فشل ممثلو المجموعتين العربية والاسلامية في مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في إدراج قضية الانتهاكات الاسرائيلية للمقدسات في مدينة القدسالمحتلة علي جدول أعمال المؤتمر. كبند طاريء, مقابل نجاح دول أمريكا اللاتينية في اضافة بند حول تضامن المجتمع الدولي مع شعبي هاييتي وتشيلي جراء الكوارث الطبيعية التي ضربت البلدين. وما هذا الفشل إلا عرض لمرض عضال طال السياسات العربية, بدأ بتديين المجال العام داخل المجتمعات العربية منذ مطلع السبعينيات, وبمرور الوقت بدأ التحرك لتديين فضاء السياسة الخارجية, أي النظر إلي قضايا السياسة الخارجية من منطلق ديني ضيق متجاوزا القاعدة التقليدية التي تجري علي اساسها العلاقات الدولية وهي قاعدة المصلحة. طبقت هذه الرؤية تجاه العديد من القضايا في العالم, في البلقان, وجنوب الفلبين, والشيشان وغيرها من أقاليم العالم, فكانت المحصلة مزيدا من التباعد والتنافر مع عواصم هذه البلدان, قبلت دول عربية عديدة أن تضرب بلجراد عام1999 تحت دعوي التعاضد مع الأخوة في البوسنة وكوسوفو, فكانت النتيجة المزيد من التباعد مع قوي كانت حليفة لنا ولقضايانا, كانت سندا قويا للحقوق العربية. وبمرور الوقت بدأت الدول العربية في تديين القضية الفلسطينية, اختزلت القضية في الأماكن المقدسة, وصعدت من الحديث علي اساس ديني, فالقضية الفلسطينية تراجعت إلي قضية القدس, والقدس اختزلت في الأماكن المقدسة, أي أن القضية الفلسطينية جري اختزالها في كيلو متر مربع, أي ألف متر مربع فقط لاغير هي مساحة منطقة المقدسات. وهنا مكمن الخطر علي القضية الفلسطينية. فهي قضية أرض احتلت بقوة السلاح في عدوان يونيو1967, ومساحتها تزيد علي الستة آلاف كيلو متر مربع. لو عدنا قليلا الي مساحة الدولة الفلسطينية وفق قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام1947, فسوف نجد أنه خصص لهذه الدولة قرابة12 ألف كيلو متر مربع, احتلت اسرائيل نصفها في حرب1948, ثم احتلت النصف الثاني في يونيو1967, أيضا فإن النضال الوطني الفلسطيني استند منذ البداية إلي ميثاق الأممالمتحدة الذي ينص علي عدم جواز اكتساب الأرض عن طريق القوة, وعلي إلزام قوة الاحتلال بعدم تغيير الطبيعة الجغرافية والسكانية للأراضي الخاضعة للاحتلال, وعلي قرارات الأممالمتحدة ذات الصلة وأبرزها القرار242( وفق النص الفرنسي) والقرار.338 كما أن الأساس العلماني الذي استندت إليه منظمة التحرير ووجود المكون اليساري( الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين) أدي إلي نسج روابط مع قوي اليسار الدولي التي دعمت نضال الشعب الفلسطيني بكل قوة وكانت سندا قويا له. كما أن عقلانية ومدنية وعلمانية التوجه لدي المنظمة نجح في حشد تأييد غالبية دول العالم وراء المقاومة الفلسطينية والنضال الوطني لتحرير الأرض. وأدي ذلك إلي أن باتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوابة عبور أي قرار مساند لحق الشعب الفلسطيني. كما أن كافة القرارات التي كانت تنص علي إدانة اسرائيل كانت تمر تلقائيا عكس الحال في مجلس الأمن الدولي, حيث كان الفيتو الأمريكي يحول دون ذلك. وبمرور الوقت بدأ تديين الفضاء الداخلي أو المجال العام في الدول العربية يفرض نفسه علي السياسة الخارجية, فنظم الحكم العربية نجحت في دفع المجتمعات إلي مرحلة متقدمة من التدين الشكلي وبدأ فائض التديين يفرض مطالبه علي صانع القرار. كما بادر الأخير إلي توظيف البعد الديني في الحصول علي تأييد داخلي, ولم يخل الأمر من توظيف انتقائي من جانب صانع القرار لصرف الأنظار عن استحقاقات داخلية. وشهدت السنوات الأخيرة في حياة وحكم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات استخداما مفرطا للرموز والمصطلحات الدينية, ولم يكن المجتمع الفلسطيني استثناء من تديين الفضاء العام, فبات المجتمع, الذي كان أكثر المجتمعات العربية تعليما, ومدنية, ومن ثم أقربها إلي العلمانية( بمعني فصل الدين عن السياسة أو بتعبير آخر حياد الدولة تجاه قضية الدين) ينظر إلي قضاياه من منظور ديني ضيق. ومع فساد سلطة فتح, كانت النتيجة الطبيعية صعود نفوذ حركة حماس في الشارع ونيلها الأغلبية البرلمانية في الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت عام2006, ومن ثم صعد فصيل ديني ينتمي لحركة الإخوان المسلمين, ينطلق من مقولة ان الصراع مع اسرائيل هو صراع وجود لا حدود, وان فلسطين من البحر إلي النهر أرض وقف اسلامي, لا يجوز التفريط في شبر منها, وأنه ليس في عجلة من أمره, يقبل بدويلة أو إمارة علي أي بقعة محررة من أرض فلسطين تكون منصة اطلاق باتجاه فلسطين من البحر إلي النهر ولو بعد حين. والحين قد يصل إلي قرون, ووفق رؤية هذا الفصيل فإن الأولوية الآن ليست للتحرير بل وحسب ميثاق الحركة بناء الفرد المسلم, الأسرة المسلمة, المجتمع المسلم, ثم الدولة الاسلامية التي ستحرر الأرض من البحر المتوسط إلي نهر الأردن, ففي الخلفية قصة الإمارات الصليبية التي تواجدت في المنطقة. مع قفز حركة حماس إلي السلطة, تسارعت عملية تديين المجال العام في قطاع غزة, وتمت تصفية مبرمجة للوجود غير الاسلامي, من بشر وحجر( من تفجير المدارس الكاثوليكية إلي تفجير النصب التذكاري للجندي المصري المجهول) وجري اختزال القضية الفلسطينية في قضية المقدسات أو الأماكن الدينية المقدسة. وهو أمر تلقفته القوي الصهيونية بذكاء شديد وبدأت توظف الطرح الديني لتحويل القضية الفلسطينية من قضية أرض محتلة إلي قضية صراع علي أماكن مقدسة. ومن ثم مواجهة تجري علي أساس ديني, فيكون منطقيا أن يقف الغرب إلي جانب الطرح اليهودي في مواجهة الطرح الاسلامي مستفيدا من تاريخ حافل بالصراع ومتخم بالدماء, وأيضا للمناخ غير الايجابي تجاه الحركات والمنظمات الاسلامية علي الصعيد الدولي. واللافت للنظر أن عددا كبيرا من المحللين الفلسطينيين والعرب بات يختزل قضية فلسطين أرضا وشعبا ووطنا في الألف متر مربع التي تحوي الأماكن الدينية أو المقدسات, وبات النزاع يجري علي أرضية دينية ودخلوا في سجال حول مدي صحة الادعاء اليهودي بوجود الهيكل الثاني أسفل المسجد الأقصي, ودخلا في تفاصيل ذلك وجاء كل طرف بما يراه دلائل تاريخية تؤكد صحة ادعاءاته. في هذه الأجواء ووفق هذ التصور يكون فشل البرلمانيين العرب والمسلمين في إدراج قضية الانتهاكات الاسرائيلية للمقدسات الدينية في مدينة القدس, أمرا متوقعا, فقد اختزلنا القضية الفلسطينية في مقدسات وأماكن مقدسة, ودخلنا أو استدرج البعض من إلي سجال حول الحق التاريخي في هذه المقدسات, ومن ثم باتت القضية, قضية مقدسات محل نزاع, ومن ثم فإن القناعات الدينية, والمشاعر وليس القانون الدولي ولا الشرعية الدولية ستكون العامل المحدد للمواقف والموجه للقرارات. لكل ذلك لابد من وقف تديين قضايانا بوقف عملية تديين المجال العام داخليا أولا, والتخلص من تديين السياسة الخارجية, ووقف اختزال القضية الفلسطينية في مقدسات, ووضعها علي أرضية قانونية, حقوقية, انسانية, فتعود قضية شعب يناضل من أجل تحرير ترابه الوطني وفق ميثاق الأممالمتحدة وقرارات الشرعية الدولية, وإلا فإن الثمار ستكون مرة داخليا ودوليا.