، ومنهم من سافر إلى الخارج، قاصرا علاقته بنا على الاتصالات الهاتفية، وبعد رحيلها، حل محلها أحد أشقائى بعد مرضه هو الآخر، وطلاقه زوجته التى لم تطق البقاء معه، وعشت سنوات طويلة على هذا الوضع، ولم يكن وقتها يشغلنى شىء سوى عملى، وشقيقى، وذات يوم منذ نحو ثمانى سنوات، كنت أبحث عن مبنى مناسب لكى تشتربه أختى، وهى طبيبة بالخارج، وتحويله إلى مستشفى، ولاحظت أن المبنى المواجه له، عبارة عن دار لرعاية الأيتام، فدخلتها، وتبرعت بمبلغ مالى لها، والتقيت عددا من الأطفال المقيمين بها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أتردد عليهم بصفة دورية، وأقدم لهم الطعام والحلوى، وكم كانت سعادتى، وأنا أطعمهم بيدىّ.
وفى إحدى الزيارات اقترب منى أحدهم، وطلب أن أستضيفه فى بيتى، فاستجبت له، وحرصت على اصطحابه معنا فى المواسم والأعياد، وشراء الملابس الجديدة له باستمرار، واستعنت بمدرسين خصوصيين له كانوا يجيئون إلى بيتى من أجله، وتحمّلت همّه فوق همومى، وتابعته فى كل خطواته أملا فى أن تنصلح أحواله ويكون ذا شأن كبير، فأكسب فيه ثوابا من الله، وأكون قد أديت عملا طيبا لطفل وجد نفسه بلا أبوين دون ذنب جناه، وفى زيارة إلى الدار بعد ذلك بعدة شهور، وجدته غائبا من المدرسة، فسألته عن السبب، ففاجأنى بأن مديرة الدار سحبت أوراقه من المدرسة الخاصة التى ألحقته بها، وقالت له: «كفاية تعليم لغاية كده»، وعلى الفور أخذت أوراقه، وترددت بها على الجهة المسئولة، وتمكنت بصعوبة بالغة من نقله إلى مدرسة حكومية، وكان وقتها فى الصف الثانى الإعدادى، وتوليت رعايته فى كل شئون حياته من مأكل وملبس وعلاج ودروس خصوصية حتى حصل على الشهادة الإعدادية، ثمّ ألحقته بمدرسة ثانوية، وعرفت منه أنه يعانى الأمرين مع مديرة الدار التى كانت تسخره لأداء مطالبها الخاصة بالمنزل، ووصل الأمر إلى حد أنه هدم جدارا بالشقة، وتعددت شكاوى أهل المنطقة من سوء إدارة الدار، وبالفعل نقلت الجهات المسئولة الأطفال الذين يقيمون فيها إلى دار أخرى، وكان هو أكبر الأولاد، فلم يشمله النقل، وتركوه فى الشارع، فاتصل بى مستغيثا، ومعه مسئولة من الجهة التى تتولى الإشراف على الدار، وقد طلبت منى أن يعيش معى فى المنزل بشكل مؤقت إلى حين تدبير مكان آخر له، فوافقت على طلبها، وأخذت الفتى، واعتبرته ابنى، وما قدمته له يفوق ما تقدمه الأمهات لأبنائهن.
ووسط هذه المتاعب، كان استخراج بطاقة شخصية له مأساة بكل المقاييس، فعلى مدى عام كامل، وأنا أحاول ألا يسجل فى بطاقته عبارة «مجهول النسب» لما لها من أثر قاس على النفس، وهناك قرار واضح بذلك، وأخيرا تم تسجيله تحت عبارة «يتيم الأبوين»، وسجلت عنوانه على منزلى، وبذلت معه أقصى جهد حتى التحق بالجامعة، وهو الآن طالب بالفرقة الثانية بإحدى الكليات، وقد تغيّرت طباعه كثيرا، حيث يتكلم معى بلهجة غير لائقة، ويكذب كثيرا، وسيطر عليه أصدقاء السوء، وأثّروا على سلوكه، وهو فارع الطول، ولم أعد قادرة على مواجهته، أو الحديث معه، ويشغلنى مستقبله، فمثله لابد أن يكون له مأوى خاص به، والمنزل الذى أعيش فيه خاص بالأسرة كلها، وفكرت كثيرا فى أن أشترى له شقة بالتقسيط من الشقق التى تخصصها الحكومة لذوى الحالات الصعبة، وهو بالطبع واحد من هذه الحالات، ومستعدة لأن أسدد ثمنها بالتقسيط، لكنى لم أحدثه فى ذلك، ولا يمكن أن أحرجه، أو أجرح شعوره بأى كلمة من قريب أو بعيد.
إن الهمّ يقتلنى، وأنا بلا حول ولا قوة، فماذا أفعل لكى أجد حلا لمأساة شاب وجد نفسه فى هذا الموقف؟.. إن أى تصرف غير محسوب قد يأتى بنتيجة عكسية، وأجدنى قليلة الحيلة، وكفانى وحدتى القاتلة، فبرغم أن لى أخوة وأهلا، فإننى وحدى فى كل تصرفاتى، ووجود هذا الشاب بهذا الوضع يزيدنى قلقا واضطرابا على مصيره، فبماذا تشير علينا من أجله وأجلى؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هوّنى عليك «عناقيد الألم» التى تنطق بها كل كلمة فى رسالتك، ويكفيك نقاء سريرتك، وإخلاصك وسعيك إلى فعل الخير، وإيثار الآخرين على نفسك، ولو كان بك خصاصة عملا بقول الحق تبارك وتعالى: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (الحشر: 9)، فلقد راعيت والدتك حتى رحيلها، ثم تسلمت المهمة نفسها مع أخيك حتى الآن، وزادت مسئولياتك فوق ذلك، برعاية هذا الشاب الذى ساقتك الأقدار إليه لانتشاله من براثن الضياع المؤكد وسط أطفال الشوارع، بعد إغلاق الدار، ونقل من فيها إلى دار أخرى، ولكن بدونه.. نعم إن الله كان رحيما به، فلولا ما قدمته له، وإصرارك على استمراره فى الدراسة حتى التعليم الجامعى لسقط وسط أبناء الشوارع بسبب انعدام الضمير ليس فى الدار التى كان مقيما بها فقط، وإنما أيضا لدى من أنجبه ورماه فى الشارع.
لقد أبليت بلاء حسنا معه، وعليه أن يعلم تدريجيا أن وجوده معك مؤقت، وأنه بمجرد أن يتخرج، ويتسلم عمله فى أى وظيفة ستكون مهمتك قد انتهت بالنسبة له، وأن التواصل بينكما سيظل قائما باعتبارك الأم التى ربته، وكل التقدير لك على شموله برعايتك، فكفالتك له ورعايته وإصلاح شئونه عمل خيرى؛ بل من أجلِّ الأعمال الصالحة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وليس بعد منزلة كافل اليتيم منزلة، فواصلى رسالتك معه، وأطلعيه على كل ما يخصه تدريجيا، فهذا أفضل كثيرا من مواجهته بكل شىء فجأة.. فالتهيئة لمثل هذا الأمر تضمن نتيجة طيبة، وأظنه سوف يتفهم الوضع بمرور الوقت، وسوف يشارك فى وضع الحل الملائم لمشكلته.
أما عن مسألة عدم زواجك والأسباب التى سقتيها لذلك، فأقول إن التمرد على الزواج يكتسب أنصارا جددا كل يوم، فهناك بعض الرجال والنساء يختارون العزوبية كأسلوب حياة، عوضا عن الزواج والارتباط بشريك، هربا من المسئولية والقيود وتبعات الزواج، وغير مكترثين بالتحديات التى ربما تقابلهم مثل نظرة المجتمع أو الوحدة التى قد تكون مصيرهم المحتوم يوما ما أو شعورهم بالحاجة إلى الأمومة أو الأبوة.
ولاشك أن التنامى المستمر لظاهرة تفضيل عدم الزواج يعود لعدة أسباب، أهمها: احتفاظ الشباب بمخزون من تجارب الفشل والتعاسة لنماذج المتزوجين حولهم، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن مفاهيم مثل مؤسسة الزواج والعلاقة الأسرية قد أصبحت مشوهة، فاختيار شريك الحياة لا يتم عن طريق البحث عن شخص يمكن مشاركته الحياة، وقبوله كما هو، بل عادةً ما يبحث الشخص عن آخر يلبي احتياجاته النفسية والجسدية فقط»، ولذلك تفشل هذه العلاقات، أو تظل قائمة ولكن بلا سعادة، وأعتقد أن هذا هو ما جعل العزوبية هى الخيار الأفضل لك، خصوصا وأنك من النوع الذى يبحث عن الحلول السهلة، وعلى المجتمع أن يُرسي المفاهيم الصحيحة للزواج، بحيث يقوم على أساس المشاركة والحب والاحترام، مما يسهم في تشجيع الشباب على فهم هذه العلاقة السامية فهمًا صحيحًا؛ فالزواج يجب ألا يكون مجرد «إطار جميل» وفي الحقيقة أن السوس يأكله من الداخل، ولذلك عليك إعادة النظر فى مسألة الزواج، ولو من باب الإيناس، حتى لا تجدى نفسك وحيدة بلا سند ولا معين، وكفاك انغلاقا على نفسك، ففى الحياة جوانب كثيرة مضيئة ينبغى استثمارها، والاستفادة منها، وسوف تتفتح لك أبواب الطمأنينة وراحة البال، وتصبح الأمور على ما يرام، فتوكلى على الله، وتفضلى بزيارتى بصحبة هذا الشاب، وليدبر الله أمرا كان مفعولا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.