هكذا الأيام حلو ومر، عدل وظلم، تاريخ يُكتب بالنور وآخر يُكتب بالدم. وعلى جدران الزمن تتناثر شظايا الأيام بعلامات لا تنسى محفورة بآلام من عاشوها مغروسة في قلوبهم، وتسمع بين الشعور نغمات حزينة أو أغنيات الفرح. وتظل الأيام تدور وتدور والحياة تنزف أياما هي دموع ودماء الشعوب التي عانت من الجالسين على العروش الذين ظلموا ولم يلتفتوا إلى ضحاياهم. فالأيام في التاريخ تتلون حسب الحكام والولاة، فحين يجلس على العرش حاكم عادل له قلب رحيم بشعبه تعبر الأيام هادئة مفرحة مثمرة، وحين يحكم ظالم تعاني الشعوب وتجوع وقد تموت ظلما وقهراً، ولا يوجد من يحمي تلك الشعوب إلا تدخل الله فقط، فالحاكم الظالم غالبا ما ينظر لنفسه أنه نصف إله أو أكثر. وهكذا الأيام في تاريخنا احتمل الأقباط تقلبات الحكام والولاة أحياناً بصمت وأحيانا بثورة. ونُتهم كثيرا في أوراق التاريخ بأننا جبناء وخانعون لأننا تركنا كل هؤلاء الحكام يفعلون بنا هذا. ولكن من يدرس التاريخ يدرك أننا شعب شجاع لأننا لو كنا جبناء لهربنا وتركنا بلادنا ولكننا بقينا رغم الظلم، ولو كنا خانعين لاستسلمنا لتغيير هويتنا وعقيدتنا ولكننا لم نفعل، بل تحملنا مصائب الأيام والحكام والتاريخ بصلابة وجلد وبعمق حضاري ووطنية المصري الأصيل، ورغم الظلم أنتجنا وزرعنا وبنينا وتمسكنا بأرضنا ووطننا ولم ننكسر. وبعد موت زينون جلس على العرش الإمبراطور أنسطاسيوس 483م وقد كان منفيا في مصر أيام زينون وعاش في منطقة منوف، وكان له أصدقاء كثيرون في مصر، وقد أشاروا عليه في ذلك الوقت أن يذهب إلى راهب قديس ليباركه اسمه أنبا ارميا وهذا تنبأ له بأنه سيصير إمبراطوراً. وفعلا بعد موت زينون تزوج بأرملته وجلس على العرش ولم ينس مصر، بل يقول المؤرخون إنه لم يقم بين القياصرة من عمل على إسعاد مصر مثله. وبنى قلعة على البحر الأحمر ورمم منارة الإسكندرية وكان يرسل أموالاً للأديرة. وأرسل له بابا روما رسالة لكي يقبل بإيمان خلقيدونية ويخضع باقي الكنائس لسلطان روما، فأرسل البابا أثناسيوس الثاني بعض الآباء وأفهموه سبب الخلاف فانحاز الإمبراطور إلى الكنيسة القبطية وإيمانها وطلب وحدة إيمانية بين الكراسي الأربعة مصر وأنطاكية والقسطنطينية وأورشليم. وكان من نتائج السلام أن أزدهر الفن والعلم في مصر. وبعد وفاة البابا أشار الإمبراطور على شعب مصر باختيار صديق له راهب هو ديسقورس، ولكن الشعب القبطي لم يقبل تدخل الإمبراطور وبالرغم من عدم اعتراضهم على الشخص ولكنهم كانوا يرفضون أي تدخل من الإمبراطور حتى لا تكون سابقة تجعل اختيار بابا الإسكندرية من قبل الأباطرة. وقد قبل الإمبراطور هذا وترك الشعب يختار فاختاروا نفس الشخص وهو البابا ديسقورس الثاني. ومات أنسطاسيوس وتولى العرش من بعده جستين رئيس الجيوش عام 518م وكان غير متعلم وله من العمر سبعون عاما وكان خلقيدوني الإيمان. وكان في نفس هذا الوقت انتقل البابا ديسقورس الثاني وجلس على كرسي الإسكندرية البابا تيموثاوس الثالث وفي أنطاكية البطريرك ساويرس. وكان الاثنان مدافعين عن الإيمان فأمر بقطع رأس ساويرس الأنطاكي ونفي بابا الإسكندرية. وأرسل جيشا إلى مصر لإخضاع الكنائس لإيمان خلقيدونية والخضوع لبابا روما، فهرب ساويرس الأنطاكي إلى مصر وتصدى الشعب القبطي كالعادة إلى غطرسة الإمبراطور ورفضوا الخضوع لتغيير هويتهم وإيمانهم فقتل الجيش الروماني من الأقباط مائتي ألف شهيد فقد كانت المذابح في كل ربوع مصر. وتوفي جستين عام 527م وتولى بعده ابن أخيه جوستنيان الذي كان قد تربى في بيت عمه وتزوج من ثيؤدورا التي كانت ممثلة من أنطاكية لها ماض سييء وجاءت إلى مصر وقدمت توبة وعادت إلى أنطاكية بعد توبتها وتعرف عليها الإمبراطور وتزوجها. وقد قدمت خدمات كبيرة للكنيسة إذ أن الإمبراطور كان خلقيدونيا مثل عمه وكان متصلفا جدا وحسب كتابات المؤرخين غريب الأطوار تخيل نفسه عالما بكل شيء، وأصر بعقد مجمع دعا له البابا تيموثاوس الثالث وساويرس بطريرك أنطاكية الهارب في مصر. وكان البابا يدرك نواياه أنه يريد أن يخضع الأقباط لكرسي روما لأنه كان يريد أن يعيد الإمبراطورية الغربية لملكه بعد ضياعها وقد ساعده في ذلك بابا روما. ولم يوافق البابا على السفر، ولكن ساويرس الأنطاكي ذهب وقد حدث ما هو متوقع فقد سجنه حين رفض التوقيع على إيمان خلقيدونية وأرسل جيشا للقبض على البابا ونفيه فتصدى له الشعب. واستطاعت ثيؤدورا أن تفتح السجن ليهرب ساويرس الأنطاكي ويأتي إلى مصر ليهرب مع البابا تيموثاوس متنقلاً بين الأديرة متخفياً عن عيون جيش جوستنيان. وفي هذه الأثناء انتقل البابا تيموثاوس وجلس على الكرسي البابا ثيؤدوسيوس. وظن الإمبراطور أنه يختلف عن سابقيه وأنه يستطيع أن يقربه بالمناصب فاستحضره إلى قصره وهناك عرض عليه أن يكون له منصب والي الإسكندرية بجانب بابا الإسكندرية وسائر أفريقيا مقابل أن يوافق على إيمان خلقيدونية فرفض البابا. فأمر بأن يسجن وألا يعود إلى مصر وأن يوضع بدلا منه بطريرك آخر خلقيدوني اسمه بولس وأرسله إلى الإسكندرية، فخرجت ثورة شعبية في الشوارع ضد الإمبراطور وهرب بولس. فغضب جوستنيان وأمر بإغلاق كل كنائس مصر ونفي كل أساقفة الكنيسة ومات البابا في السجن لأجل إيمانه. وظن جوستنيان أن بموته يستطيع أن يضع يده على الكنيسة القبطية فأرسل بطريركا اسمه أبوليناريوس وأعطاه أيضا سلطانا سياسيا فعينه واليا على الإسكندرية، وجاء هذا في ملابس حربية ودخل الكنيسة وخلع ملابسه الحربية وأعلن أنه بطريركا أيضا بجانب أنه والي الإسكندرية. ورفضه الشعب وثارت الثورة من جديد وتصدى جيش الإمبراطور للشعب وقتل عشرات الآلاف في الشوارع. وفي هذه الأثناء مات الإمبراطور بعد أن كتب التاريخ صفحاته بدماء الأقباط، ببسالة وقوة شعب أعزل ولكن صمودهم حطم كبرياء وغرور إمبراطورية وإمبراطور. كاهن كنيسة المغارة الشهيرة بأبى سرجة الأثرية لمزيد من مقالات القمص أنجيلوس جرجس