طرح الرجل تصورًا مقلوبًا، ومغايرًا، ومختلفًا لكلبه الحميم، وصديقه الذى صاحبه أعوامًا، وذلك بأنه يتميز بذكاء يتخطى ذكاء البشر، ويفوق ذكاء زوجته، فهل يعد ذلك خطاب انشقاق مكتوم عمن يحيطون به؟ راح الرجل يستحضر تجليات التكافؤ العاطفى بينهما، إذ يقود الكلب صاحبه إلى الأماكن الهادئة، وغير المتوقعة. ترى هل يعى الكلب خصوصيات الأمكنة، ويستبصر المخفى منها والمجهول؟ هل الحيوان يستطيع مراقبة ما حوله مراقبة متواصلة، ويبنى له نسقًا معرفيًا، ويحتفظ به ويتذكره متماسكًا وثابتًا؟ أليس الخطأ الأكثر شيوعًا هو تفسير سلوك الحيوانات كما لو كانت كائنات بشرية؟ صحيح أن الأسئلة العلمية تستوجب تفسيرًا، لا علاقة له بالحدس أو الاعتقاد الذاتي، إذ كل سؤال يحمل ما يجب التحقق من صدقه أو كذبه، عبر مواجهته بالمعطيات المفسرة لصدقه أو كذبه، لكن الصحيح كذلك أن الرجل لا يطرح تفسيرًا؛ بل يسرد حكايات، وعلى المتلقى أن يسمع ما يطرحه ويتقبله، حتى لو كان قفزا فوق الحقائق، والغرق فى الأوهام. يحكى الرجل أنه اصطحب كلبه يومًا على غير وجهة محددة، فقاده الكلب متجهًا إلى درب ضيق لم يطأه قبلًا، فباغتته زهور أخفق فى معرفتها، فواصل السير خلف كلبه، وصعدا معًا مرتفعًا، فاستشرفا منظرًا مبهرًا، فثمة أسفلهما حقول تتبدى فاتنة، تواصل امتدادها الغائر حتى تتمفصل بمدينة غامضة بين الضباب والغيوم، فيتألق المشهد غرابة بتميزه. ولأن الرجل يجهل تلك المدينة، وجغرافية المكان وانعطافاته؛ لذا راح يتطلع إلى أسفل، حيث التل منحدرًا نحو الأعماق، منضويًا بمروجه الكثيفة الخضراء، تحت أشعة شمس الربيع، فتبدت كالشذا فوق هامات الأشجار وكأنها تتابع الظلال وتحاورها، فاستشعر الرجل شغفًا للنزول، وتطابقت رغبة كلبه مع رغبته، فهبطا معًا. انطلق الكلب يتبعه صاحبه، ثم سرعان ما داهم الكلب قلق تبدى فى خطواته، بذهابه وإيابه دون تقدم، يهز أذنيه بانتباه مثير، ويتشمم الأرض، ثم شرع بالنباح. هل استبق الكلب فى الكشف عن موجودات محجوبة؟ يؤكد الرجل أنه شاهد بيتًا ينتصب أمامه وسط غرابة وغموض، وجرفه التساؤل عمن يمكنه أن يبنى بيتًا فى هكذا مكان، وأيضًا لا يمكن رؤيته إلا لمن يقف أمامه مباشرة، كما أن نوافذه مزججة بطريقة تخالف المألوف، وليس ثمة مدخل إليه على الطريق، وأقر الرجل أن الخصوصية الملتبسة للبيت جد مثيرة؛ لذا فإن نزوعًا حاسمًا دفع الرجل للتحرك بحثًا عن مقدمة البيت لدخوله، فرافق سمعه صوت انسياب ماء قريب، وإذ بمدخل البيت مواجهًا الغابة، ويتسم تصميمه بدرجة عالية من الترف، وثمة سلم يقود إلى الباب الأمامي. مارس الرجل كل آليات طلب الدخول دون أى استجابة، راح يعدد احتمالات أسباب عدم الرد، وبالتأكيد منها ما يلزمه بالرحيل، لكن الإصرار الذى يتلبسه، دفعه إلى استطلاع البيت من خارجه، فكانت النافذة وسيلته ومن خلالها لمح حوضًا حجريًا يتوسط الغرفة، وفى مركز الحوض ينبثق ماء ويتدفق على الجوانب. أدهش الرجل وجود الحوض، ولأن الدهشة تستولد التساؤل؛ فإن ذلك ما رفع عن الرجل كل حظر لتلصصه أو دخوله البيت، مبررًا ذلك الخرق بما استشعره من قبل، بأن شيئًا مثيرًا يتعلق بخصوصية هذا البيت؛ لذا أجاز لنفسه التلصص. صحيح أن الإنسان دائم البحث عما ينقصه، لكن الصحيح كذلك أن الإنسان دائم البحث عن النقص الذى يؤسس ماهية وجوده الإنساني، ترى لم الرجل مشغول بهذا البيت؟ هل جهله بهذا البيت يشكل مساحة نقص معرفى لماهية وجوده الإنساني، أو يؤثر بالسلب فى قضايا الشأن العام لمجتمعه؟ واصل الرجل تلصصه من النافذة، فحصًا لموجودات البيت، فرأى عند الجدار البعيد عن المدخل، موقدًا حجريًا، على جانبيه ثلاثة رفوف تحمل عددًا وافرًا من الأطباق، وبجوار النافذة منضدة عليها بقية سيجارة يرتفع منها خيط دخان. لا شك أن السيجارة تعد معطًى فوريًا، يشير إلى أحد لا بد أن يكون موجودًا بالبيت. على الفور صعد الرجل سلم المدخل، وعاود النداء للدخول، لكن دون استجابة، وإذ به يكتشف أن الباب غير مغلق، فولج مع كلبه إلى الداخل، وسرعان ما تراجع منسحبًا، إذ أبصر كلبًا إسبانيًا بلون فحمى أسود، ضخم الجثة ويبدو عجوزًا، يضطجع نائمًا فى الشمس تحت النافذة، نهض الكلب الأسود شاخصًا إلى الرجل، وعلى الفور تحرك صوبه كلب الرجل، وراحا يهر أحدهما للآخر دون نباح، كما لو كانا يتحاوران، فعاود الكلب الأسود اضطجاعه، وإلى جانبه تمدد كلب الرجل. ما الذى لجم العنف الحيوانى للكلب ليسمح للرجل بدخول البيت؟ وقف الرجل متفحصًا موقع الوجود الاستثنائى بوسط الغرفة لذلك الحوض الحجرى الذى يتدفق منه الماء، حيث يفتقد وجوده مبرراته الضرورية المعقولة أو المنظورة، التى تحدد وظيفته، لذا أقر الرجل بأن من يقطنون هذا البيت يستخدمون ماءه للشرب، وتابع تفحصه مفردات الغرفة، فأبصر مقعدًا يجاور الحوض، وثانيًا عند الموقد، وثالثًا خلف المنضدة، والسيجارة التى لمحها قبلاً قد انتهت، كما لاحظ وجود ساعة جدارية تشير إلى تأخرها عن الزمن الحقيقى بساعة كاملة، وثمة كتب باللغة الألمانية يكسوها التراب، فى حين ظل سؤاله الأساس: أين صاحب البيت، ومن يكون؟ اعتصم الرجل فى مواجهة تأجج فضوله بإقراره الرحيل، والعودة يومًا لملاقاة صاحب البيت، ثم غادر هو وكلبه، صافقًا الباب بقوة فأحكم غلقه، لكن يبدو أن الفضول يشكل آلية ضاغطة فى سلوك الرجل، لا تتقيد بضوابط تذعن لها؛ إذ تسلل تجاه النافذة متواريًا مستطلعًا، فوقف محدقًا متفرسًا، منبهرًا ومأخوذًا، حيث رأى الكلب الأسود يحدث نفسه بصوت بشري، معلنًا انزعاجه من زيارة اليوم، ثم تثاءب، وفجأة استحال إنسانًا فى منتصف العمر، يرتدى حلة سوداء، ويضع نظارة، ويجلس على المقعد خلف المنضدة، وسيجارة فى فمه، وراح يقلب صفحات أحد الكتب. إن الكاتب اليابانى ز ساتو هاروس فى قصته ز بيت الكلب الأسودس طرح نموذجًا من البشر هيمنت عليه وتلبسته حالة ترائى الأوهام، التى تجعل الإنسان لا يرى العالم كما هو؛ بل كما يتراءى له فى صورة مغايرة، ومقلوبة، ومخالفة لواقعه، تتصدى للواقع الحقيقى وتقمعه بكل يقيناته، وتفرض أوهام الواقع المغلوط بحسب تصورها له. أليست تلك هى سياسة الولاياتالمتحدة، التى شخصها مفكرها سيوم بروان، بوهم التحكم المؤكد، مهما تكن ساحة المعركة؟ إن أمريكا تفرض على العالم واقعًا موهومًا مغلوطًا يرسخ هيمنتها، مهما تكن نتائجه الكارثية لغيرها؛ إذ تراءى لها مشروع توسع أفقى لجغرافيا سياسية، يحقق المفهوم الأوسع لاقتدارها، وأحادية هيمنتها فى مواجهة منافسيها، ولأن المشروع يطال الشرق الأوسط؛ لذا أحالت السلام الاجتماعى للمنطقة إلى فخاخ خبيثة ولدت احترابًا داخليًا لشعوبها، وراحت تغذى أطراف كل احتراب، كتسويغ إكراهى لاستنزافها وتطويعها. ترى هل مازالت أمريكا تردد صيحة رئيسها الأسبق مونرو «العالم للأمريكيين، ولا شيء سوى أمريكا»؟ . لمزيد من مقالات د. فوزى فهمى