الكنيسة الأسقفية تهنئ الشعب المصري بعيد تحرير سيناء    النائب بدوى النويشى: نتيجة الإستفتاء تؤكد وعى المصريين بإستحقاقهم الدستورى    الأزهر يهنئ الرئيس والقوات المسلحة والشعب المصري بذكرى تحرير سيناء    افتتاح ميكنة محاكم جنوب سيناء ضمن الجيل الثانى | صور    وزير العدل الزيمباوى: مستمرون فى التفاعل مع مسئولى حقوق الإنسان بأفريقيا    رئيس جامعة بنها يشيد بالعلاقات المصرية – الإماراتية.. صور    أسعار اليوم.. الدولار يسجل نحو 17.11 جنيه للشراء.. الذهب ينخفض لأقل سعر فى 4 أشهر بسبب صعود العملة الخضراء عالميا.. وتراوح الطماطم من جنيهين إلى 6 جنيهات للكيلو    شركة: طرح سكر المكعبات ب10 جنيهات للكيلو في معرض أهلا رمضان    تركيب 3 محطات مياه شرب بتكلفة 40 مليون جنيه بالوادي الجديد    الريف المصري: الحكومة تقدم العديد من التيسيرات للشباب وصغار المزارعين    جهاز الإحصاء: 61.5% زيادة في عدد براءات الاختراع الممنوحة للمصريين عام 2018    الحكومة تكشف حقيقة تقليص رقعة الأراضي المزروعة بالقمح.. ورفع الدعم عن زراعة محصول القمح    المالية: 100 مليار جنيه حصيلة مستهدفة من برنامج الطروحات الحكومية بالبورصة    رئيسة وزراء نيوزيلندا تكشف حقيقة وجود علاقة بين هجوم كرايستشرش وتفجيرات سريلانكا    أماني الطويل تحذر من أحزاب ممولة من قطر تهدف لزعزعة السودان.. فيديو    زعيم كوريا الشمالية حول زيارته لروسيا: نأمل أن تكون بناءة وفعالة    نتنياهو يستفز العرب ويطلق إسم " ترامب " على إحدى المستوطنات بهضبة الجولان المحتلة    أمريكا توجه تهديدا لروسيا من موسكو    قاض جزائري يأمر بإيداع الإخوة كونيناف في الحبس المؤقت    كلمات مؤثرة من رئيس برزنتيشن في ذكرى احتفال الأهلي ب 112 سنة    خاص ضياء السيد ل في الجول: دياز كلمة السر فيما يقدمه بيراميدز    موعد ديربي مانشستر بين يونايتد والسيتي والقناة الناقلة    «الأهلي» يشطب "مهند جمال" ويوقف 9 لاعبين بكرة الماء    ليفربول يواجه دورتموند ضمن 3 وديات بالولايات المتحدة الصيف المقبل    فرج عامر يزف بشري سارة للأهلي وبيراميدز    ضبط صاحب مخبز بالمطرية استولى على مليون جنيه من أموال الخبز المدعم    حملات مرورية لرصد متعاطي المواد المخدرة أعلي الطرق السريعة    "الأرصاد" تحذر: نشاط للرياح مصاحب للأتربة على جميع أنحاء الجمهورية    محافظة القاهرة تستعد لاستقبال شم النسيم وعيد القيامة    الإفراج عن 3094 سجينا بموجب عفو رئاسى بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    ضبط متهمين بالتزوير للاستيلاء على قطعة ارض بسوهاج    السبت.. ختام مهرجان الدولي للطبول بالقلعة    متحف الطفل ينظم احتفالية خاصة بمناسبة عيد تحرير سيناء.. غدا    صورة محمد صلاح مع نجمة صراع العروش تشعل تويتر    الحكومة تنفي انهيار حضَانة الأطفال في مستشفى فارسكور بدمياط    عزل 19 راكبا بالمطار لعدم حملهم شهادات الحمى الصفراء    دراسة: النساء في الهند الأكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض السكري    المستشفيات التعليمية: السكر يحتل المرتبة الأولى في مصر    مستقبل وطن بكفر الشيخ: المصريون ظهروا بصورة مشرفة في الاستفتاء    ارتفاع المؤشر العام لسوق الأسهم السعودية بمستهل التعاملات وسط صعود 9قطاعات    عاطل يعترف باستخدام قطع يشتبه فى أثريتها للنصب على المواطنين بالبدرشين    الليلة.. ختام فعاليات ملتقى الرواية العربية .. تعرف على البرنامج    علي جمعة يوضح حكم تشغيل إذاعة القرآن الكريم بالمنزل دون سماع.. فيديو    اليوم| ختام مباريات الدور ربع النهائي من بطولة الجونة الدولية للإسكواش    الرجالة البرنسات اختفوا.. وكيسنجر تزوج نسخة منى ليتذكرنى فيها    محمد إمام يواصل تصوير مشاهده فى "هوجان"    هل يجوز ارتداء قفازين عند مسك المصحف بدون وضوء.. أمين الفتوى يجيب    7 قرارات مهمة لمجلس «الخطيب»    راكبة يمنية تتوفى على طائرة عدن القادمة إلى القاهرة    خبراء في تايلاند يعلنون عن نتائج إيجابية لعلاج سرطان الدم ب"الخلايا القاتلة"    زلزال بقوة 6.1 درجة يضرب شمال شرق الهند    تعرف على حكم تأخير الدخول بالزوجة بعد العقد بفترة من الزمن    عمرو عبد العزيز: الحياة من غير نت وبرامج السوشيال ميديا هتكون أحسن    أزياء المصممة الجزائرية هاجر تخطف الأنظار في حفل ملكة جمال العرب    قيادى ليبى : السيسى زعيم العرب ..وهدفه لم الشمل ومواجهة المتآمرين    المفتي يُحدد ٤ حالات يجوز معها إفطار الطالب في رمضان    «الإفتاء»: أداء الأمانات واجب شرعى    "ترابها زعفران".. ترجمة لجمال تفاصيل الحياة الريفية فى "ألوان مسموعة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى..
عناقيد الألم!
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 03 - 2019

قد تستغرب لقصتى، أو تتصور أننى أبالغ فى سردها، لكنى أكتبها لك كما عشتها بكل تفاصيلها، فبرغم جمالى وقدرة أسرتى المادية، والمنصب الذى شغلته، لم أتزوج، وعشت حياتى مثل الكثيرات ممن واجهتهن ظروف مماثلة بلا زوج حتى الآن، وقد تعديت سن الستين، أما السبب الرئيسى الذى جعلنى أرفض الارتباط وتكوين أسرة، هو أننى كرست حياتى لرعاية والدتى المريضة، بعد زواج أشقائى، وانفراد كل منهم بحياة مستقلة، ومنهم من سافر إلى الخارج، قاصرا علاقته بنا على الاتصالات الهاتفية، وبعد رحيلها، حل محلها أحد أشقائى بعد مرضه هو الآخر، وطلاقه زوجته التى لم تطق البقاء معه، وعشت سنوات طويلة على هذا الوضع، ولم يكن وقتها يشغلنى شىء سوى عملى، وشقيقى، وذات يوم منذ نحو ثمانى سنوات، كنت أبحث عن مبنى مناسب لكى تشتربه أختى، وهى طبيبة بالخارج، وتحويله إلى مستشفى، ولاحظت أن المبنى المواجه له، عبارة عن دار لرعاية الأيتام، فدخلتها، وتبرعت بمبلغ مالى لها، والتقيت عددا من الأطفال المقيمين بها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أتردد عليهم بصفة دورية، وأقدم لهم الطعام والحلوى، وكم كانت سعادتى، وأنا أطعمهم بيدىّ.
وفى إحدى الزيارات اقترب منى أحدهم، وطلب أن أستضيفه فى بيتى، فاستجبت له، وحرصت على اصطحابه معنا فى المواسم والأعياد، وشراء الملابس الجديدة له باستمرار، واستعنت بمدرسين خصوصيين له كانوا يجيئون إلى بيتى من أجله، وتحمّلت همّه فوق همومى، وتابعته فى كل خطواته أملا فى أن تنصلح أحواله ويكون ذا شأن كبير، فأكسب فيه ثوابا من الله، وأكون قد أديت عملا طيبا لطفل وجد نفسه بلا أبوين دون ذنب جناه، وفى زيارة إلى الدار بعد ذلك بعدة شهور، وجدته غائبا من المدرسة، فسألته عن السبب، ففاجأنى بأن مديرة الدار سحبت أوراقه من المدرسة الخاصة التى ألحقته بها، وقالت له: «كفاية تعليم لغاية كده»، وعلى الفور أخذت أوراقه، وترددت بها على الجهة المسئولة، وتمكنت بصعوبة بالغة من نقله إلى مدرسة حكومية، وكان وقتها فى الصف الثانى الإعدادى، وتوليت رعايته فى كل شئون حياته من مأكل وملبس وعلاج ودروس خصوصية حتى حصل على الشهادة الإعدادية، ثمّ ألحقته بمدرسة ثانوية، وعرفت منه أنه يعانى الأمرين مع مديرة الدار التى كانت تسخره لأداء مطالبها الخاصة بالمنزل، ووصل الأمر إلى حد أنه هدم جدارا بالشقة، وتعددت شكاوى أهل المنطقة من سوء إدارة الدار، وبالفعل نقلت الجهات المسئولة الأطفال الذين يقيمون فيها إلى دار أخرى، وكان هو أكبر الأولاد، فلم يشمله النقل، وتركوه فى الشارع، فاتصل بى مستغيثا، ومعه مسئولة من الجهة التى تتولى الإشراف على الدار، وقد طلبت منى أن يعيش معى فى المنزل بشكل مؤقت إلى حين تدبير مكان آخر له، فوافقت على طلبها، وأخذت الفتى، واعتبرته ابنى، وما قدمته له يفوق ما تقدمه الأمهات لأبنائهن.
ووسط هذه المتاعب، كان استخراج بطاقة شخصية له مأساة بكل المقاييس، فعلى مدى عام كامل، وأنا أحاول ألا يسجل فى بطاقته عبارة «مجهول النسب» لما لها من أثر قاس على النفس، وهناك قرار واضح بذلك، وأخيرا تم تسجيله تحت عبارة «يتيم الأبوين»، وسجلت عنوانه على منزلى، وبذلت معه أقصى جهد حتى التحق بالجامعة، وهو الآن طالب بالفرقة الثانية بإحدى الكليات، وقد تغيّرت طباعه كثيرا، حيث يتكلم معى بلهجة غير لائقة، ويكذب كثيرا، وسيطر عليه أصدقاء السوء، وأثّروا على سلوكه، وهو فارع الطول، ولم أعد قادرة على مواجهته، أو الحديث معه، ويشغلنى مستقبله، فمثله لابد أن يكون له مأوى خاص به، والمنزل الذى أعيش فيه خاص بالأسرة كلها، وفكرت كثيرا فى أن أشترى له شقة بالتقسيط من الشقق التى تخصصها الحكومة لذوى الحالات الصعبة، وهو بالطبع واحد من هذه الحالات، ومستعدة لأن أسدد ثمنها بالتقسيط، لكنى لم أحدثه فى ذلك، ولا يمكن أن أحرجه، أو أجرح شعوره بأى كلمة من قريب أو بعيد.
إن الهمّ يقتلنى، وأنا بلا حول ولا قوة، فماذا أفعل لكى أجد حلا لمأساة شاب وجد نفسه فى هذا الموقف؟.. إن أى تصرف غير محسوب قد يأتى بنتيجة عكسية، وأجدنى قليلة الحيلة، وكفانى وحدتى القاتلة، فبرغم أن لى أخوة وأهلا، فإننى وحدى فى كل تصرفاتى، ووجود هذا الشاب بهذا الوضع يزيدنى قلقا واضطرابا على مصيره، فبماذا تشير علينا من أجله وأجلى؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هوّنى عليك «عناقيد الألم» التى تنطق بها كل كلمة فى رسالتك، ويكفيك نقاء سريرتك، وإخلاصك وسعيك إلى فعل الخير، وإيثار الآخرين على نفسك، ولو كان بك خصاصة عملا بقول الحق تبارك وتعالى: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (الحشر: 9)، فلقد راعيت والدتك حتى رحيلها، ثم تسلمت المهمة نفسها مع أخيك حتى الآن، وزادت مسئولياتك فوق ذلك، برعاية هذا الشاب الذى ساقتك الأقدار إليه لانتشاله من براثن الضياع المؤكد وسط أطفال الشوارع، بعد إغلاق الدار، ونقل من فيها إلى دار أخرى، ولكن بدونه.. نعم إن الله كان رحيما به، فلولا ما قدمته له، وإصرارك على استمراره فى الدراسة حتى التعليم الجامعى لسقط وسط أبناء الشوارع بسبب انعدام الضمير ليس فى الدار التى كان مقيما بها فقط، وإنما أيضا لدى من أنجبه ورماه فى الشارع.
لقد أبليت بلاء حسنا معه، وعليه أن يعلم تدريجيا أن وجوده معك مؤقت، وأنه بمجرد أن يتخرج، ويتسلم عمله فى أى وظيفة ستكون مهمتك قد انتهت بالنسبة له، وأن التواصل بينكما سيظل قائما باعتبارك الأم التى ربته، وكل التقدير لك على شموله برعايتك، فكفالتك له ورعايته وإصلاح شئونه عمل خيرى؛ بل من أجلِّ الأعمال الصالحة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وليس بعد منزلة كافل اليتيم منزلة، فواصلى رسالتك معه، وأطلعيه على كل ما يخصه تدريجيا، فهذا أفضل كثيرا من مواجهته بكل شىء فجأة.. فالتهيئة لمثل هذا الأمر تضمن نتيجة طيبة، وأظنه سوف يتفهم الوضع بمرور الوقت، وسوف يشارك فى وضع الحل الملائم لمشكلته.
أما عن مسألة عدم زواجك والأسباب التى سقتيها لذلك، فأقول إن التمرد على الزواج يكتسب أنصارا جددا كل يوم، فهناك بعض الرجال والنساء يختارون العزوبية كأسلوب حياة، عوضا عن الزواج والارتباط بشريك، هربا من المسئولية والقيود وتبعات الزواج، وغير مكترثين بالتحديات التى ربما تقابلهم مثل نظرة المجتمع أو الوحدة التى قد تكون مصيرهم المحتوم يوما ما أو شعورهم بالحاجة إلى الأمومة أو الأبوة.
ولاشك أن التنامى المستمر لظاهرة تفضيل عدم الزواج يعود لعدة أسباب، أهمها: احتفاظ الشباب بمخزون من تجارب الفشل والتعاسة لنماذج المتزوجين حولهم، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن مفاهيم مثل مؤسسة الزواج والعلاقة الأسرية قد أصبحت مشوهة، فاختيار شريك الحياة لا يتم عن طريق البحث عن شخص يمكن مشاركته الحياة، وقبوله كما هو، بل عادةً ما يبحث الشخص عن آخر يلبي احتياجاته النفسية والجسدية فقط»، ولذلك تفشل هذه العلاقات، أو تظل قائمة ولكن بلا سعادة، وأعتقد أن هذا هو ما جعل العزوبية هى الخيار الأفضل لك، خصوصا وأنك من النوع الذى يبحث عن الحلول السهلة، وعلى المجتمع أن يُرسي المفاهيم الصحيحة للزواج، بحيث يقوم على أساس المشاركة والحب والاحترام، مما يسهم في تشجيع الشباب على فهم هذه العلاقة السامية فهمًا صحيحًا؛ فالزواج يجب ألا يكون مجرد «إطار جميل» وفي الحقيقة أن السوس يأكله من الداخل، ولذلك عليك إعادة النظر فى مسألة الزواج، ولو من باب الإيناس، حتى لا تجدى نفسك وحيدة بلا سند ولا معين، وكفاك انغلاقا على نفسك، ففى الحياة جوانب كثيرة مضيئة ينبغى استثمارها، والاستفادة منها، وسوف تتفتح لك أبواب الطمأنينة وراحة البال، وتصبح الأمور على ما يرام، فتوكلى على الله، وتفضلى بزيارتى بصحبة هذا الشاب، وليدبر الله أمرا كان مفعولا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.