لم يكترث سائق «الميكروباص» لخوف الركاب من سرعته الجنونية، وانطلق على غير هدى فوق كوبرى أكتوبر، وما بين رجاء الراكبين «وطناشه»، انقلبت السيارة من ارتفاع 18 مترا، ليموت السائق وسبعة أخرين، ليخرج الشاب محمود يوسف مصابًا بكسر فى العمود الفقرى سبب له شللا نصفيا كاملا جعله جليس كرسى متحرك منذ 8 سنوات.. نجا محمود من الموت ليبدأ حياة جديدة غير حياته التى اعتادها، وليعطى لنا دروسا فى التمسك بالأمل والتفاؤل. عُرف محمود (28 عاما) بين أصدقائه فى طفولته بأنه أكثرهم نشاطا وحبا للانطلاق وروح المغامرة، إلى جانب عشقه للرياضة، وبدأ ممارسة «الكونغ- فو» فى الخامسة من عمره، وحصل على العديد من البطولات المحلية، حتى وصل فى هذه اللعبة إلى مرتبة مساعد مدرب، وعقب الانتهاء من المرحلة الثانوية اختار كلية التربية الرياضية - على كثير من الكليات الأخرى - حتى لا يتوقف عشقه للرياضة عند الهواية وأثقاله بالدراسة المتعمقة. كانت حياته مليئة بالأمل والتفاؤل، ولطالما ردد فى سريرته «الأفضل آت» ، خاصة أنه كان يستعد للانضمام إلى منتخب مصر كلاعب «كونغ فو» ولكن القدر لم يمهله حتى وقعت الحادثة 2010. تمسك محمود بالأمل، وأن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت فقط، وأجرى عدة عمليات، وخضع للعلاج الطبيعى لمدة عامين كاملين، وكان يظن أنه من خلال استمراره فى العلاج الطبيعى سيتحرك ويمشى ويجرى، ففكرة أنه سيقضى بقية حياته على كرسى متحرك كان أبعد عن ذهنه من السماء، ولم يفكر فيها من الأساس، وبمرور الأيام والسنوات أدرك الحقيقة المرة، فلا مفر من رفيق جديد يسمى «الكرسى المتحرك». يؤمن محمود بأن الله سبحانه وتعالى حينما يرسل «الابتلاء» فهو قدر، ويرسل معه الصبر، وبعد تفكير طويل وجد نفسه أمام طريقين، الأول: الابتعاد عن أعين الناس وأن يظل حبيس جدران غرفته لا يخرج منها أبدا، الثانى: التأقلم مع هذا الوضع كبداية جديدة والبحث عن مهارات تساعده فى تحقيق ما لم يحققه وهو سليم.. واختار الطريق الثانى وتمسك بحبال التحدى للصعود إلى القمة. وفى أول تحد فى طريق محمود حضر امتحانات السنة النهائية بالكلية، فبعد فشله فى إقناع إدارة الكلية بتخصيص لجنة له بالمستشفى، فاجأ الجميع بذهابه إلى الكلية بالكرسى المتحرك، ووفقه الله بالحصول على البكالوريوس، ليبدأ بعدها حياة عملية جديدة غير ما كان يرسمه لنفسه قبل الحادثة، ولأنه يقيم فى الطابق الثامن، عمل من المنزل «مدخل بيانات» بإحدى الشركات الصغيرة، وفى نفس الوقت قرر تنمية مهاراته التكنولوجية، وحصل على دورات فى تصميم البرامج، وساعده فى ذلك مهندس كمبيوتر، واستطاع فى وقت قصير تصميم مقاطع «الفيديو» الخاصة به، والتى تدور أغلبها حول التنمية البشرية ومواجهة الصعاب والتمسك بروح التحدى. عشق محمود التكنولوجيا وأتقنها، واحترف تصميم «الفيديوهات» مما أهله للمشاركة فى مسابقة «سديم» التى أقيمت فى لبنان وتعد أهم مسابقة وبرنامج رقمى فى الوطن العربى، وهى مخصصة لكل من لديه القدرة على عمل «فيديوهات» ذات تأثير فى المجتمع، وتم اختياره من بين 20 متسابقا من مصر للتنافس مع 18 ألف آخرين من مختلف الدول العربية، وبالرغم من عدم وصوله للنهائيات، ولكنه شعر بالسعادة للتجربة فالتجربة أهلته للعمل فى إحدى شركات الاتصالات منذ عام 2015 وحتى الآن. لم ينس محمود أنه فى أثناء إجراء اختبارات التحاقه بكلية التربية الرياضية رسب فى اختبار التنس، لذلك قرر بعد الحادثة أن ينجح فيما فشل فيه فى الماضى، ومارس لعبة التنس منذ عام 2013 من فوق الكرسى المتحرك، وكان يتدرب 3 أيام أسبوعيا، وبمساعدة أصدقائه استمر فى التدريب لمدة عام، وعندما شعر مدربه ببلوغه مرحلة الاحتراف أشركه فى البطولات المحلية، وحصل على المركز الأول فردى وزوجى فى بطولة هليوبوليس، وأنضم فى عام 2014 إلى منتخب مصر، وشارك فى بطولة كينيا للتصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم وحصل على المركز الرابع، وعلى المركز الثانى فى التنس الزوجى ببطولة هولندا عام 2015. ولبعد منزل محمود عن مكان التدريب، طلب من المنتخب تحديد مكان قريب منه ليتدرب به، فرفضت إدارة المنتخب، وحدثت بعض المشكلات، وعلى أثرها تم سحب الكرسى الرياضى الخاص به، والذى يصعب شراؤه حاليا لارتفاع ثمنه، فتأثر نفسيا، وأصبح ترتيبه 11 محليا بسبب خروجه من المنتخب، ولكن جاء الفرج بعدما قامت إحدى المؤسسات بمساعدته فى شراء كرسى جديد، وكثف من التدريبات واستعاد لياقته، وعاد ترتيبه إلى الثالث محليا، وتمنى الانضمام للمنتخب مرة أخرى الذى يختار أصحاب المراكز الثلاثة الأولى، للمشاركة فى التصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم، لكن صدم عندما علم أن المنتخب اختار أصحاب المراكز الأول والثانى والتاسع، وشعر بأن حلمه بتمثيل مصر فى كأس العالم بدأ يتسرب من بين يديه. لم يتمكن اليأس من روح محمود، ففى بداية العام الماضى قرر استكمال دراسته للحصول على شهادة معتمدة فى التدريب الرياضى، واجتاز الاختبارات النهائية ل «الكورس» وحصل على المركز الأول، وأصبح مدرب لياقة بدنية معتمد دوليا. لا شك فى أن نظرات الناس جارحة ومؤلمة، ففى البداية كان يخجل محمود من النظر فى عيون الناس، ويتوارى متعمدا، ولكن مع مرور الوقت أصبح يتعامل مع تلك النظرات بتجاهل مرة، وبسخرية مرة أخرى، كأن يقول لمن يحدق فيه: « عاجبك الكرسى .. تاخد لفة»، ولكن الشىء الوحيد الذى لم يستطع تجاهله حتى الآن هو نظرات والديه له، فهما يتظاهران أمامه بالقوة والصبر، ولكنه يعلم انهما يخفيان حزنهم، ويتألمان فى صمت حتى لا يتأثر.