دائما ما تثير قضايا الإسلام السياسى فى تلك الكتلة الغربية بشقيها الأوروبى والأمريكي، نوازع التطلع والاستقصاء حول كيفية التناول والمعالجة والتحليل لدى كتاب الشرق العربى والإسلامي، للوقوف على عمق الإدراك واستبطان الأغوار وقياس مستوى الوعى بالمخطط الغربى الدؤوب، فإن استشعرت إدراكا لدى القاعدة الجماهيرية، لجأت للغة البدائل وإن كان العكس، مضت لامبالية فى مسيرتها الاختراقية للأنظمة والشعوب، معتمدة مناهج التأليب والتحريض والاستعداء، استقداما لحرب الكل ضد الكل وهو المناخ الإستراتيجى الأمثل المجسد لمعطيات المأزق المنتظر. هذا أهم ما يثيره كتاب «التراجيديا الإسلامية.. فلسفة الدين والدم» من تأليف د. محمد حسين أبو العلا. وهو يعد من أهم وأخطر الكتب التى استوقفت بعضا من رموز النخبة الغربية فارتأت ضرورة ترجمته للإنجليزية، ليكون أكثر قربا وتداولا على اعتبار أنه أطروحة مضادة كاشفة للخيوط الخفية للمؤامرة الكبرى أكثر منها فضحاَ لأفكار التواطؤ الإخوانى الذى كان يستدني, لحظة قبل أخري، نجاح مهمته الأثيمة فى تقويض الدولة المصرية التى تمثل الجائزة الكبرى فى الرؤية الغربية والتى طال أمد الإمبريالية فى انتظار الظفر بها. ويستهل د. أبو العلا كتابه بمقدمة قصيرة، لكنها بالغة الأهمية, إذ يؤكد منذ البداية على أن «مصر قد استعصت على ثعالب الحشد الدولى التى أرادت لها تحللا وتفككا أو محوا كاملا، أبت الذات المترعة بالأسى أن تلتمس النور عند عدو آثم وكم أبت إلا أن تخط أسطرا مضيئة فى الكتاب الأسود للتاريخ الإنسانى المعاصر، أبت كل شيء اللهم إلا الحقيقة بعدما حاولوا التلويح بالسراب؛ لقد استمسكت بروحها الدينية التى جدوا فى طمسها وإزهاقها بأباطيل مروعة تتطاول لتبلغ الذروة من منطق الجنون». ومن الملاحظ هنا أن عنوان الفصل الأول جاء موجزا للملحمة العدائية شارحا أبعادها فى كلمات قلائل هى «الإخوان ومصر.. إبادة وطن» متطرقا فى تحليل معرفى مكثف لفلسفة الإرهاب وما تحتويه من تنظيرات تبرر ذلك الفعل الشائن منددا بالقوة الغربية التواقة دائما لأن يكون الإرهاب بديلا نموذجيا عن خوض الحروب. وقد يكون من المهم هنا أن نؤكد أن الكاتب انطلق نحو منحى آخر وتشعبات عديدة دفعته لأن يناقش قضايا أخرى ذات ارتباط مباشر، بل متشابكة بقضية دولة الإخوان كان أهمها: جيوبولوتيكا السلطة والدولة، النرجسية الإسلامية، الفاشية الإسلامية، العشوائية الفكرية.. إلى غير ذلك, منتهيا إلى تطابق كامل فى الرؤية مع د. جمال حمدان من أن الإسلام السياسى هو مرض نفسى وعقلي، طارحا على الذات الإخوانية بعد أفولها شيئا من جدليات المأزق المستقبلي. وينتقل الكاتب بعدها إلى قضية الأقصى على اعتبار أنها من أكثر القضايا حساسية فى العالم الإسلامي، باحثا عن العلاقة المبتورة بينها وبين أدعياء الدولة الدينية, منتهيا فى السياق الأخير إلى أن هذه القضية بالطبع هى قضية هامشية, بل إنها قد دخلت دوائر الاغتراب لدى الجماعة الإخوانية وأن التعامل معها قد تم وفقا لما تمليه نظرية العدم!. ولعل أخطر فصول الكتاب والأكثر إثارة هو ما سجله الكاتب تحت عنوان «عدو أمريكا القادم» مشيرا إلى أن حطام التيار الإخوانى سوف يمثل جبهة انتقامية للحليف الأمريكى الخائن الذى ألقى به فى غياهب المجهول وتحول باحثا عن عملاء جدد ليكونوا أشد ضراوة على أوطانهم وأكثر عداوة لشعوبهم وأشد بطشا وفتكا ودموية لتحقيق المرامى السياسية والإستراتيجية العليا للإمبراطورية الأمريكية التى تقاوم الزوال ذلك أنها لم تستطع اختيار الحليف أو العدو. ولعل أهم ما يميز كتاب «التراجيديا الإسلامية» هنا إلى جانب التألق اللغوي، أنه قد حفل بكم هائل من التساؤلات الموضوعية والحادة - فى ذات الوقت- حول تفتيت القضية فى تفاصيلها وجزئياتها، من ثم كان عاصفا بفكرة الانطباعات السردية التى تغلب على معظم صفحات الكتب المتناولة تحليل وتشريح قضايا الإسلام السياسي. وقد يكون من المهم هنا أن نشدد على أن دار(آليكس آليكس) نهضت وهى من كبريات دور النشر فى أمريكا بإخراج الكتاب فى الفترة الأخيرة فى طبعة أنيقة جاءت فى نحو ما يزيد على مائة صفحة. الكتاب: التراجيديا الإسلامية.. فلسفة الدين والدم المؤلف: د. محمد حسين أبو العلا الناشر: آليكس برس بالولايات المتحدة